الفوتوشوب الديني وأساليب التزييف ” البروباجندا “


 

بروباجندا كلمة لاتينية في الأصل جاءت من ((congregatio de propaganda fide كونغريقاتيو دي بروباجاندا فيدي)) والتي تعني (مجمع نشر الإيمان) وهو مجمع قام بتأسيسه رجل الدين و الكاهن الكاثوليكي “البابا غريغوري الخامس عشر” في عام 1622 تقوم فكرة هذا المجمع على نشر مذهب الطائفة الكاثوليكية المسيحية.
و استخدم هذا المصطلح في ما بعد لأغراض سياسية ودينية و بإختصار “بروباجاندا” عبارة عن نشر معلومات ناقصة وتعويض النقص بمعلومات كاذبة ونشر معلومات ليست أصلية وغير حقيقية هي عملية كذب متعمد لطمس الحقائق وتشويه الحقيقة و تسفيه العقل و إستغلال العواطف! وتضليل الرأي العام وجعل المتلقين و القراء يتأثرون بالعاطفة فهي جوهر البروباجندا الدينية.

كيفية الخروج من دائرة التزييف “البروباجندا” أن احتكار المعلومات الصحيحة والتلاعب بها و تزييفها من قبل المحتكر لينقل الصورة التي يريدها الى المتلقين قد تكون مجتمع معين أو فئات معينة بحسب ما يشتهي من طمس للحقائق هي جريمة لا تغتفر بحق العقل و أوهام القارئ و المتابع أن المعلومات التي بين أيديهم هي مطابقة للصحة وهذا الكلام في شك كبير لأن المهنية في نقل المعلومات الصحيحة باتت عند البعض أو الغالبية بصورة و أخرى يتم التلاعب بها بل يؤسس لها بنى تحتية معتمدة على ثقافة التصديق الأعمى لإقناع الجمهور أو المجتمع أن اللون الأسود هو أبيض و أن القبيح هو جميل.

و لأكون دقيق في التوصيف هي عملية تسريب معلومات خاطئة من قبل مؤسسات البروباجندا الدينية بالخصوص تعمل ليلاً و نهاراً في نقل الكذب و تحويله الى حقيقة لدى العوام مستغلة بذلك البسطاء و السذج بعدم معرفتهم للقراءة أو الكتابة أو عدم معرفتهم للغات الأخرى بالأحرى استهداف ذوات الوعي والثقافة المحدودة.

فعندما ألقي نظرة صوب الكتب تكتشف كارثه بكل المقاييس وعلى سبيل المثال عندما يصدر كتاب أو رواية عن مفكر أو فيلسوف غربي أو أوروبي قد يكون باللغة الإيطالية أو الفرنسية أو الإنجليزية ويحمل في طياته نقدا لاذع لشخصية معينة قد تكون مقدسة عند بعض المجتمعات أو يحمل في جوفه حقيقة مغيبة عند فئة أو مجتمع ما وهنا يأتي دور البروباجندا الدينية في تحويل النقد و الانتقاد الذي طال هذه الشخصية الى مدح و ثناء و تعظيم وحذف الحقائق التي وردت في هذا الكتاب أو الرواية التي تم ترجمتها الى لغة أخرى و إدخالها الى فرن المجتمعات وجعلها تتناسب مع ثقافة هذا المجتمع و الإطاحة بحقيقة ما جاء به الكاتب أو الكاتبة أو المؤلف أو المؤلفة أو الروائي أو الروائية فترى ((مترجم البروباجندا)) يترجم كتاباً أو أطروحة لكنه يحذف منها كل ما يزعجه أو يستفزه يقص منها ما يشاء و يتلاعب بالمضمون و بفحوى الطرح بل و يغير حتى العنوان الذي جاء به الكتاب أو الرواية لغاية في نفس يعقوب!..

مستغلا أن من سوف يقرأ من أبناء جلدته لن يراجع وراءه وأن راجعوا فلا ضرر بالنسبة إليهم فهم يحملون نفس العقلية التي يحملها هذا المترجم القادم من البروباجندا الدينية بل الغالبية منهم يعتمدون على السمع فقط و ثقافة التصديق الأعمى قد يسمعون المعلومة من رجل دين أو خطيب أو داعية ينقل لهم المعلومة الكاذبة وهم بدورهم يصدقون بها ومن نقل المعلومة لهم هو أيضا ضحية للبروباجندا الدينية.

استخدمت كلمة السمع لأن كلنا نعلم و غيرنا أيضا يعلم وحتى من لا يعرفنا سوف يعلم أن العرب لا يقرأون و هذه حقيقة لا يمكن تزييفها لذلك سوف تجد كم من الأكاذيب دست في العمل الأدبي قد تكون رواية أو كتاب ترجم من لغة معينة الى اللغة العربية ستشعر بدق الأسافين من كل حدب وصوب متناسياً مترجم البروباجندا الدينية أن لعبة الكذب هذه حبلها قصير و ستكشف هذه الألعوبة الخبيثة لأن الهدف من هذه العملية هي تشتيت الوعي وضرب العقول بمعلومات خاطئة و إدخالها الى مجتمع ما لترقد فترة في عقولهم ثم تفقس داخل تلك الجماجم و الأدمغة بأوهام و أكاذيب ومعلومات مزيفة.

