لِسَانُ الرَّمْلِ


 

كيف لتلميذ لم يُصْحِرْ ولم تشتمله الصّحراء عامّة يومه وليله أن يذوق حسّا وعقلا قول المسعدي مثلا: “وجلسنا على الرّمل فجعلت أضرب برجلي وأقلّب يدي فيه فأجد منه كمسّ لطيف النّهود وكانت قد نامت فيه برودة اللّيل فهو كاليقين بعد الحيرة” فيجري بين أصابعه رقيق الرّمل إذ يجري على لسانه النّصّ؟، ألا يحتاج قارئ “حديث البعث الأوّلّ” إلى أن يضرب في الأرض دِعصِها وكثيبِها حتّى يقف عند جمال الصّورة وحتّى يُشبع الدّرسُ روحَه وعقلَه وجسدَه معا؟ إن لم يفعل، كيف له أن يفهم هذه الصّورة الجامعة: “فَرَأَيْتُهَا لِسَانًا مِنَ الرَّمْلِ قَائِمَةً عَلَى رَأْسِ الْكَثِيبِ”؟

شبّهت الفتاة الرّاقصة – وهي في زيّ حوّاء- بما تشكّل من الرّمل على شكل اللّسان. كذا شابه الجسدُ الرّاقصُ اللّسانَ دقّة ومرونة في حركته ذهابا وإيّابا علوّا وخفضا، وشابه الرّملَ لونا نقاء صفاء ولينا ولطفا “كأنّها ولدت منه أو ذابت فيه”. وبين الرّمل والمرأة نسب في اللّغة “فالرملة واحدة الرّمال سميّت به المرأة”، وفي الخلق” مَن خلقتُ طينا”، وبين الرّمل والمرأة في النّصّ تماه فهي “رقيقه يجري بين الأصابع” ومسّه “مسّ لطيف النّهود”. وهذا التّشبيه الأخير يتردّد صداه في حديث المزح والجدّ “فكأنّي بنهديها قد قاما واضطربا كرمال الكثبان نشأة الرّيح” وقد أكّد هذا الانصهارَ بين المرأة والرّمل اسما ووسما المكانُ” الكثيب” تلّا من الرّمل. فكان مطلقُ التّجانس بين الإنسان والمكان.

لكنّ التّشبيه –وهو بليغ هنا- وفق تصنيف البلاغيّين هو أبلغ وأجلّ وأبعد مدى من أن يكون” للمبالغة في اقتراب طرفي التّشبيه من بعضهما البعض، ومحاولة إبهام المتلقّي أنّ المشبّه هو عبن المشبّه به” على حدّ قولهم. إنّما احتاج المشبّهُ المشبّهَ به للإيفاء بالدّلالة الثرّة التي تنبجس من رؤيا الكاتب، ومن أغوار شخصيّة أبي هريرة واختلاجاتها يُبعث من بين الأموات وهو ما سنحاول بيانه:

يعود بنا التّشبيه إلى البدايات، إلى الطّبيعة بكرا، وإلى الجسد هويّة ووجودا ما قبل الثّقافة تمنع وتبيح، والمجتمعِ يحُدّ ويسُنّ. جسدٍ لا تتحقّق دلالته إلا في تعدّيه إلى جسد الآخر من خلال فعل العشق يكون بشهوة الجسد: “فتبيّن لي فتاة وفتى في زيّ آدم وحوّاء ممدودان جنبا إلى جنب متّجهان إلى مطلع الشّمس وكانت على وشك البزوغ”. وقد قال المسعدي في تأمّلاته: “الحبّ والجمال ثأر الحياة من الفناء والعدم”

وفي تشبيه الجسد باللّسان وجه آخرُ للمعنى فهو خزّان للدّلالات، يدلّ من خلال حركته ويدلّ من خلال سكونه:” جعلت تهمّ بالشرق فلا تخطو إلّا خطوة ثمّ تتراجع بهما في هيئة من الرّقص كأنّها الغصن يهزّه النّسيم وسكنت طرفة عين ثمّ عادت في الرّقص إلى مثل حركتها الأولى..” ويدلّ من خلال أشكاله (يدان، ثديان، خصر، رجلان). والاحتفال بالأشكال احتفال بالرّغبة تسعى شرائع النّاس وتقاليدهم إلى طمسها فإماتتها؛ فإذا للجسد رنين “الصوت يُشجي ويُطرب” أتبكي وما في الأمر غير الفرح” وذلك فعل الكلام واللّسانُ جارحته يعبّر عمّا في الضّمير. والجسد عبر أشكاله يفصح عن معناه شأن الدّوالّ في الكلام. والتّعبيرُ وظيفة الكلام الأولى، والجسد العاري يحكي قصّته في خلاء من النّاس، أوّلَ الزّمان “مطلعَ الشّمس على وشك البزوغ” إنّها دعوةُ الدّنيا دعوةُ الكون. شهوةُ الوجود، فردوسُ الأرض” أشجار وماء ونور” استيقظ لها الفتى والجاريةُ ونام عنها النّاس؛ هبّا إليها أمّا هم فقعدوا ذاك البعث في أصل اللّغة وهو في النّصّ اعتساف السّبيل البكر إلى ما به نكون:” دُعي النّاس فلم يأتوا ودُعينا فجئنا”

وهذا الرّمل مُطْمأنّ الفتى وجاريتِه” صوّبا فيه يرقصان معا” وهو “يقين أبي هريرة بعد الحيرة” وقد قيل “برد اليقين” و “ليل الحيرة” فتلك برودة اللّيل نامت فيه. وبهذا يكون الرّمل عنصرا من عناصر المكان، وشكلا للجسد الرّاقص، وأداة للتّعبير، فهو معادل رمزيّ للوعي النّاشئ بالكون والوجود يبدأ ذهولا “بقيت عامّة يومي مصروف البال”، فصدّا” أعرضت عن الدّعوة وعدت إلى الصّلاة فقضيتها واستغفرت الله”، فقبولا ” ذهب ذلك بما تصنّعت من العزم وكان البعث”. وما كان ضرب أبي هريرة في الرّمال يصوّب ويصعّد إلا بحثا عن المعنى معنى وجوده، وقد علّمه صديقه أنّ أولى الخطوات إلى ذلك تركُ الأجوبة الجاهزة المكتملة الّتي إن استكنّا إليها انقطع الرّحيل” لو فعلنا لفاتنا خير كثير” فكان ترك للصّلاة وانصراف عن طريق القوافل. “كاد الإيمان الّذي لا يصحبه شكّ وبحث وطلب وجوس أن يكون عمى بصيرة وضلالَ سبيل ووهمَ تائه في قاع سراب” (1)
وأحسب أنّ المسعدي ابتكر عبارة “لسان الرّمل” فسبق إليها بعضَ الشّعراء وقد شاعت في المعاجم عبارةُ “لسان النّار”.
لا تنفكّ فتنة النّصّ عن فتنة الصّحراء: يُخضِعكَ لِساناها: لسانٌ من نار يَهديك ويدعوكَ ولسان من رمل يَبعثك ويُحييك.

(1) الأعمال الكاملة لمحمود المسعدي. الجزء الأوّل. ص 417

لا تعليقات

اترك رد