سيرك الإنتخابات الأمريكية بين هرج الفرجة،ومتطلبات”المؤسسة الحاكمة”ومفاجأة الحاوي”ج1″

 
سيرك الإنتخابات الأمريكية بين هرج الفرجة،ومتطلبات

القدريخلط الأوراق ونحن السياسيون نلعب بها”الرئيس الأمريكي الأسبق”ويلسون”Thomas Woodrow Wilson

تمهيد:
يصعب البث في مبحث مختصرفي شأن الإنتخابات الأمريكية الهوليودية التجهيزوالإثارة،والتمويل والتهويل،ولا يمكن الفصل بكلمات موجزة في شؤون تعقيدها وتمايزها عن عدائلها في غرب أوروبا-تشريعيا وسياسيا وإيديولوجيا-،حيث أنها من أكثر الإنتخابات في العالم كلفة وبهرجة وضجيجا ولولبية، وأشدها غموضا ونأيا عن الوضوح والشفافية،وأبعدها عن معاييرالديموقراطية الغربية المتعارف عليها أوروبيا

-كما يجب التنبيه قبل التيه في خضم البحارالهوجاء لهذه الإنتخابات الأمريكية،بعدم إغفال إستيعاب تلك التعديلات الطفيفة الطارئة على القشور،وفصلها عن التزويقات التي يتم إلحاقها بالديكور،الهادفةإلى المزيد من التمويه السينمائي،بغية جعل المشهد السياسي الأمريكي متميزا ومتفردا في التاريخ،وفي الزمان والمكان،رغبة من”المؤسسة الحاكمة” TheEstablishment- في الحفاظ على المبادئ”السامية”المؤسٍسة ل”الدولة الأمريكية”منذ نشأتها،والتأكيد على التأصيل لمفهومية”الأمة الأمريكية”–المشبوهة المصطلح والأصول،والغريبة الفروع والفصول-التي تم التقعيد لها في ما يسمى في الأدبيات السياسية الأمريكية ب”نظرية المصيرالمبين”كمصطلح ديني توراتي،أقيمت على أعمدته”بنية الدولة”منذ عام 1776….،وتلك من المهام الصعبة المنوطة بالمرشحين الحاليين بأدائها-بكل التمظهرات الهزلية والطرق السينمائية التي تصل أحيانا إلى حد الغلاظة والفجاجة،والإسفاف والتلف

ومن باب التذكيرنشير،إلى أن قانون الإنتخابات الأمريكية يخضع للقوانين الفدرالية الداخلية للولايات التي تختلف من ولاية لأخرى،(فقانون الإنتخاب في ولاية فلوريدا يختلف عن ولاية كلفورنيا اوميريلاند على سبيل المثال)،بينما يطبق قانون الإنتخابات في فرنسا على كل التراب الوطني–مثلا

– ونظام الإقتراع الأمريكي:هوأنغلوساكسوني يتبنى”نظام الإقتراع الغيرالمباشر”الذي كان متبعا في فرنسا–مثلا-حتى قيام الجمهورية الثالثة(1870 -1940.)–التي قامت بإنجازإصلاحات جذرية في نظام الحكم السياسي وقوانينه،بتبني”نظام الإقتراع العام المباشر”-المتعارف عليه حاليا في الديموقراطيات الغربية المعاصرة- بينما ما تزال الولايات المتحدة تتبع نظام”الإقتراع الغير المباشر”(1)الذي كان معمولا به في فرنسا حتى نهاية البونابرتية–وهذا جانب بحثي تفصيلي-حيث ما يزال الصراع محتدما
بين ما يسمى ب”منظري السياسة-سواء في أوروبا الغربية أو في الولايات المتحدة الملقبون–إصطلاحا ب) خبراء السياسة أو (politologues, politiste– حول المفاضلات ما بين النظامين (2)

