أين تنصب أولويات اشتغال التنويريين؟ أعلى النظام الطائفي أم عناصره؟

 

بدءاً لابد من الإقرار بأن قوى التنوير، مازالت تترنح تحت ضربات النُظُم الاتسغلالية المتعاقبة؛ وهي فاغرة الجراح مما لم يلتئم بعد، في ضوء قدرات تلك النُظم على استغلال الأوضاع ومنها وجودها في السلطة لتجيير الأمور لصالحها. فيما قوى التنوير التي تنبع من الأغلبية الفقيرة، تفتقر لتنظيمات سليمة ناضجة وهي على الرغم من وعيها أهمية وحدتها لم تستطع لأسباب شتى تحقيق تلك الوحدة والأنكى، أنها مازالت لم تنضِّج برامجها باسقف زمنية مطلوبة لحركة التغيير المنتظرة.

ولابد لنا من الاعتراف بوجود خروقات جدية في التنظيمات الوطنية الديموقراطية \ التنويرية وهي خروقات مادية بوجود عناصر تخدم القوى المعادية وأخرى قائمة على التشوّش في الرؤية سواء بالمستوى الفكري أم باساليب الاشتغال وبرامجها.

وعلى الرغم من أنّ قدرات السحق المهولة قد دفعت الشعوب للتعرف إلى واقع موبوء تأكدت من ضرورة تغييره، وعلى الرغم من الانتفاضات التي خاضتها ضد النُظُم المختلفة بدول المنطقة إلا أنها لم تفلح في تحقيق مهمة التغيير لافتقارها إلى البديل ومن يحققه.. فلقد أبقت قوى تنويرية مهمة نفسها بعيداً عن الحراك الشعبي بخاصة في التجربة العراقية، ما أوقع الأوضاع بمطب خطير فصل بين الحراك الشعبي وبين فرص ربطه بقيادة يمكنها أن تدير دفة السفينة إلى الاتجاه الأنجع!

إن تعكز بعض القيادات على فكرة ترسيخ (استقلالية) الحراك، ومنع اصطباغه صبغة حزبية بعينها هو قرار ساذج تخلى فيه عن قيادة الحراك في اللحظة كان ينبغي أن يلج الحراك بقوة ووضوح رؤية وباختيار الشعار المناسب فترك السفينة بلا ربان من جهة وأوجد فرص ركوب الموجة من أطراف المراهقة السياسية من جهة وقاصري النظر أو قليلي الخبرة والتجربة وسمح، بسهولة تامة، للقوى المعادية أن تنزل إلى الميدان وتسرق الحراك وتوجهه توجهات مغايرة لأهدافه..

بالضبط اشير إلى دفع القوى الطائفية لأحد أجنحتها كيما يطغى ويتاجر بخطابات شعبوية عطلت بوصلة الحراك وأربكت المشهد برمته في ضوء استسهال رفع شعارات مطاطة هلامية دغدغت مشاعر جمهور بعينه في حين أوقعت الحركة الشعبية بمطبات فكرية عجزت قيادات بعينها عن اتخاذ القرار المناسب الناضج تجاهها…

لقد أفقدت الضربات القاسية المتتابعة لقوى الطائفية، الحراك فرص الاستمرارية بعد أن عادت القوى الفاعلة فيه إلى حال من التشرذم والتوهان لهزال حلقات تنظيم الحراك واعتمادها على تنسيقيات تشكلت بصورة طارئة مستعجلة كانت بحاجة لدعم مباشر وغلى التبني الكافي من القوى الوطنية بل إلى ولوج الميدان بقوة مباشرة..

