المرجع الديني السيستاني كان أجرأ من القيادة السياسية

 

يبدو أن الولايات المتحدة اتخذت قرارها بقصقصة أجنحة الإرهاب لأسباب تتعلق بتثبيت هيمنتها على المنطقة بعدما وجدت أن دول أخرى استفادت على حسابها، لكن أوربا لا تثق في استراتيجيات الولايات المتحدة البراغماتية التي تتخلى عن استراتيجياتها فجأة، حتى أن البرلمانيون الأوربيون غاضبون من حكوماتهم كيف أنها تسترضي نظام ولاية الفقيه لا قيمة عنده للإنسان، ولا زالت أوربا تواصل فذلكتها السياسية البائسة في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها واشنطن على إيران، والتي أثبتت نجاعتها، وأنها مؤثرة في صعيد قصقصة أجنحة الإرهاب الذي تقوده إيران في المنطقة تحت عباءات متعددة منها محور الممانعة والمقاومة أي المتاجرة بالقضية الفلسطينية، ومذهبيا في الدفاع عن مظلومية الحسين من أجل تقسيم المنطقة، ولم تكترث أوربا بكل ذلك، خصوصا بعد الفضائح التي خرجت في غير مناسبة، فيما يتعلق بتجنيد إيران دبلوماسيين إيرانيين للقيام بأعمال إرهابية على الأرض الأوربية.

كذلك روسيا تستثمر إيران التي تحتاجها في سوريا، رغم أنها أعطت وعود لإسرائيل بخروج المليشيات الإيرانية من سوريا، لكنها أوحت لبشار الأسد بقبول دعوة إيران لزيارة طهران، لذلك تلعب إيران فقط على الهوامش، لفك عزلتها التي فرضتها واشنطن عليها، وإن كانت واشنطن هي الأخرى تترك هوامش لإيران تتحرك فيها من أجل أن تبقى أزمة الشرق الأوسط قائمة، ومنطقة غير مستقرة ومتحدة تفرض على دول المنطقة الحاجة للولايات المتحدة واستدعائها لإقامة التوازن وشاهدنا كيف تضجر الجميع عندما أعلن ترمب الانسحاب من شرق سوريا.

تلك سياسات تدركها أوربا والسعودية أيضا، والذي يفرض عليها إقامة شراكات متوازنة مع الجميع بعيدا عن الانخراط في أي محاور، ونلاحظ ذلك في الشراكة القوية التي أقامتها السعودية مع روسيا للمساهمة في استقرار أسواق النفط، رغم أن السياسة الأمريكية تعارض إقامة شراكة مثل هذه، وكذلك تقيم السعودية شراكات أخرى قوية مع الصين التي دخلت معها الولايات المتحدة في حرب تجارية، ولكنها ستكون مؤقتة حتى تصل إلى اتفاقات جديدة، وكذلك الدخول في شراكة متوازنة مع كل من الهند وباكستان، بل ساهمت السعودية في نزع فتيل المواجهة بين الجارتين النوويتين، مستثمرة وصول قيادة جديدة في باكستان راغبة في تنشيط الاقتصاد الباكستاني والخروج من دائرة الصراع الذي فرضه الغرب على المنطقة.

منذ وصول التيار الإصلاحي للحكم في إيران عام 1997 محمد خاتمي، وتم تأسيس ثنائية جديدة تضاف إلى تعقيدات التركيبة السكانية في إيران ( محافظ وإصلاحي )، لكن كان التيار الإصلاحي فقط لاحتواء الداخل الإيراني، فيما كان التيار المحافظ مستمر في مواصلة طريقه لتنفيذ مشروع ولاية الفقيه.

كما فشلت مراجعات هاشمي رفسنجاني التي كانت تتعلق بالأفكار المدنية، وتتعلق بقبول التعددية الفكرية والاختلاف في التوجهات، فلم يعد يثق الشعب الإيراني في الحكومة الإصلاحية بعد الآن بسبب أن المحافظين هم المسيطرون على الحكم في الداخل والخارج، وستظهر حركة خضراء ستنبثق عن الحركة الإصلاحية، رغم ذلك ستبقى مراكز القوى المتشددة تتمسك بمواقفها رغم اتساع الاحتجاجات لأنها تدافع عن امتيازاتها ونفوذها وبقائها.