و تختلف أيضا الإجراءات القانونية لتسجيل المرشحين للرئاسة في الولايات المتحدة عن نظائرها الأوربية،فبينما يطالب المرشح للرئاسة في فرنسا-على سبيل المثال-بالإكتفاء فقط بالإدلاء ببطاقته الوطنية،وشهادة تثبت مقرسكناه-بغض النظرعن الإنتماء الحزبي أوالفريق السياسي-،فالأمريختلف كلية في الولايات المتحدة،بالنظر إلى أن نظام الإنتخابات فيها هو نظام أنغلوساكسوني عتيق،حيث يطالب المرشح بإثبات إنتمائه السياسي–الجمهوري أوالديموقراطي-،فإذا كان غيرمنتم لكلي الحزبين،يطالب عندها بالتسجيل في قائمة”المستقلين الأحرار”- التي يسميها بعض المحللين الأمريكين ب”قائمة المخابرات”…-لأنه يستحيل وجود مستقل”حر”سياسيا” يغرد خارج “رؤية المؤسسة”أو ينقب في النظريات “الحمراء” الشيطانية الشيوعية ،أوالأيديولوجيات الإشتراكية والقومية المارقة، أوالأطروحات المناهضة للإمبريالية،التي شطبتها “الماكارثية”من القاموس السياسي منذ الخمسينات،وزجت بمعتنقيها في أقبية السجون أو فروا خارج البلاد.-بالرغم من “تسربل”المرشح الديموقراطي:اليهودي البولوني الأصول”ساندرز” Bernie Sanders باللبوس”الماركسي المعتدل الإشتراكي”وبالرغم من مغازلته للفسطينيين وللعرب والمسلمين المقيمين بالمهجرب”ضرورة إحترام حقوق الفلسطينيين”،بينما يهدد أمريكيون سود وبيض وملونون وطلبة جامعيون عرب بمغادرة البلاد للإقامة بكندا–مثلا-في ماتم إنتخاب”الملياردير- الألماني الجذور–البروتسانتي العقيدة ورجل الأعمال–المثيرللشغب-“دونالد ترامب”
وتلعب قائمة التصنيفات دورا أساسيا في المرحلة الأولى الإبتدائية للإنتخابات لمراقبة مدى وفاء كل مرشح حزبي لمبادئ حزبه ليتقرر”مصيره”لاحقا–كما هو الحال بالنسبة ل”ساندرز”الديموقراطي،أو بالنسبة ل”لترامب”الجمهوري(حيث يلقبان-سياسيا وإيديولوجيا ب”المتمردين OutsiderS اللذين حظيا بإعجاب الشرائح”الغاضبة الأمريكية”والمتشككة في وثوقية”النظام القائم”وفي مصداقيةالسياسيين والمتحزبينk غيرأن هذين”المتمردين “غيرمرغوب فيهما سواء من داخل حزبهما أو من طرف”المؤسسة الحاكمة” TheEstablishment
كما أن لقائمة المرشحين تأثيراتها–إعلاميا،ومعلوماتيا ومخابراتيا،وإيديولوجيا-تمكن”المؤسسة الحاكمة TheEstablishmentمن مراقبة أنشطة المرشحين وسبرأغوارمعينهم الإيديولوجي وتوابعه السياسية المؤثرة على”النظام القائم “الذي أسسه الآباء الأولون وإصطلحوا على تسميته ب”الدستور الأمريكي”الذي وضعه”جورج واشنطن”في عام 1776
-بينما يشكك في مصداقية هذين”المتمردين”خبراء أمريكيون ومحللون سياسيون جادون وعلى إطلاع وثيق بأسرار”السلطة الحاكمة”وعارفون بمسالك السياسة الأمريكية الملغوزة وبدهاليزها المعتمة الملتوية وعلى رأسهم رجل الدولة والسياسة “رون بول”: Ron Paulالمتمرد الجمهوري السابق والمخضرم السياسي ورجل الدولة الممثل لولاية التكساس الملقب ب”الدكتور لا”-المثيرللغط والجدل في الإنتخابات الرئاسية في كل من عامي 2008 و2012 والمناهض لكل حروب “الأمبراطورية”والتدخل في الشؤون الدولية بالمباشر عبرالحروب المدمرة،او بالطرق الملتوية عبر قلب الأنظمة والقيام بالإغتيالات السياسية او”فبركة الثو رات الناعمة والملونة”،حيث تم تشطيب بول في الحملات الإنتخابية لكي يخلو الميدان-لأوباما–الأكثرغرابة وشبهة-من كل النواحي- في كل التاريخ الأمريكي،و تم “ركل”بول،خارج الحلبة بالضغوط والوعيد و بالتهديد بالتصفية الجسدية للإبقاء–مرتين على”رجل المؤسسة”الذي أوتي به من”زحل”و”عطارد”لكي يحقق”للمؤسسة الأمريكية”–عبرالتغييرالناعم والذكي الأوبامي”في أزمنة”الديموقراطيين”ما لم تحققه الحروب الوحشية المصادمة البوشية في أزمنة” الجمهوريين
ويرى”رون بول”وغيره من خبراء”الجيو-سياسة”الأمريكية أن هذين المتمردين ليسا سوى “خدمين”وفييين”للنظام”تم الزج بهما”في لعبة السيرك الإنتخابي”من أجل إذكاء وطيس”المهزلة الإنتخابية”إلى”أن يأتي الطبيب-كما قال أبوبكرالرازي -“أو إلى حين”الإتيان-بما يطلق عليه اليوم في الدوائر السياسية القريبة من “متخذي القرار المصيري “للشعب الأمريكي-“بالرجل الثالث”أو”رجل العناية السماوية”الذي سيتم”الإلقاء”به في المرحلة الأخيرة الفاصلة في إختيار سيد البيت الأبيض الذي ستكشف عنه “قبعة الحاوي” في الأيام المقبلة -وسنتحدث بالتفاصيل عن كل إحتمالات”ما تخفيه قبعة الحاوي في مقال مفصل آتي-
وإيجازا يمكن القول من هذا المنظور:أن الإنتخابات الأمريكية الدائرة اليوم في عام 2016هي من أكثرالإنتخابات تشويقا وإثارة للجدل لم يعرف لها نظيرمنذ عقود وخاصة منذ ستينات القرن الماضي،أي منذمنافسات الجمهوريين في صورة “نيكسون”مع نظيره الديموقراطي”جون كنيدي”التي أسفرت عن إغتيال الديموقراطي”كينيدي”عند تمرده على”المؤسسة الحاكمة”-أوالدولة العميقة-ثم إقصاء الجمهوري”نيكسون”بفضيحة”ووترغيت” Watergate ليس بسبب أخطاء حروبه الغبية في الفيتنام، ومذلات الجيش الأمريكي أمام العالم ،أوبسبب فشله في ترشيد مشاكل الدولة،أونكثه للعهود التي إلتزم بها في شؤون الإصلاحات الداخلية،بل طُرد شرطردة كسوقي مبتذل،فقط بسبب تنصته على الديموقر
ولا جدال في أن الإنتخابات الأمريكية-في منظور”الحقل الإيديولوجي الأمريكي”المركب والمستعصي عن الفهم-ما فتئت تزادا تعقيدا منذ الحرب الأهلية الأمريكية ( 1809- 1865 التي كانت من أكثر الأحداث والحروب الداخلية دموية في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية– منذ الثورة الأمريكية حتى اليوم–التي تلاها إغتيال الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية: أول حاكم جمهوري: أبراهام لينكولن1861م إلى 1865م –الذي حاول قياد ة بلاده بحنكة المحامي،غيرأنه إضطر إلى اللجوء بدل ذلك الى نجاعة السلاح وإراقة الدماء،من أجل الحفاظ على وحدة البلاد،ورفضه لزعامة أمة نصف سكانها من الرقيق”–حسب مقولته الشهيرة …،
ولا بد كذلك من التذكير، بأن قدر الولايات المتحدة قد خطته تلك الحرب الأهلية المفجعة منذ البداية، فتقررمنذ حينها صبغ الميول السياسية والإنتماءات الحزبية الرئيسية لمعظم الأراضي الأمريكية، حيث ضل معظم الجنوب “جمهوريا” والشمال “ديموقراطيا ” ثم إنطبعت الولايات المتحدة الأمريكية لعهود طويلة، بالصبغة الإستثنائية الأمريكية التي رسمت ما يسميه خبراء السياسة الأمريكيين ب:
-“الولايات الغير الملموسة”أوthe intangible states أي تلك الولايات التي لا يتغير طيفها السياسي أبدا مهما بلغت متانة برنامج حزب الخصم السياسي أو تميزت القدرات الخطابية لمرشحها السياسي حيث لايبدل–مثلا– الجمهوريون-أية مجهودات تذكرفي كسب ود الناخبين في ولايات كبرى مثل”ولاية “تكساس”أو”كارولينا الجنوبية أو ولاية “المسيسيبي”حيث الثقافة السائدة فيها هي المحافظة والتشدد الديني ورفض الأجنبي–من خارج الولاية ولو كان من البيض الأمريكيين بينما تعتبر ولايات مثل “الينوا” Illinois ونيو جيرسي ،ماساشيتس،هاواي، “فيرمون” ونيويورك معاقل للديموقراطيين والليبراليين
أو الولايات المتأرجحة :أو swing state،”وهي في الغالب ولايات صغيرة يتم فيها فصل الخطاب،وتقريرمصيرالبلاد،ويبدل فيها المرشحون جهودا جبارة في إستمالة سكانها–مهما صغر حجمها -ويسميها خبراء السياسة في أوروبا ب”الولايات المحورية اوالمفصلية État-charnière, État pivot نذكر –على سبيل المثال : انه في إنتخابات تقرر مصير الإنتخابات في عام 2004 عند الولاية الثانية لبوش الإبن عندما ركز الجمهوريون كل جهودهم في كسب ود الناخبين في إحدى أصغر الولايات الغير المعروفة.
وبالتالي فهذه الإنتخابات ستحمل بين طياتها عند نهايتها مفاجئات نكداء قد تكون أشد وطأة ونكدا من سابقاتها–خلاف ما يشيعه التهريج الإعلامي الأمريكي -،قد تقلب الأمورفي السياسة الأمريكية الخارجية الدولية بشكل درامي غيرمسبوق،-كيفما كان الطيف السياسي للمرشحين الحاليين–الذين لن يخرجوا عما كُلٍفوا بأدائه–سياسيا- ولوأنزلهم جبريل من السماء-سنتطرق لبعضها في الجزء الثاني من هذا المبحث المختصر.
للموضوع بقية
b

لا تعليقات

اترك رد