ماما زينب \ فخرية عبد الكريم


 

كان ياماكان, في قريب الزمان..في قديم الزمان ..في حاضر الزمان طفلة تلد في بلاد الرافدين ,الشطرة ,الحلة ,الكوت ,,كردستان,الرمادي ,والدها مدير الزراعة.. ,وكان ياماكان ياسادتي تتداول المحافظات العراقية ويتنقّل الموظف فيها من محافظة الى اخرى فهو يخدم العراق وحسب الكفاءة ,أو حسب الانتماء السياسي وهذا ماجعل السيد مدير الزراعة عبد الكريم ينتقل الى الناصرية حيث نشأت المحروسة فخرية ,ثم انتقلت الى الكوت وأكملت فيها المتوسطة ,ثم عادت الى بغداد وأكملت الاعدادية ودار المعلمين العالية ثم الكوت ثم الرمادي ثم الكويت ثم عدن ثم دمشق ثم لندن ثم بلغاريا ثم السويد ثم عالم الاخرة..ماتت..ماتت زينب ,أم شاكر ,أم عبد ,أم حميد ,ام عامر,سليمة الخبّازة ,فهيمة ,أم مكسيم غوركي ,أم الزغرودة الحلوة حينما ارتقتعربانة الشلغم وهي تعتمر قبعة احد الجنود وراحت تهتف للثورة فتجمّت حولها النسوة بأحتفال وكانت تظاهرة هي قائدتها فرحة بالبيان الاول لثورة 14 تموز ,تذوقت طعم السجون والطرد من الوظيفة ,تذوقت مديح يوسف سلمان يوسف (فهد) اذ قال عنها :لا فضّ فوك ياأبنة الرافدين ,كان ذلك في سجن الكوت حينما زارته و هتفت ضد اعداء الشعب ,كانت حينها تمتهن التعليم في الحلة ,لا تحب النظام الملكي وانتمت الى الحزب الشيوعي في عام 1950 واشتركت في اغلب المظاهرات ,عام 1952

تخرّجت من دار المعلّمين العالية, عيّنتمدرّسة في ثانوية الكوت ثم ثانوية الرمادي التي قدّمت فيها مسرحية (زواج بالأكراه)تأليفها واخراجها وتمثيلها مع نخبة من معلمات وطالبات مدرسة الرمادي للبنات وخصّصت ريعها للطالبات الفقيرات,وتعرّضت بسبب هذه المسرحية الى القذف والتشهير .عام 1954 فصلت من الوظيفة ,عام 1956-1957 قدّمت شخصية فهيمةفي فيلم (سعيد افندي )مع يوسف العاني واخراج كاميران حسني بعد أن تقدّمت مع 10 ممثلات لأداء الشخصية (فهيمة ) فوقع الاختيار عليها وكانت على قدر مسؤولية الاختيار في فيلم يعد من افضل ما أنتجته السينما في العراق اذ اثبتت زينب نفسها كممثلة تحسن التعامل مع الكاميرا السينمائية وكأنها صاحبة تجربة في هذا المضمار الجديد تماما عليها ,فشخصية فهيمة زوجة سعيد التي يمثلها الفنان (يوسف العاني ) وهو نفسه كاتب سيناريو وحوار الفيلم كانت هي سيدة الموقف والاداء المميز في جميع هذه المشاهد التي تجمعها بفنان صاحب تجربة ومتمرّس وله اسم كبير لكنها لم تضع امام عينيها الا انها يجب ان تنجح وتتفوق في تجربتها الجديدة المهمّة التي تعاملت فيها مع الطفل والزوج والجارة زوجة عبد الله بكيفية اثبتت انها قادرة على التعامل نفسيّا مع الطفل من خلال لون وطريقةالنظرة والابتسامة وحسن التعامل, وبين طريقة نطق الحوار, وتفاصيلالحديث والتعامل مع شخصّية الزوج ,كما اثبتت بأنها تفهم جيدا طبيعة الشخصية التي تؤدّيها ببيئتها وعمقها النفسي والملبس والاكسسوارات التي كثيرا ماتعاملت معها في جميع المشاهد اذ انالمتلقي يشعر تماما بأن كل هذه الاكسسوارات ماهي الاّ جزءا من الشخصية (فهيمة ) ,

