السلطة والسيادة


 

كشفت زيارة الرئيس الايراني حسن روحاني للعراق زيف السلطة القائمة فيه وجهلها وحماقتها وعدم قدرتها على ادارة شؤون البلاد وانعدام ثقتها بنفسها ، في نفس الوقت الذي سببت فيه احباطا جديدا للشعب الذي يطمح في يوم ما ان يجد حكومته ومسؤوليه على قدر وان ضئيل من الاحترام والكياسة تجاه بلد اصبح غنيمة يجري توزيعها على الفائزين، فبين الكويت وعمان وتركيا وايران ضاعت الكثير من حقوق العراق المنهوب ارضا وسماءا..

كما كشفت طبيعة المحادثات صفة قل نظيرها ان لم يكن معدوما اساسا ، وهي ان روحاني لم يكن يجري مباحثات ومفاوضات مع طرف اجنبي بل هو رئيس يوجه موظفيه ويصدر لهم اوامر معينة يجب عليهم تنفيذها، ولعل طبيعة الاتفاقات التي ابرمت مع مايسمى بالحكومة دليل على طبيعة الاحتياجات الايرانية من العراق وليس المتطلبات المشتركة بينهما، وكل نتائج هذه الاتفاقات انما تصب في مصلحة تعزيز الاوضاع الاقتصادية الايرانية التي تعاني من القلق بسبب العقوبات المفروضة عليها..

لقد استغلت ايران الاستثناءات الممنوحة للعراق من العقوبات الاميركية ضدها لكي تجعل منه الخزين الاستراتيجي والسوق المفتوح لبضائعها، ولم يتمكن المسؤولون العراقيون من اثارة مشاكل كثيرة عالقة بين الطرفين بعضها يتعلق بسيادة دولة، كقضية الابار المشتركة التي تتجاوز ايران عليها حاليا، ومنها قضية المخدرات التي تعد بمستقبل كارثي لاجيال العراق ومستقبله، واهمها كان قضية اتفاقية عام 1975 ومايخص منها تحديدا ميناء العمية العراقي الذي وردت تسميته في البيان المشترك باسم ( منصة العمية) وينص يقول(تبقى منصة العمية عراقية) وهو تلاعب مهين ومعيب على مسؤولين فقدوا كرامتهم وشخصيتهم ازاء الآمر الايراني ، فقد عنت هذه العبارة ان ارض الميناء ليست عراقية وهو مناف لنصوص الاتفاقية ذاتها.

كما عبرت نشاطات روحاني في العراق عن خرق واضح لسيادته، فلقاؤه مع قادة الحشد ومع شيوخ بعض العشائر اشبه بمسؤول يوجه رعيته او يتفقد احوالها مما يكشف الحقيقة التي اكد عليها النظام الايراني وقت الانتخابات في العام الماضي من انهم هم من عين الرئاسات الثلاث وانهم هم من يعينون الوزراء في العراق وليس الشعب العراقي عبر برلمانه الفاسد الميت..

لقد اصبحت مسالة سيطرة النظام الايراني على العراق مخجلة ومقيتة ، فبين روحاني وقاسم سليماني ضاعت الكثير من الحقوق وانتهكت سيادة العراق ولم يتبق من الدولة الا سلطة الميليشيات والاحزاب التي تحظى برعاية ايران، ومع تزايد شعور المواطنين وخاصة في الجنوب بالانزعاج وتراجع التاييد للاحزاب الاسلامية ولولاية الفقيه ايضا ، لم يدرك القائمين على الامر سواء في ايران او في العراق انما هم يلعبون باوراق خاطئة وخارج مسيرة التاريخ، فهذه الحقوق المسلوبة لابد لها من ان تعود يوما، حتى وان طال الزمن فمابين عام 1975 واليوم ليس زمنا قصيرا ولكن هاهي العجلة تدور لاكثر من مرة، فقد عقدت الاتفاقية ومن ثم تم رفضها ومن ثم تم القبول بها ومن ثم رفضت واخيرا عاد الجميع اليوم للاتفاق عليها محرفة منقوصة، ولاندري كيف سيكون مستقبلها حين يستعيد العراق عافيته يوما ما..

وفي منتدى اربيل الذي عقد مطلع هذا الشهر، كان للمفكر الايراني احمد نقيب زادة، رايا مهما في هذا المجال، ومع تحفظي على دوافعه التي اورد فيها افكاره هذه الا انها وان سبقت زيارة روحاني لبغداد الا انها كانت في صميم السلوك الايراني الخاطيء والمستفز تجاه العراق، فقد قال نقلا عن شبكة رادو الكردية الاعلامية ( لا توجد الآن حكومة في العراق، وتستطيع استعراض نفوذك وسلطتك بسهولة في العراق، لكن إلى متى؟ في الأخير، سيأتي يوم تنتهي فيه هذه السلطة وهذا النفوذ، وسيقف العراقيون على أقدامهم، وعندما يقفون على أقدامهم، سيقولون للإيرانيين: اخرجوا من بلدنا، وعندما يمتلكون بعض القوة، سيصوبون أسلحتهم تجاه إيران من جديد. سيحصل هذا في المستقبل). مع اننا كبشر عانينا كثيرا من الحروب ومن العلاقات المتازمة، نطمح بل ويجب ان تكون علاقتنا مع الجيران جميعا علاقات مسالمة ومتوازنة تسودها اجواء الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وهي كثيرة بالطبع..

خضوع المسؤولون في العراق لرغبات واوامر كبيرهم الفارسي الذي علمهم السحر، فصلتهم بشكل تام عن شعبهم، اذ جعلهم الولي الفقيه يتمتعون بسلطات مطلقة، فهم يتلاعبون بالثروات وبمقدرات هذا الشعب وبكرامته ومستقبل اجياله، يمارسون القتل والخطف والابتزاز، ويشعرون بالفخر بالامتيازات التي يحصلون عليها وبافواج الحمايات التي تحيط بهم، وبسرايا المنافقين والدجالين والمستفيدين منهم، ولكنهم ابدا لم ولن يشعروا بسيادتهم حتى على اسرة نومهم، مع ان السيادة شرط اساسي لكل كيان يسمى بدولة، ولكنهم يعرفون انهم لايديرون دولة انما مجاميع من عصابات ومافيات وشبكات جريمة وفساد وغسيل اموال، مستندين الى دعم جارة تشعر هي في صميمها ان بقائها ايل الى السقوط ليس لان اميركا تقف ضدها وتعاقبها اليوم، بل لانها في الاساس مثل انظمة اخرى في المنطقة تسير عكس تيار التقدم والتحضر والحرية، وأن تجربتها وإن تعمقت مع مرور الزمن، الا ان رياح التغيير اعتى واقوى، واجيال اليوم التي تعيش في عالم العولمة والاتصال المباشر والمعلومة السريعة والاشاعات المتواصلة والدسائس المنظمة لن تكون بعيدة عن ان تشكل جزءا من ماكنة التغيير التي تدور بقوة الرغبة للحرية والاستقرار والتقدم والحياة الرغيدة التي تعيشها الكثير من الشعوب التي حققت مباديء العيش الكريم المتمثلة بالعدالة والمساواة والرفاهيةوسيادة القانون ..

لا تعليقات

اترك رد