لقد نزل اليسار السوداني بقوة غلى الشارع وقاد الحراك ونسق مع قوى أخرى فكان ذلك جد مؤثر في توجيه الحراك وفي إدامته، وإذا ما استطاع تجاوز الدعم الخارجي للنظام ومناوراته المعتمدة على شق الصفوف من جهة وعلى بدائل تطرح للمناورة وامتصاص غضب الشارع فإن الحراك سيحسم المعركة لصالح الشعب.. وهذه الحقيقة فشلت قوى اليسار في تبنيها عراقياً، بعد أن قادت بعض عناصر فيه الأمور باتجاهات غير محسوبة وغير صحيحة بالمرة…

ذلك أن استقبال الخرق الميداني على أنه مشاركة نضالية والخضوع لضغط أجنحة الطائفية ومناورتها بغقرار ما اسموه التنسيق الميداني غير التحالفي، كان مجرد إنكار التحالف امتصاصا لردود الفعل الشعبية ضمنا تمييعا لأي احتمال في ردود فعل داخل التنظيمات، لأن اللعبة انكشفت بصورة فضائحية عندما أُعلِن التحالف مع أجنحة الطائفية بصورة تدرجت تسهيلا لمجابهة الاغتراض المبدئي لأعضاء تلك التنظيمات وتمريرا لأخطر تحالف لا نقول هدد ويهدد بل نؤكد بأنه شكل خرقا محا عنفوان حركة التغيير وأجله ردحاً غير معلوم من الزمن فكرّس النظام القائم بشكل وحشي وبصورة أكثر ظلامية وهمجية…

إنّ معالجتنا هذه، تريد التوكيد على أنّ قوى التنوير قد شخصّت مع حركة (النضال الوطني الديموقراطي) وقوى الشعب المبتلاة جميعاً، أنّ هدفها هو ((تغيير النظام)) وهو ما عملت قوى النظام نفسها على المناورة تحت شعاره عندما أدركت أن الحراك الشعبي يمكن أن ينسف نظامها برمته، فامتصت زخم الحركة فكريا سياسيا بادعاءات تبنيها بوساطة أحد أجنحتها مهمة التغيير بصورة (إصلاحية!) ورافق ذلك استخدام أقصى وحشية بالعنف الذي سلطته على رؤوس الحراك..

ولابد من التوقف عند هذه الحقيقة الماساوية، فلقد تمّ اعتقال واختطاف وتغييب عشرات من القيادات الميدانية أعضاء التنسيقيات ومئات من النشطاء في وقت لم ترقَ حركة الدفاع عنهم مستويات إصدار بيانات هلامية أو ضعيفة محاصرة الأولى (الهلامية) من قيادات أحزاب عليها (العمد!) وا(المحاصرة) هي تلك التي فضحت الجريمة وشخصتها بدقة ولكنها من عناصر وطنية جرى ويجري التعتيم على صوتها ومصادرته ومحاصرته سواء في الإعلام أم في المشهد الفعلي للأحداث..

وأتعس من ذلك أن أحزاب بعينها تلك التي تبنت بعض (رفاقها) المختطفين أو المعتقلين قد انحدرت لمستوى استخدام الوساطة لدى معممي النظام من ساسة الفساد لإطلاق سراح يتضمن إجبار (بعضهم) على توقيع (البراءة والتعهد) بعدم تكرار التظاهر أو الاحتجاج أو المعارضة!! وبتلك المداهنة سلمت تلك القوى نفسها لقيود استطاع النظام فرضها على أدائها الذي تدنى باشتغالاتها إلى مستوى القبول بامتداد تحالفها من جناح طائفي إلى آخر حتى لم يبق جناح في النظام تعترض عليه وعلى فلسفته، فتحولت بقايا الشعارات التي ترفعها غلى ظاهرة صوتية دونكيشوتية تبارز طواحين الهواء، إذ لا وجود لمسؤول عن كوارث البلاد والعباد!؟

وتاه سؤال الناس: من المسؤول عن كوارث خربانا وإبادتنا!؟ وضاعت الإجابة وسط لجج ترحيل الصراعات من صراع الشعب مع النظام إلى تجيير قطاعات الشعب وفئاته بين المصطرعين على توزيع لا الكعكة المادية، ولكن اليوم على توزيع الناس حصصاً بين طبقة (الكربتوقراط) المستولدة في ظل نظام (الطائفية الكليبتوقراطي)…