سجن الحقيقة والمعلومات أمراً مستحيل بل من يعتقد هكذا فهو في قمم الغباء لأن الأفكار حرة لا تسجن حتى لو وضعتها بألف زنزانة و أوصدت الأبواب عليها بأحكام فلن تستطيع سجنها و لو لا عباقرة الغرب الذين ينعتونهم ” بالكفار!” لرأيت حال الدول المتدينة التي تمارس التدين خمس مرات في اليوم كم هو حالها صعب العرب مدينون الى الغرب بالشكر لما قدموه لهم.

نشر المعلومات الخاطئة بين المجتمعات هو تدمير للإنسانية بالواقع وهذا التزييف الدعائي هو سلاح خطير جداً بل هو بمثابة ناقوس خطر لعصر التضليل الذي نعيش فيه و المؤسف أن الدول العربية و الإسلامية لا تملك أي إستراتيجية لتعامل مع المعلومات والأفكار المزيفة وأغلب هذه المعلومات تكون لها صلة في الدين لذلك يتم التغاضي عنها بصورة أو بأخرى.

الفوتوشوب الديني هو نفس فكرة برنامج الفوتوشوب لكنه بطابع ديني حيث يتلاعب بالتاريخ والقصص ويغير العناوين و يطمس الحقائق من خلال بروباجندا دينية دعائية تحاول أن تبعد الشك أو السؤال عن الأشياء التي يغطيها الغبار من خلال التجميل و الترقيع و التضليل والكذب هي عبارة عن عملية نصب و احتيال ليس أكثر من ذلك ” يقول الشاعر كالقبر حفته الزهور و تحته عفن دفين ”

في العصور القديمة في أوروبا لم يكن هنالك إنترنت فكانت فنون التزوير و التزييف حاضرة بقوة ليس تزوير عملات فقط و إنما تزوير حقائق و تزييف أفكار و رسائل و اليوم مع وجود الإنترنت وغياب المصداقية و تفشي الجهل أصبح تزييف المعلومات على قدماً و ساق هو إنتاج قديم ما تم تأليفه سابقاً في ضل غياب الإنترنت يتم نشره اليوم في وسائل التواصل الإجتماعية و على جوجل بشكل عصري وأنيق فترى الأفكار المزيفة والمعلومات الخاطئة تعج بالإنترنت وغالبية الذين لا يفكرون ولا يبحثون قد يعتبرونها حقائق وهنا المشكلة حيث التصديق الأعمى بالمعلومات من دون الفحص و تمحيص عن مصادر هذه المعلومات.

هذه الشركات الدعائية التي تقوم بتزوير الواقع تنشر معلوماتها الكاذبة المضللة على الإنترنت لأنها أسهل طريقة في الإنتشار متناسين أن من أخترع الشبكة العنكبوتية ” السير تيم بيرنرز لي ” كانت الغاية منها هي البحث! اذن بإمكان كشف المعلومات الكاذبة من خلال البحث على الشبكة العنكبوتية نفسها عن صحة أي معلومات يتلقاها الإنسان والبحث عن مصدرها أيضا ومن أين جاءت! وكيف؟ ولماذا وضعت بهذه الصورة وهذا المكان.

وعلى سبيل المثال تشاهد في التلفاز أو الإنترنت أو مواقع التواصل شخصية معينة قد تكون دينية أو سياسية أو عامة يقول قول معين أو يسرد قصة معينة يمتدح بها دينه أو طائفته أو معتقده و ينسبها الى مفكر غربي أو مؤلف كتاب معين أو رواية لأحد الروائيين الغربيين مستغلا بذلك جهل المجتمع المحيط بعدم معرفتهم للغات الأخرى وهنا هي ثقافة القطيع ثقافة السيطرة على المجتمع من خلال المعلومات المزيفة فالأمم التي تحمي نفسها و دينها بواسطة الكذب و التضليل هي أمة غير واثقة من نفسها بل و فاقدة للثقة و مهزومة نفسياً و اجتماعياً و فكرياً.