هو نفس النموذج الذي نقلته إيران للعراق الذي تحول إلى نهب منظم بلا رادع، ولا يزال العراق يتربع على قائمة الفساد بشهادة منظمات دولية لها مصداقيتها وهي غير مسيسة، فمنظمة الشفافية الدولية الذي خرج في بداية عام 2019 أوضح أن جهود مكافحة الفساد تتعثر في العراق ولا يزال الفساد في العراق ينخر يؤدي في نهاية المطاف إلى حلقة مفرغة، التي تلتهم الأنظمة الديمقراطية الشفافة التي تم صياغتها بعد أن التهمت الأنظمة الشعبوية، ولكن الالتهام كان أقل من أنظمة محاصصة اليوم التي تدعي أنها ديمقراطية.

نجد الدول التي تهيمن عليها إيران هي الأعلى فسادا في العالم بعد الصومال الذي أتى في المؤخرة واحتل المركز ال180 تليها سوريا 178 واليمن 176 وليبيا 170 والعراق 168 ولبنان 138، فهل يستوعب حلفاء إيران هذا التقرير؟، لكن بسبب أن إيران جعلتهم ضمن منظومة الفساد، فلن يتخلوا عن امتيازاتهم حتى لو فشلت الدولة وانهارت، عندها سيهربون بأموالهم للخارج وترك بلدهم العراق يصارع الفشل والانهيار.

المشكلة أن الفساد في العراق ليس فقط في أجزاء الدولة، بل أيضا اجتماعيا وثقافيا ورقابيا، مما يجعل محاربة الفساد أمرا في غاية الصعوبة، وهي تركة متراكمة منذ تولي نوري المالكي السلطة عام 2008، التي شرعنة تهريب النفط، ومشاريع وهمية وعقود مزورة ووظائف فضائية لا وجود لها في أرض الواقع، يقدر البعض أنها تصل إلى نحو 300 مليار دولار ذهبت هدرا، مثل عقد وقعته حكومة المالكي في عام 2013 مع إحدى الشركات السويسرية لتجهيز وبناء وتشغيل مصفاة للنفط بطاقة تبلغ إنتاجية 150 ألف برميل يوميا في محافظة ميسان جنوبي العراق بقيمة ستة مليارات وخمسمائة مليون دولار، وتبين أن الشركة مسجلة في سويسرا في عام 2008 برأسمال مائة ألف فرنك فرنسي، ولها عنوان وهمي لا وجود له، فلا توجد أي جهة لمحاسبة المالكي المحمي من إيران.

وحسب نائبة عراقية أن ميزانيات العراق منذ 1920 إلى 2003 بلغت نحو 220 مليار دولار بنت العراق الحضاري، بينما ميزانيات العراق منذ تسلم حلفاء إيران السلطة في العراق وحتى الآن بلغت 862 مليار دولار رغم ذلك العراق في قائمة دول الفساد فقط من أجل أن يبقى العراق تابعا لإيران.

هذا ما أدركته مؤخرا مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة من أن إيران تتسبب في انهيار المنطقة باعتبار أن واشنطن لا زالت المسؤولة عن العالم، ولا زالت القطب الأوحد حتى الآن، رغم ظهور أقطاب أخرى، لكنها حتى الآن هي غير مسؤولة عن ترتيب أوضاع العالم بل هي مشغولة بمشاريعها ونفوذها، وتصر على أن تتحمل الولايات المتحدة مسؤولياتها، رغم أن الولايات المتحدة بدأت تفرض على العالم أهمية مشاركتها في تكلفة صيانة أمن وسلامة العالم، وهو ما يفسر تغاضيها عن تواجد روسيا في سوريا، الذي يعتبر جزء من مشاركتها في مسؤولية صياغة وسلامة أمن الشرق الأوسط، رغم أن الولايات المتحدة لم تترك روسيا منفردة في هذه الصياغة، لكن لا زالت الولايات المتحدة تعاني من تعثر وممانعة أوربا من المشاركة بسبب بزوغ عدد من الملفات السياسية التي تعاني منها أوربا لم تكن موجودة من قبل، فيما الصين منشغلة بمد نفوذها الاقتصادي عبر طريق الحرير إلى جميع أنحاء العالم القديم آسيا وأوربا وأفريقيا.

