المفسّر والمؤرّخ محمّد بن جرير الطّبري


 

الطّبري العالم العلاّمة أحد أكبر علماء المسلمين في المائة الثالثة للهجرة ، سطع نجمه وتلألأ ضياؤه فتصدّر اسمه كوكبة المؤرّخين و المفسّرين عبر القرون اللاّحقة ، محمّد بن جرير بن غالب بن كثير الطّبري الآملي ، وُلد ببلدة آمل من طبرستان سنة 224هـ أو 225 هـ ، وانتقل إلى الرّي وبغداد والكوفة والبصرة و الفسطاط بمصر ، ثمّ رجع واستقرّ ببغداد وتوفيَّ بها سنة 310هـ .

1} الرّؤيا المباركة ، فرحة الوالد والابن :
ويذكر ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء الجزء الأوّل صفحة 2446 الرّؤيا المنامية الأولى الّتي يرويها الطّبري لتلميذه ابن كامل ، ونصّها :{ فقال لي : حفظتُ القرآن ولي سبع سنين ، وصلّيتُ بالنّاس وأنا ابن ثماني سنين ، وكتبتُ الحديث وأنا ابن تسع سنين . ورأى لي أبي في النوم أنّني بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، وكان معي مخلاة مملوءة حجارة وأنا أرمي بين يديه ، فقال له المعبّرُ : إنّه إن كبُر نصح في دينه وذبَّ عن شريعته ، فحرص أبي على معونتي على طلب العلم وأنا حينئذ صبيّ صغير} . وهذه الرؤيا المنامية الصّادقة بحضور النّبي الكريم الزّكي صلّى الله عليه وسلّم ، تعتبر من ناحية بُشرى لوالد الطّبري ولأهله بمستقبل الفتى الّذي سيصبح عالما خادما للدّين وللشّريعة ، وهي تحدّد حياة الطّبري وترسم مستقبله ، وتزكّيه وتحفظه من كلّ شبهة. و لاشكّ أنّ الوالد أخبر ابنه بالرّؤيا العجيبة فكان له دافعا ومشجّعا على طلب العلم ، كيف لا والرّسول الأكرم صلّى الله عليه وسلّم قطب معناها وجوهر حقيقة المنّة الرّبانية فيها . بل إنّ الوالد انكبّ على رعاية ابنه و مرافقته إلى مجالس العلم وحلقات تحفيظ القرآن ، وعوّد ابنه على مواظبة حضور الدّروس ، وخصّه بالمال و الرّفق و الحنان و التّشجيع و العناية ، و أحيا فيه شعيرة حبّ القرآن و العلم ، فترعرت ونمت مع الأيّام إلى أن حفظ الطّبري القرآن الكريم في سنّه السّابعة و لاحت علامات النّبوغ ، وتحقّقت البُشرى المنامية المحمّدية :{ حفظتُ القرآن ولي سبع سنين ، وصلّيتُ بالنّاس وأنا ابن ثماني سنين ، وكتبتُ الحديث وأنا ابن تسع سنين }

2} آراء العلماء فيه :
قال فيه ابن كثير:{ كان في العبادة و الزّهادة و الورع و القيام في الحقّ لا تأخذه في ذلك لومة لائم ، وكان من كبار الصّالحين }. وقال فيه ابن الأثير:{ أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ ، وفي تفسيره ما يدلّ على علم غزير وتحقيق ، وكان مجتهدا في أحكام الدّين لا يُقلّد أحدا ، بل قلّده بعض النّاس وعملوا بأقواله وآرائه }.

وقال فيه الخطيب البغدادي :{ محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب كان أحد أئمة العلماء يُحكم بقوله ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله ن وكان قد جمع من العلوم ما لم يشارك فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظا لكتاب الله عارفا بالقراءات بصيرا بالمعاني فقيها في أحكام القرآن ، عالما بالسنن و طرقها صحيحها و سليمها و ناسخها و منسوخها ، عارفا بأقوال الصّحابة و التّابعين ، عارفا بأيّام النّاس وأخبارهم ، وكان من أفراد الدّهر عِلما وذكاء وكثرة تصانيف قلّ أن ترى العيون مثله } .