تدمير الأدلة الأصلية والتحكم بالمعلومات هو أمر في بالغ الأهمية ففي المجتمعات التي ضربها إعصار الدين و التدين ستجد فيها تضخيم للخرافات و تضليل للمعلومات و تقزيم للحقيقة و انعدام تام للحرية بكل أشكالها و تعميم للجهل ” الحقيقة في تلك المجتمعات هي ليست الحقيقة بمفهومها الصحيح ”

و لو نظرت نظرة جدية وجريئة على الكتب و المناهج الدراسية والكتب الدينية في الدول العربية و الإسلامية لأدركت و تيقنت أن هناك من بدل الحقائق..! بحقائق أخرى تناسبهم حقائق لا تزعجهم و لا تجعلهم يفكرون فهذه الثلة تنفر من التفكير و تكره الحقيقة…

في ضل حرب التضليل هذه والتي تعتمد على تكتيكات معينة خليط من الأكاذيب يهتم الكثير من الباحثين و يسعون لاكتشاف هذا التزييف الذي أنتجته ثقافة البروباجندا البائسة هذه الدعاية ذات الطابع الديني تشكل تهديداً خطيراً على المجتمعات أن كانت مجتمعات علمانية أو ليبرالية أو عربية أو إسلامية يجب على المجتمعات التصدي لهذه الثقافة البائسة المليئة بالأكاذيب من خلال القراءة و البحث عن صحة المعلومة و التأكد من صحة المصدر الأصلي للمعلومة بل و فحص مصداقية المصدر ففي ضل التقدم التكنولوجي أصبح عالم “تزوير الحقائق” التزييف متطور أيضا بواسطة البروباجندا الدينية بل و أصبحت تحمل في جعبتها وسائل إقناع أيضا وهنا تكمن الكارثة هي تحويل المتلقي أو المستمع الى حارس شخصي الى هذه المعلومات المزيفة وبعد التصديق الأعمى و الاقتناع أنها جزء من الحقيقة يتم تداولها داخل أروقة هذا المجتمع لتسري به كالنار في الهشيم حتى يصاب أكبر عدد من فايروس الامعة لهذا ترى الكثيرون يدافعون عن أمور لا يعرفون مدى مصداقيتها ومن أين جاءت.

عمليات الاحتيال ليست فقط بالأموال فهنالك عمليات احتيال معلومات و أفكار هي بمثابة معركة بين الفكر و طمس الحقائق و بما أنه لا زالت الدعاية الدينية المزيفة تمول بأموال كبيرة و ضخمة و لاحظت ذلك في الآونة الأخيرة بشكل كبير حيث تظهر في مناسبات دينية معينة لذلك هي مصدر خطر كبير و بالخصوص الأجيال القادمة سوف تلوث عقولها لا محال في ضل هذا الهواء الفكري المزيف.

هذه الشركات الدعائية تعتمد على نصب الافخاخ و مع الأسف الأغلبية يسقطون بها و من الصعب أن تكتشف احتيالهم من الوهلة الأولى لأنهم لا يظهروا بشكلهم المزيف الا عندما تأتي فرصتهم المناسبة بعد أن يسقط الإنسان فريسة في شباكهم ينقضون عليه و يصبح تابع لهم و مؤمن بما يقولون من كذب و خداع ترجع بالأساس الى الإدراك الحسي العقلي لدى الإنسان في التمييز بين الخطأ و الصواب.

تزييف المعلومات و قلب الحقائقذليس بالأمر الجديد ففي أوروبا إبان العصور الوسطى كانت تعاني هي الأخرى من التزوير و التزييف حيث استخدمت الشمع في الأختام و استخدمت الأختام في معرفة صحة الحروف كانت الأختام في تلك الحقبة قيمة للغاية و مهمة جداً وكانت تحفظ الأختام في خزائن و يقفل عليها بأحكام و يبقى المفتاح عند شخص موثوق كانوا يستخدمون الشمع أو الشمعة في معرفة الرسائل هل هي رسالة مزيفة أم حقيقية وكانت تفحص باليد أيضا.

البروباجندا الدينية بإختصار هي أشبه بمهنة البقال في الدول العربية الذي يبيع الخضار حيث يعاني الكثيرين من غش البقال للزبائن بالتأكيد ليس الكل لكن الغالبية منهم ينتهزون الفرصة يظهر لك الخضار الطازج من جهة و من جهة أخرى يضع لك التالفة و المتعفنة ولو كانت المسألة بهذه البساطة لأصبحت سهلة بإمكانك رميها و التخلص منها لكن طمس الحقائق و تزييف المعلومات هو أمر افضع و أشنع لأنه يستقر في العقول و يلوث الفكر و يصبح التخلص منه أمراً صعب.

أتمنى أني وفيت حق هذه المقالة و أوصلت الفكرة الى القارئ الكريم..
أسف على الإطالة و شكرا جزيلا على حسن المتابعة و الإصغاء.

المقال السابقالأكراد و ” حوار العقلاء “
المقال التالىما هي الفائدة المنشودة من دراسة التاريخ
مهند صباح عراقي الجنسية مقيم في فنلندا ولدت في بغداد التحصيل العلمي : حاصل على شهادة دبلوم كهرباء ، درست في مجال الكومبيوتر لمدة ثلاثة سنوات أتحدث عدة لغات هواياتي متعددة أهمها القراءة و المطالعة شغوف في مشاهدة الأفلام و قراءة الروايات، ولعي بالكتابة في السياسة و نقد الأديان مؤمن بمنطق العقل و ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد