كركي كتل زعفران يهل السويكة عزلوا


 
كركي كتل زعفران يهل السويكة عزلوا.. للكاتب علي ابو عراق #عراقيات

بعد ان ترسخت اقدام البريطانيين في البصرة إثر الاحتلال البريطاني الاول عام 1914 والذي جاء مع بدء الحرب العالمية الأولى في (أكتوبر/ تشرين الأول عام 1914م)، أنزلت حكومة الهند البريطانية الشرقية جيشا مؤلفا من خليط من بريطانيين وهنود في عدة فيالق بما سمي بجيش الليفي، واحتلوا العراق بدءا من البصرة عن طريق الفاو حتى آخر مدينة عراقية . وبعد ان هدأت المعارك بين العشائر وهذه القوات واهمها معركة الشعيبة ومعركة كوت الزين ومعارك القرنة…وابتنت القوات الغازية معسكراتها ومعاملها وموانئها في انحاء متفرقة من البصرة واطلقت مشاريعها التي تدعم حلمها الامبريالي في السيطرة على العراق ..فمدت السكك (1916) بعد ان بنت ميناء المعقل ومزلق لتصليح السفن في الداكير .والمصالح المختلفة .وبعد ان كسبوا الاطمئنان الكامل وتعود السكان المحليين على رؤيتهم وانتهوا من رسم علامات التعجب على الريش الملون حسب رتبهم الذي يطرز قبعاتهم وسراويلهم القصيرة التي تكشف نصف افخاذهم ونسائهم الجميلات ..حيث جلب الموظفون وبعض العسكر الذين يعملون في المصالح الجديدة عوائلهم …بعد أن بنوا مطار البصرة وفندق شط العرب الماثل لحد الان بقصد السكن والسباحة وعقد المؤتمرات والحفلات والمسابقات وغيرها ، المهم بعد أن أمن البريطانيون وجنودهم من الهنود أو من دول المستعمرات البريطانية الاخرى التي كانت لا تغيب عنها الشمس كما كانوا يفاخرون ..والذي سماهم اهالي البصرة (الكركه) وكان فيهم الكثير من المسلمين الذين اقتربوا منهم وتوطدت العلاقات مع بعضهم بل تخلف بعضهم عن الرجوع مع القوات البريطانية وتزوج بعضهم من بصريات وهناك الكثير من اولادهم واحفادهم يعيشون بيننا الان واصبحوا بصريين بشكل مطلق وربما نسينا اصولهم فالبصرة مدينة لا تستجنب احدا..اسموهم 0الكركه) ربما لقصر قامتهم لانهم كانوا عموما من قصار القامة بشكل ملحوظ ويتحدثون بلغة لا يفهمها السكان المحليون فيقولون عنهم (يكرك)..وتستعمل هذه المفردة لحد الان ومعناها الدارج الشخص الذي يتحدث كثيرا وسريعا وبلغة لا يفهمها من يحيط به…. او ربما الاثنين معا …وبعد هذا الاطمئنان بدأ جنودهم في النزول الى اسواق البصرة .. للعشار او البصرة القديمة او غيرهما من الاسواق..كانوا يجوبونها للتبضع وللمتعة والتسكع وتزجية الوقت..كأي جنود استعماريين فاتحين يتحينون الفرص للاستفادة من كل شيء .. وقد حدثت الكثير من المواجهات والنزاعات مع الجنود البريطانيين ومجنديهم فمن الطبيعي ان يكره المواطنون الغزاة ولا يتطامنون لهم…وكان هؤلاء يتكدسون في العشار وتحديدا في مركزها ام البروم. التي كانت تزدحم بالمشارب والمحلات والفنادق والسينمات وبيوت المتعة في منطقة الدوب التي تقع في قلب المدينة .

اجمالا كانت ام البروم غرة سوق المدينة والجميع يهرع لها ومنهم جنود الجيش البريطاني وخصوصا بعد احداث 1941 حيث أنزل الجيش البريطاني في هذه الساحة وكان أغلبهم من الهنود و (الكركة) …الذين استنفروا بسببب الاضطرابات واحداث مايس، ولم تكن الاحداث والاحتجاجات والمواجهات قد جرت بعفوية او جاءت بشكل روتيني .. بل رافقت احداث مايس التي كان سببها المباشر رفض رشيد عالي الكيلاني عام 1941 قطع العلاقات مع المانيا ودخول العراق الحرب الى جانب بريطانيا ، وكانت هذه الاحداث احداثا مهمة في تأريخ العراق الحديث والمعاصر والتي سبقتها الكثير من الانتفاضات والاحتجاجات والاغتيالات والخلافات السياسية والتاثيرات العالمية والاقليمية والتي أهلت ايضا للثورات القادمة التي انتهت بسقوط الحكم الملكي في 14 تموز 1958 . وكانت هنالك شخصيات عراقية هامة ارتبط اسمها في هذه الساحة ولم تسقطها الذاكرتين الوطنية والشعبية لحد الان ، ولكن باعتقادي انها لم تأخذ نصيبها الحقيقي من التبجيل والتكريم ..ولو كانت عند شعوب اخرى لعملوا لها لها الانصاب والتماثيل ..كانوا ضمن ذلك السياق السياسي والتاريخي والوطني ابطالا بكل ما للكلمة من معنى مثل رئيس الحراس في الساحة (الحاج عبود) ، الذي قاوم البريطانيين والكركة بشجاعة نادرة ببندقية (أم عبية) وكان يطلق النار عليهم من وراء جدار حتى أردوه قتيلا ليكتب لمدينته صفحة مشرقة من البطولة والبسالة ، بعد معركة حامية اندلعت في ساحة ام البروم إثر مقتل (زعفران) ….زعفران وهي امراة شديدة السمرة طويلة القامة ..عصاها لا تفارقها اذ كانت تستعملها لطرد الاطفال والسكارى الذي كانت تعج بهم الساحة لاسباب مختلفة طلبا للعمل او المتعة او الطعام ….لا احد يعرف قصتها ومن اين جاءت تماما، وجدوها هكذا وحيدة بلا زوج ولا عائلة ولا اولاد ..تسكن في زاوية متداعية و منسية من محلة البجاري التي كانت وقتها من اكثر مناطق البصرة رفاهية وسعة ..يسكنها تجار وسياسيون ومحامون وموظفون حكوميون كبار والكثير من علية القوم. وحينما كانت قوية وقادرة وبصحة جيدة كانت تبيع الباقلاء في المحلة وتوصل رسائل المحبين والعشاق الى بعض ..فحجزت مكانا اثيرا في قلوب اهل المحلة ، وكانوا يعدونها كواحدة منهم على الرغم من فقرها وغناهم والتفاوت الطبقي والاجتماعي الكبير بينها وبينهم ، ولكنها وبعد المت بها الشيخوخة واصابها الهرم راحت تبيع (السويكه) وهي نوع من انواع التبغ الرخيص يؤخذ مباشرة بالفم بعد ان يخمر حسب خبرات معينة ..وكان الكثير من البصريين والبصريات على وجه التحديد يتعاطونه ولم اسمع بسكان مدينة عراقية اخرى يتعاطونه وكان شائعا تعاطيه عند العجائز من النساء وكان هذا لغاية السبعينات من القرن الماضي …ولعله كان من تاثيرات الصلات الدائمة والقوية مع الهند وسفنها ومراكبها التي كانت ترسو على امتداد شط العرب منذ ازمان بعيدة ..ونقلوا عبرها الكثير من عاداتهم وثقافتهم ،.. زعفران كانت تخرج منذ الصباح الباكر لتفترش ركنا ظليلا من زوايا ام البروم لتتجنب شمس البصرة اللاهبة في اغلب المواسم ..ولتحصل على مايسد رمقها ويقيها ذل الحاجة ومد اليد للغير فقد كانت رغم فقرها عزيزة النفس ولا تقبل صدقة من أحد كان تبيع ما جلبته من (السويكه) وترجع الى عشتها ..وحيدة الا من صندوق اسرارها المغلق الذي لم يطلع عليه احد لحد الان ، في ذلك اليوم القائظ الذي نزلت فيه الشمس الى الارض وغادرت خط الاستواء كانها تؤهل الناس لتقبل فكرة الجحيم ..كانت البصرة مشتعلة بالحرارة اللاهبة وباخبار الحرب المشتعلة في الحبانية وغيرها وجماعة مايس وعبث المستعمرين .. وكانت هي في ذلك اليوم متعكرة المزاج وتشعر بالمرض فضلا عن الجو الخانق ..خف اليها اثنان من جنود الكركه …وراح يتحدثان معها بلغة سريعة ضمت بعض الكلمات العربية المكسرة ..فطلبت منهم الابتعاد مرات عديدة بقولها كلمة (برو) لكنهم ازدادوا الحاحا وسخرية ..بل راحوا يقهقون بصوت عال ..ويؤشرون عليها ..وكانها شيء يثير الضحك ..فلم تتمالك نفسها ..اتكأت على عصاها ونهضت بخفة ..وهجمت عليهم بالعصا وهي تشتم وتلعن ورذاذ بصاقها يسبق شتائمها (كلاب اولاد الكلاب ..العن ابوكم لا بو بريطانيه) ولم يمهلوها كثيرا ولم يعطوها فرصة ان تكمل شتائمها حينما سمعوا بشتم (بريطانية) …فصوب احدهم بندقيته نحوها واسكن طلقته في صدرها الذاوي اصلا …فسقطت من لحظتها تتقلب في بركة من دمها ….وبعد دقيقة او دقيقتين همدت واسلمت الروح….وحيما سمع الشرطة والحراس صوت اطلاق النار هرعوا الى مكان التجمع فلما شاهدوا زعفران غارقة بدمها ..انتفضت عراقيتهم وصوبوا بنادقهم نحو جنود الكركة الذي يفوقنهم عدة وعددا، واشتد اوار المعركة وكان (الحاج عبود) رئيس الشرطة في الساحة ،يطلق عليهم من خلف جدار ويقاومهم بشجاعة نادرة ببندقية (أم عبية) حتى أردوه قتيلا….وتجمع من كان في الساحة وهجموا على جنود الكركه الذين انسحبوا الى مكان آمن وراحوا يطلقون نيران بنادقهم لتفريق المحتجين …ولكن المحتجين كانوا يزدادون عددا وتتسع التظاهرة بشكل كبير حتى صارت الجموع ارتالا وغطت ام البروم كلها وامتدت الى اغلب شوارع العشار …غضبهم يتفجر ومشاعرهم تتأجج وهم يدورون بشكل عفوي دون هتافات او شعارات ..حتى استدرك احدهم الامر ..بقوله (كركي كتل زعفران يهل السويكه عزلوا) وانتشرت الاهزوجة انتشار النار في الهشيم فظل الجميع يرددها بقوة وغضب وحماس دون ان تدرك الجموع العظيمة المعنى الحقيقي لهذه الاهزوجة .. سوى ان كلمة البطلة زعفران توجتها وأضاءتها ..المهم انها كانت كافية للتعبير عن احتجاجهم وغضبهم وكرههم للمستعمرين وجنودهم واسكتوا الاحتجاجات وفرقوا المنتفضين بقوة السلاح .. وتحول اسم زعفران الى اسم يتردد كالنشيد على السنة البصريين في ذلك الوقت ولم يتذكر احد الحاج عبود الذي قتل هو الاخر …ولكن زعفران تحولت الى بطلة وطنية لم ينسها التاريخ لحد الان حتى بعد خروج الاستعمار البريطانية للمرة الثانية من البصرة .على الرغم من الطابع الفكاهي للاهزوجة التي خلدتها وعلى الرغم من ان ذكرى مقتلها على ايدي المستعمرين لم تحظ بالكثير من الاهتمام ..ولعلها اول امراة تقتل على ايدي القوات البريطانية الغازية قصدا ومواجهة..وانا ارى ان على منظمات المجتمع المدني وخصوصا المنظمات النسوية الاحتفاء بها وبالشهيدة ليلوة التي استشهدت في انتفاضة ال ازيرج عام 1952 ..فليس لدينا الكثير من هذه الفنارات الوطنية التي من باب الوفاء والعرفان ان نحتفي بهم.