وكانت تتعامل مع الطفل بكيفية تشعر بأنها تعلم جيدا بحجم اللقطة وحركة الكاميرا التي كانت قليلة في هذا الفيلم لكنها كانت تعلم جيدا انها تتعامل مع سينما واقعية لذا فأنها كانت مسترخية جدا بجدائلها التي تحوّلت الى جزء من شخصيتها الشعبيّة الطيبة ,والعباءة وأواني الشاي وحتى ماكنة الخياطة وبمختلف الافعالالتي تعاملت بها هذه الشخصية الشعبية ,الحزن والفرح والعصبية ,ونظراتها المختلفة المعاني الى من يقابلها في المشهد ,اذ انها تغير افعالها وملامح وجهها اللطيف بأبتسامة تختلف الواحدة عن الاخرى,مع ولدها عامر أو زوجها سعيد ,أو زوجة عبد الله وعبد الله ,كان كل شيء يأتي وكأنه مدروس بعناية وتركيز عال .أما في خطواتها السينمائية الاخرى والاكثر اهمّية نسبة الى أهمّية الشخصيّة المحوريّة التي تؤدّيها الا وهي شخصية الارملة التي يهيم بها الحارس الليلي ويظن انها على علاقة مع الرسام الذي يسكن في المنزل التي تسكن فيه هي ويتقدم لخطبتها لكنها ترفض ..الخ من احداث الفيلم التي تعاملت معها زينب بحرفية واحتراف بعد ان تمرّست على الوقوف امامالكاميرا وعلى خشبة المسرح لذا فأنا نستطيع ان نجد الفارق الكبير في الاداء بين فيلمي سعيد افندي والحارس الذي اثبتت فيه زينب بأنها نجمة يمكنها ان تعكس صورة الشخصية المناطة بها مهما كان صعوبتها وجرءة تناولها اذ استطاعت أن تناغم المطلوب ايهاما بأنها تبادل الحارس نفس الشعور بالغرام لكننا نكتشف عكس ذلك من خلال رفضها مشروع الخطوبة والزواج منه ,وتميزت زينب في هذا الفيلم بأنها اصبحت خبيرة جدا في التعامل مع الكاميرا بدراية وموهبة كما انها قد تعمّقت في فهم الشخصيات من خلال ممارسة التمثيل في المسرح والتلفزيون بشخصيات مركبة وجريئة لذا فان ادائها في هذا الفيلم يعكس تراكم خبرة عملية ونظرية وهي الفنانة المثقفة التي تهتم بالثقافة اضافة الى تجوالها الدائم بين مختلف المحافظات مما جعلها تعيش وتعايش مختلف الظروف والصفات الادائية

كما ان جرءتها وقوة ردود افعالها اينعت فأصبحت زينب جاهزة لصناعة الفعل ورد الفعل في نفس اللحظة ,كمااشتغلت طبقات صوتها القوية الجميلة المطاوعة لشدة ونوع الفعل بطريقة ايجابية وادائية تميل الى لغة التعبير والتأثر والتأثير ,وتلاعبت ايضا بملامح وجهها ,ابتسامتها المميزة وعينيها التي تشتغل بكيفية تتحكم هي بها لتنطق بما تريد هي ان تعبر عنه حتى لو كان ذلك بلعبة منها لصناعة مفهوم عكس ما يتضح في ما بعد بأن الواقع عكس الذي تم طرحه وفهمه وهذا ما يجده المتلقي واضحا في طريقة التعامل مع الحارس وبائع النفط الذي يجسده (مكي البدري ) ,كذلك نجده في طريقة التعامل مع الرسام (قاسم حول ) خاصة في المشهد الذي يجمعهما اثناء معرفتها بموضوع اللوحة التي رسمها لها ,ثم بجلوسها امامه كموديل وطريقة تعامل الرسام مع وضع جلستها واكسسواراتها مما جعلنا ومن خلال ردود افعالها ان نتوقع مثلما توقعت هي لكن الذي سيحصل شيء اخر تماما ,لكنها ادخلتفي اذهاننا ماتريد ووجّهتنا الى ماتريد بقدرة وتمكّن حتى ان المتلقي حينما يشاهد هذا الفيلم الذي مضى على صناعته اكثر من 50 سنة سيجد اداء زينب وكأنه يجري الان وقد تأثر بتطور التجربة الطويلة لنجمات السينما المحترفات.
ولزينب فيلما سينمائيا اخرا هو فيلم (ابو هيلة )اخراج يوسف جرجيسومحمد شكري جميل .