إنّ الشعب وقواه التنويرية إذ ترى أن الهدف الآني المباشر هو ((تغيير نظام الطائفية الكليبتوقراطي)) إلى ((نظام وطني ديموقراطي يبني دولة علمانية تضمن الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية)) فإنّها لا تقبل بالترقيعات حلولاً بديلة لأنها كما يزوقونها بمسمى (الإصلاح) لا تعني حلولا وبدائل بقدر ما تعني تكريس النظام وألاعيبه المافيوية التي استرخصت الإنسان وحقوقه وحرياته…

إن التركيز على الوطني يقابل الطائفي، وعلى الديموقراطي يقابل مهزلة التمثيل الحصري للإله في حكم الناس.. بمعنى مرجعية الشعب حصرا وقطعا ونهائيا لا شريك له في مرجعية السلطة واشتغالها ورديف هذا التركيز خيار علمانية الدولة بقصد واضح يُنهي عبثية ما يسمونه المرجعية الدينية الرشيدة إذ المكلف من طرف الشعب هو هيأة تشريعية يجب أن تكتمل بتشكيلاتها تشرف على هيأة تنفيذية حصرية الصلاحية بلا اي تشكيل خارجها بخاصة في المجالات التي تضبط النظام وسلطة القانون بالإشارة إلى لعبة شرعنة الميليشيات الملتزمة الشريفة والمنفلتة الوقحة..

وإذا كان الصحيح اليوم في المهمة الآنية المباشرة التركيز على ((تغيير النظام)) فإنّ ذلك لا يتاتى من دون إزاحة قوى النظام، طبقة الكربتوقراط المنظمة في أحزاب الطائفية السياسية المتبرقعة بالقدسية الدينية والمستقوية بمسمى المرجعية الدينية غطاء لوجودها ولسلطتها كلما احتاجت لهذا الغطاء. وعليه فالمهمة تكمن في خوص نضال ثابت من أجل:

فضح التمظهرات الكاذبة لنزول أجنحة طائفية للشارع واختراق الحراك الاحتجاجي.
الامتناع عن الوصوع بخديعة التحالفات مع تلك الأجنحة وألاعيبها بأي مسمى وبرنامج كان.
فضح الأحزاب الدكاكينية التي تسمي نفسها مدنية ووطنية زورا وبهتاناً وإبعادها عن العمل الوطني الحقيقي.
العمل على مطاردة أحزاب السلطة في جرائمها المافيوية المفسدة وفضح مصادر تمويلها وتجريم بلطجتها وارتكابها العنف السياسي والبلطجة.
العمل على تصحيح ما جرى من شرعنة بتسجيل أحزاب السلطة تحت مسميات وعناوين لا تخضع لجوهر القانون، وحظر تلك الأحزاب اليوم قبل الغد.
حرمان مجرمي النظام وعناصره القيادية من العمل السياسي في ضوء تجريمهم وفضح ما ارتكبوه طوال وجودهم في السلطة من قبيل تسليم الموصل للإرهاب وشرعنتهم تشكيل الميليشيات وتقوية تلك المجموعات المسلحة على حساب أجهزة الدولة..
إنّ مطاردة تلك القوى يلزم أن تكون واضحة للشعب ولأعضاء تلك الحركات الذي ترى فيهم الحركة الاحتجاجية وقوى التنوير مواطنين يشمل من ينسحب منهم ارتكاب الجرائم لمىرب الطائفية عفو عام شامل ليكونوا مواطنين صالحين أسوة بأبناء الشعب وحركتهم الاحتجاجية.
إن استهداف قوى الجريمة التي كرست نظام الخراب والدمار الشامل ينحصر بتلك القوى حصرا في قياداتها وعناصرها الإجرامية الفاعلة ولا يستهدف الأبرياء ممن غُرِّر بهم أو تم تضليلهم أو استغلالهم وابتزازهم ممن ينسحب من تلك القوى.
إنّ تغير النظام وآليات اشتغاله يستحيل بوجود قادته الذين خططوا وفكروا ورسموا ونفذوا جرائمه، لأن ذلك يعني تبييض صفحات مجرمين كما تبييض أو غسيل الأموال لا يطفي الجريمة المافيوية بل يعززها ويكرسها ويشرعنها. وعليه فإن أول مستهدفات التغيير تكمن في حركة شعبية جوهرية جذرية لا تهادن ولا تقبل بحلول وسطية لا تعني سوى إعادة إنتاج النظام وعناصره.. وتلك الحركة تحمل مهام:

1. إنهاء مرحلة تشكيل التنسيقيات التي تقود تظاهرات تتحرك ردّ فعل على ظرف أو حدث أو آخر والشروع بتشكيل قيادة وطنية من تنظيمات تتبنى برامج الحركة الاحتجاجية للتغيير الشامل والنهائي.
2. استعادة برنامج الحركة الشعبية القائم على مبدأ ((تغيير النظام وبناء دولة علمانية ديموقراطية تحقق العدالة الاجتماعية)).
3. تشكيل قيادات قطاعية ومحلية مرتبطة بالقيادة الوطنية وتعمل في ضوء برامج متفق عليها.
4. تفاوض القيادة الوطنية بمشروعها الوطني الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول العالم بخاصة منها المؤثرة لفرض مطالبها المباشرة ومنها:
حل الميليشيات كافة ..
حصر السلاح بيد الدولة ..
حظر الأحزاب الطائفية ..
فصل الدين عن الدولة بشكل تام ونهائي.
إنهاء ظاهرة تشكيلات رجال الدين وحظر اي شكل لأدوارهم في مؤسسات الدولة.
5. عقد مؤتمر وطني للعقل العلمي العراقي، يرسم الخطط التنفيذية للتغيير ومعالم سلطة انتقالية بكامل الصلاحيات الضابطة للوضع.
6. تمتد المرحلة الانتقالية لمدى يكفل وضع أسس تحريك عجلة الاقتصاد وتحديث التعليم وتشكيلات القضاء ويساوي ايضا مدى يكفل تعديل الدستور واستفتاء الشعب عليه وإجراء تسجيل جديد للأحزاب على أساس قوانين دولة وطنية ديموقراطية علمانية.

خلا هذا الاتجاه فإنّ النظام الطائفي سائر في طريق تفكيك الدولة وبيع مواطنيها بسوق النخاسة الدولي في ظل الأزمة المستفحلة عالميا وظروف تستبيح أي طرف يبدو ضعيفاً ويسلم أمره لرجال فساسد يتبرقعون بجلابيب التدين وأعمة الزيف وعقلية التخلف ومنطق الخرافة..

فهل نحن مدركون لما نحن فيه أم سيواصل كلٌّ تمترسه خلف مشروعاته وتفسيراته بل حذلقات مراهقي تنظير الفكر السياسي لزعران عصرنا؟؟؟

شعوب منطقتنا استفادت من تخبطات الدرس العراقي وخرجت بشعار التغيير والخيار الوطني الديموقراطي ولم يبق سوى الحراك العراقي ليستفيد من الدرس ويعيد الحسابات بل تأخر ربعنا وتلكأ من وضعته ظروف بعينها بسدة القيادة وشخصياً أنا أقدم اعتذاري لدعمي لبعض العناصر في قيادة الميدان الاحتجاجي، فلقد برهنت التجربة أن ذلك سمح بمنح تلك العناصر دورا سلبيا في حرف الاتجاه وفي القضاء على حراك لا تستطيع أعتى القوى على مجابهته لا دحره وتشتيته لو صادف قبول ما اقترحناه ومازلنا نتمسك به نحن قوى التنوير من ضرورة مباشرة الحراك بقيادة وطنية موحدة لا تهادن ولا تخلط صافي التغيير بخابط الإصلاح..

تحية لكل أبناء شعبنا نساء ورجالان شيبا وشبيبة وحراكا احتجاجيا وطنيا ديموقراطيا، علمانيا تنويريا

لا تعليقات

اترك رد