3} خصاله ومؤلّفاته :
وقد عُرف الطبري بعفّة اللّسان و السّماحة و التّواضع أمام أصحابه وزملائه و طلاّبه ، و الورع و الزّهد فاكتفى بريع بستانه الذي ورثه عن أبيه ورفض عطايا الملوك . فأقبل على العلم طلبًا وبرع فيه ، بذكاء حادّ و فكر وقّاد و قدرة عجيبة على الحفظ ، فحفظ القرآن بسرعة ، و أدرك العلوم وارتوى منها و اكتسبها ، ثمّ استطاع بعقله المتقد و ذهنه الحادّ أن يوظّف ذلك كلّه في تأليف الكُتب العديدة ومنها كتاب التّفسير الموسوم بِـ:
1 تفسير الطّبري جامع البيان في تفسير القرآن،وهو عمل فريد استوجب الصّبر الطّويل واستغرق مدّة يقال أنّها تساوي أربعين سنة . والسِّمة المميّزة لتفسير الطّبري أنّه يجمع بين المعنى والتأويل واللغة وأشهر الأقوال حول مدلول الآيات والإعراب .
2 تاريخ الطّبري تاريخ الأمم و الملوك ، ويؤرّخ فيه للعالم منذ بدء الخلق ، من قصّة آدم إلى نهاية سنة 302 هجرية أيّ الزّمن الذي عاصره الطّبري . ويحتوي الكتاب الأخبار متسلسلة مع ذكر الأسانيد ، فكان موضع اهتمام واعتماد من طرف المستشرقين خاصّة .
3 التّبصير في معالم الدين
4 كتاب آداب النّفس الجيدة والأخلاق النّفيسة
5 الآداب في القضاة و النفوس و المناسك والآثار
6 تاريخ الرّجال من الصحابة والتابعين
7 القراءات و التنزيل و العدد
8 اختلاف علماء الأمصار
9 الخفيف في أحكام شرائع الإسلام
10 فضائل أبي بكر وعمر
11 آداب النّفوس
وكتبًا أخرى .

4} سيرة الطّبري في كُتب التّراجم و الطّبقات :
كان الطّبري غزير التّأليف ، وقد وصفه الإمام النووي :{ أجمعت الأمّة على أنّه لم يصنّف مثل الطبري } . ولابدّ من الإشارة أنّ شهرته العلمية جعلت سيرته ضمن الكثير من مؤلّفات التّراجم و الطّبقات مثل: *ابن النّديم / كتاب الفهرست في أخبار العلماء و المصنّفين من القدماء والمحدثين وأسماء كتبهم ، *الأهوازي / الإقناع ، *الخطيب البغدادي / تاريخ بغداد ، *الشيرازي / طبقات الفقهاء ، *ابن عساكر/ تاريخ دمشق ، *ابن الجوزي / المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم ، *ياقوت الحموي / معجم الأدباء ، *القفطي / إنباه الرّواة على أنباء النّحاة ، *ابن الأثير / الكامل في التاريخ ، *ابن خلكان / وفيات الأعيان ، *ابن كثير / البداية والنهاية ، *المقريزي / المقفى الكبير ، *الذهبي / تاريخ الإسلام وَ /سير أعلام النبلاء وَ /العبر في خبر من غبر.*ابن حجر العسقلاني/ لسان الميزان ، * السيوطي / طبقات المفسرين .

لقد كان الطبري منارة علمية ، فحضر مجالسه عدد كثير من طلبة العلم و علماء عصره للانتفاع و الارتواء من هذا السيل الذي لا ينضب ، وتخرّج من مدرسته أبرز وجوه العلم و الأدب وهم :

5} تلاميذ الطبري :
أحمد بن كامل القاضي
محمد بن عبد الله الشافعي
أحمد بن موسى بن عباس التميمي
محمد بن محمد بن فيروز
مخلّد بن جعفر
عبد الله بن أحمد الفرغاني
عبد الواحد بن عمر بن محمد أبو طاهر البغدادي البزاز
محمد بن أحمد بن عمر أبو بكر الضرير الرملي
وخلقٌ كثير آخرين
ولم يقبل الطبري المناصب التي عرضت عليه عديد المرّات ،لأنّها تشغله عن طلب العلم ونشره ، وكذلك رفض الهدايا من عامّة النّاس و الملوك والوزراء ، فكان يعفّ عن أموال النّاس ويترفّع عن العطايا ، ولا يسأل أحدا مهما ضاقت به النّوائب . وكان يصدع بقول الحقّ ولا يخشى اللاّئمين ولا الحاسدين ممّا دفعه إلى الوقوع في محنة في أواخر حياته ، وذلك بسبب خلاف مع رأس الحنابلة آنذاك أبي بكر بن داود ، فألصق به الحنابلة تهمة التّشيع وهي التّهمة الأكثر استعمال ضدّ خصومهم ،وكان المذهب الحنبلي مسيطرا آنذاك على بغداد والعراق عامّة ، وألّبوا عليه العامّة ،فلزم بيته ومنعوا عليه الزّيارة ، وبقي ابن جرير مُحاصرا في بيته إلى أن تُوفيَ ، قال أحمد بن كامل : توفي ابن جرير عشية الأحد ليومين بقيا من شوال 113هـ ، ودُفن في داره برحبة يعقوب ببغداد ، رحمه الله .

وصفه أحمد بن خلكان في كتاب وفيات الأعيان فقال :{ العلمُ المجتهد عالم العصر ، صاحب التصانيف البديعة كان ثقة صادقا حافظا رأسا في التفسير إماما في الفقه و الإجماع و الاختلاف ، علاّمة في التّاريخ وأيّام النّاس عارفا بالقراءات و اللّغة وغير ذلك} .

 

لا تعليقات

اترك رد