فزيارة روحاني الأولى منذ وصوله للسلطة لبغداد من أجل البحث عن حلول في بغداد لتخطي عزلة طهران، نجد أن وزير الخارجية العراقي محمد علي الحكيم يصفها بالتاريخية، فيما عدها الرئيس العراقي برهم صالح بالمهمة للغاية، ولكن أي محلل سياسي سيرى في هذه التوصيفات بأنها دبلوماسية، رغم أن البعض يراها استقبال التابع للمتبوع، لكن أيضا مثل هذا التوصيف فيه مبالغة، لأن ساسة العراق لديهم فرص بسبب أن إيران تعاني أزمة سياسية عالمية، ولن تستطيع إيران جر العراق إلى معركتها مع أميركا، خصوصا وأن أميركا لديها نحو 20 قاعدة عسكرية في العراق، ما يعني أن المليشيات العراقية التابعة لإيران هي التي تحت مقصلة الولايات المتحدة ولن تستطيع القيام بأي مواجهة مع القوات الأميركية في العراق، ولن تستطيع أيضا اختبارها، لأن القوة غير متكافئة، بل إن العراقيين يحتمون بهذه القوات ضد أي هيمنة إيرانية مستقبلية والجميع يرحب بها رغم أن حلفاء إيران في ظاهرهم يروجون من أنها قوات أجنبية يجب الخروج فقط من أجل إرضاء الولي الإيراني خصوصا ممن يشعر من أنه تحت الاستعباد الإيراني.

كان المرجع الأعلى للشيعة في العراق آية الله علي السيستاني الأجرأ في مواجهة روحاني عند زيارته في 13/3/2019 عندما خاطب روحاني من أن السيادة العراقية يجب أن تحترم وأن تبقى الأسلحة في يد الدولة، في إشارة إلى الفصائل المسلحة المنضوية أساسا في قوات الحشد الشعبي والتي تدعمها إيران وتحظى بنفوذ متزايد في العراق، ومعظم هذه الفصائل تدين بالولاء لطهران أكثر من ولائها للعراق.

هذه المخاوف هي نفس مخاوف القيادة السياسية، لكنهم لم يجرؤا على مواجهة ومصارحة روحاني خشية وخوفا على أنفسهم، وكأن السيستاني يكرر مقولة السعودية التي تكرر من أنها لن تقبل بوجود حزب الله في اليمن، فكذلك يؤكد السيستاني عبارة السعودية بأننا لن تقبل بحزب الله في العراق، وبذلك ستواجه إيران نفورا عربيا مشتركا منها، رغم هيمنتها على المنطقة العربية، وخصوصا على العراق الذي تعتبره البوابة للمنطقة، وتعتبر العراق أهم من البوابة لبنان، التي بدأت السعودية بالتحالف مع واشنطن في إضعاف حزب الله في لبنان، خصوصا بعدما وضعت بريطانيا حزب الله بكامل مكوناته السياسية والقتالية على قائمة الإرهاب، فبدأ حزب الله وإيران بتشويه سمعة السعودية من أنها طبعت علاقتها مع إسرائيل، ووافقت على صفقت القرن، لكنهم يتجاهلون تسمية السعودية القمة العربية التي عقدت في السعودية بقمة القدس، ورفضها أي تطبيع مع إسرائيل قبل أي تسوية سياسية.

أتت زيارة روحاني للمرجع الشيعي الأعلى السيستاني مخيبة آمال إيران، خصوصا بعدما فشلت إيران في إضعاف مرجعية النجف منذ فترة طويلة من أجل أن تكون مرجعية قم هي الأساس ومرجعية النجف تابعا، خصوصا وأن هناك خلافات جذرية بين المرجعيتين فيما يتعلق بولاية الفقيه التي ترفضها مرجعية النجف وتعتبرها بمثابة هيمنة سياسية على العراق وعلى بقية الدول العربية، ما جعل إيران تلجأ إلى خلق داعش بالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية لتخويف الشيعة في العراق التي أجبرت المرجع السيستاني على إصدار فتواه الجهاد الكفائي، وبها أسست إيران مليشيات الحشد تحت إشراف قاسم سليماني، لكن اليوم يطالب المرجع الشيعي الأعلى آية الله السيستاني بإنهاء هذه المليشيات التي لن تقبل المرجعية أن تكون أقوى من الجيش، أو قوة موازية للجيش، خصوصا وأن داعش انتهى في العراق، قد يكون المرجع الديني ربط هذا الشرط بالتعاون التجاري، لكنه لا يملك هذا القرار لأنه بيد الحكومة السياسية وهي حكومة محاصصة لا تستطيع مواجهة إيران، رغم ذلك لن يستمر العراق بوابة التمدد الإيراني كما كان في الماضي بسبب أن في العراق نحو 20 قاعدة عسكرية ستضبط التمدد الإيراني، مثلما تضبط روسيا التمدد الإيراني في سوريا، فقط يمكن لإيران أن تتواجد وفق الهوامش المتاحة لها من قبل القوتين الروسية والأمريكية.

لا تعليقات

اترك رد