ملاحظات
أم البروم: هي من معالم البصرة الشهيرة ، جاء اسمها من كلمة “برم” وهو القدر الكبير ، فبعد مجاعة اكتسحت البصرة بسبب الاستعمار الذي كان يؤمن الغذاء لجنوده في الداخل والخارج ، افقرت البصرة وانتشر الجوع فيها ققام موسورها ومنهم الحاج محمود باشا الملاك أحد وجهاء البصرة خلال المجاعة الكبيرة عام 1875م بنصب هذه القدور الكبيرة في المقبرة لاطعام الجياع وسميت منذ ذلك الحين “ام البروم”. وقد كانت مقبرة لاهالي العشار والمناطق القريبة منه وبعد التطور الكبير لمدينة العشار حفز الحكومة على منع الدفن بالمقبرة عام 1933م .وفي عهد متصرف البصرة آنذاك تحسين علي تمت ازالة المقبرة نهائيا واقيمت مكانها حديقة الملك “غازي” والتي تمتد إلى نهر الخندق وقد سميت حديقة “الشعب” بعد ذلك ولكن الزحف العمراني انهى الحديقة لتقام مكانها كراجات البلدية ومبنى “الاتصالات” .

السويكة : نوع من انواع التبغ بل هو من فضلات التبغ يطحن ويخمر ويؤخذ عن طريق الفم مباشرة بوضعه تحت الشفة السفلى ويكون لونه بني ويترك اثارا واضحة على الاسنان …يستعمله على الاغلب العجائز والشيوخ لرخص سعره ..وهو من تاثيرات الهند على البصرة …ومنذ نحو 40 عاما لم اشاهد من يستعمل هذا النوع من التبغ

لا تعليقات

اترك رد