أما في المسرح فان تجربة زينب الغنيّة بدأت منذ دخولها ابواب (فرقة المسرح الفني الحديث ) ووقوفها امام قامات كبيرة امثال يوسف العاني وخليل شوقي وفاضل خليل في مابعد وغيرهم حتى وصلت الىدرجة ان تحقق قبولا جماهيريا وفنيا فتسمى باسم كل شخصية تؤديها ثم ما تلبث ان تأتي بشخصية اخرى واخرى وهكذا بالرغم من تشابه الصفات والمسميات مثل (ام شاكر في مسرحية انه امكياشاكر ,الام لمكسيم غوركي ,الأم الخبّازة في مسرحية النخلة والجيران ) وغيرها فكانت تتعامل مع النص كنص مستقل تختلف فيه الام هنا عن الام هناك ,كما تختلف في النص الشعبي عن النص العالمي لكنها في في مفهومها العا وتختلف في صورتها وخواصها ومفاهيمها الخاصة ,اضافة الى ذلك فان زينب قدّمت ادوار وشخصيات كبيرة في مسرحيات اثبتت من خلالها بأنها تجيد رسم ملامح الشخصية حسب انتماءها الشكلي ايضا اضافة الى انتماءها المفاهيمي كما في مسرحيات (النخلة والجيران ,تموز يقرع الناقوس ,الخرابة ,نفوس ,الخان ,دون جوان ,الحصار ,ثورة الموتى ,القسمة والحلم ,المملكة السوداء ,رأس المملوك جابر ,سالفة ام مطشر,الوحشة,زواج بالاكراه ,بيت برنادا البا,غرفة التعذيب,الجوع ,الخال فانيا ,بغداد الازل بين الجد والهزل ,سواليف ليل ,شعيط ومعيط وجرار الخيط,ست دراهم ,صور جديده, هاملت عربيا ,انا ضمير المتكلم,قسمة والحلم,البستوكة,ليطة ) اضافة الى مسرحيات اخرى كثيرة بقيت في ذاكرة المسرح ومتابعيه الذين وجدوا فيها الممثلة الباحثة المثقفة التي تغني الشخصية وتضيف لها من روحها الى درجة ان كل من شاهد مسرحية النخلة والجيران لا يمكنه ان ينسى شخصية سليمة الخبازة التي مثلتها زينب ولم تكن هي اطلاقا وهكذا في باقي الشخصيات الاخرى .

كان ياما كان في قديم الزمان ان زينب لم تسكن مكانا الاّ وتركت فيه اثرا فهي تمثّل وتكتب وتخرج وتؤسس فرقا مسرحية كما كان ذلك في عدن اذ اسست فرقة (الصداقة )وقدمت مجموعة من المسرحيات ,ايضافرقة بابل في سورية وفرقة سومر في السويد ,كما اخرجت زينب مسرحية (دون جوان) لمولير ,كتبت مسلسلات (الساقية المهجورة ,املوالريح ,في مهمة الريح ,مافات القطار) ,وكتبت ومثّلت عددا كبيرا من الاعمال الاذاعية والتلفزيونية مثل (الريح والمال ,وبائع الاحذية ) ونالت عن هذين العملين الجائزة الاولى في مهرجان الخليج التلفزيوني ,كما كتبت وأخرجت مسرحية (زواج بالاكراه),وخلال وجدودها في دمشق قامت بتأليف وتمثيل التمثيلية الاذاعية اليومية لأذاعة صوت الشعب العراقي .وكانت ايضا تكتب القصة والشعر وتنشر المقالات في الصحف باسماء مستعارة مثل اسم زينب وأسم سميرة الفقراء ,تم تعيين زينب مستشارة فنية في وزارة التربية ومشرفة على اجازاتالتمثيليات في عدن ,حازت على جوائز كثيرة منها جائزة افضلممثلة عن دورها في مسرحية (بيت برنارندا البا),وجائزة افضل ممثلة عن دورها في بائع الاحذية (جائزة التلفزيون الخليجي ) .

وكان ياماكان اسطورة اسمها زينب تنقّلت بين المحافظات والدول سجنوها وفصلوها واعادوها ,هتفت وغنّت ومثلت وكتبت وأخرجت وتعذّبت حتى كادت قدميها ان تصاب بالشلل وأصابها السرطان ففارقت الحياة في السويد .
قالت عنها وزيرة الثقافة السورية(نجاح العطار) في الثمانينات (انهاتستحق ان تكون في الموقع الذي انا فيه ).كتب عنها راشد خلّوصي كتاب بعنوان (زينب فنانة الشعب),وأخرج عنها المخرج طارق هاشم فيلم تسجيلي .ورحلت الكان والمكان في زمان هو 13 اب 1998 ودفنت في السويد .هي كل الاسماء هي زينب سميرة الفقراء وامشاكروسليمة الخبازة وفهيمة .. ,هي التي ولدت وكأنها ثورة وتوفيت وكأنها قطرة مطر ,رحمك الله ..زينب,فنّانة الشعب ..

لا تعليقات

اترك رد