” ليلى كُبّة كعوّش ” ولع التجريب حين يحاذي الجمال … ألوان النبوغ


 

قبل التسليم برفقة و رقة من يرى؛ ” بأن الجمال … لوّن من ألوان النبوغ ” نجد أن نضيف – بثقة تقييم و ثوابت وعي مُدرك لما ترمي إليه مفاهيم و نظريات علم الجَمال Aesthetics- من إنه ” أي الجَمال ” ، يسمو بقدرٍ أعلى منه ” أي من النبوغ ” ، لابد من عودة لمجمل ما أنتجت الفنّانة ” ليلى فخري كُبة كعوّش ” من تشيّؤأت جماليّة و محافل بصرية ، على طول و عرض إحترافية تجربتها منذ منتصف سبعينيات القرن الفائت ، حتى إندلاع شرارة معرضها المعنون ” بين نهرين Between Rivers- ” في تشرين ثانٍ/ نوفمبر العام / 2018 على” كاليري Artspace Hamra آرت سبيس حمرا ” في بيروت .

الأهوار … ثانيةً
يبدو شغف ” ليلى ” – واضحاً – بعالم الأهوار عبر مكامن و خزائن ما يُضمر و شذرات و شطحات ما يُظهر من دِعة و تلقائيةٍ و صدق عذوبة لا تخلو من قلق رائق و جِذّاب، رغم كل حفاوة ما يحمل من جّمال آسر، وما يخفي من جلالة حزنٍ تأريخي عميق، أضحى بعيد الأصول و فائق المدى المَقرون بقُدسيّة قِدم تلك العصور السحيقة التي حايثت و جوده ، قد أستفحل وأمتدّ وغار في أعماق وجدانها و شهيّة ذائقتها للفنّ الخالص ، وبكل ما أضاف لتجربتها و جدارة موقفها من الحياة ومن وطنها – الأحب – العراق ، حيث عاشت و ترعرعت و أخلصت له حتى في أعتى سنوات غربتها و إبتعادها عنه ، بهاء هذا الحضور المتواصل .

توارد السعي في نوازع و ممكنات التجريب المستمر لدى ” ليلى ” عبر متممات إنشغالاتها الأخيرة أمام بما يجري ، وحجم كبت ما يعانيه عالم ” أهوار جنوب العراق ” – تحديداً- من قسوة جفاف و عدم إهتمام من لدن جميع الأطراف المسؤوليّة في الحفاظ عن هذا الارث البيئي الكبير و الغريب و المهيب على نحوٍ متفرّدٍ عن جميع بقاع العالم ، من قبل و بعد معرضها المشترك الخاص بذات موضوعها الأثير هذا، و فق ما يخالج نفسها و يداني طبيعة تعزيزاتها الحسيّة و الذهنيّة له ، وما يتوافد من مسارب و فتحات نوافذ تجربتها المشرعة على الدوام صوب تحديثات الرسم و مجاوراته التكميليّة .

يلمس المتابع الدقيق لمنجزات هذه الفنّانة عمق إمتدّاد خيوط أساليبها المتنوّعة و المتجددّة و بوادر السعي الواثق بإتجاه توسيع أفاق موقفها الحضاري و الجمالي- بالاخص -حيال معرضها الشخصي المنتظر، المؤمل إقامته على قاعة ” الأورفلي للفنون ” في العاصمة الإردنيّة / عَمّان ، منتصف آذار هذا العام، والذي يحمل عنوان ” قصب “، للحدّ الذي بات يتماثل لينضح وعياً مضاعفاً ، يتوق و يتلهف اشتياقاً و صدقاً في مجال تعميم أصداء صيحات السخط و الإستنكار بأعلى أصوات المناشدة و التلويح و التوضيح لما تتعرّض إليه أهوارنا وما تعاني، و تأن من جرّاء و طأة ظروف قاسية و محزنة، لا تسّر أحداً – على الاطلاق- ، غير أعداء الجمال و أعداء العراق .

بيت الأحزان
تتسم باقة هذا المعرض المزمع إقامته، قريباً – كما سوابق مِلاكاته التأمليّة ، وأنساقه التعبيريّة، و تنويعاته التجريبيّة – بالمثول و الدخول الحاذق لنوابض روح الدهشة ، و ثناء جديّة ما تحوي هذه الأعمال من نفحات عذوبة و عفوية لحظات فائقة النشوة و الهدوء ، سرعان ما تتوهج و تفيض نوراً مُشعاً ، هائماً بجلال هذا السحر الحلال ، حين تغدق عليه ” ليلى كُبّة ” جُلّ إبتهالات ألوانها الدافئة منها و الرائقة ، بفعل ترف شفافية و براعة عتمة ، تتعادل فيهما أثر ذلك الصراع الدرامي الحاني ، لموجودات و علاقات لوحاتها ، وعلى مختلف قياسات و أبعاد جميع الأعمال النابضة بالحياة و حيوية النشاط الماتع المغسول بعطر التفاني وأريج التفاؤل الذي يحكم شخوصها ، على هذا النحو من الحنو و المحبة و التوادد والسلام، ما بين الأرض و الماء و الإنسان .

جملة أفكار و مشاهد من مقاطع حياة تتنوّع فيها الوحدات و تتبارى ما بينها العلاقات حين يتوازى فيها ” الفراغ ” مع مُثمرات الحشود اللوّنية ” الكتلة ” بفخامة كثافتها من جهة ، ورهافة ما تصنع و تُهيأ ” ليلى ” – على منوال دفق عواطف و رقة مشاعر مرهونة ببراعة قوة خط و صفاء رؤية من جهة ثانيّة ، و بكل ما يُتيح للأشياء بأن تنبض و تحيا فوق سطوح طيّعة عامرةٍ بنسق وضوح مُمكن و محسوب ، يتداخل فيه غموضٍ مغرٍ محبب و ساحر و خلّاب ، حفلت ” ليلى ” يضيء مسامات و مساحات لوحاتها الذائبة بطراوة فتنة و سمو جَمال ، يسعى ليسهم بخلق جماله النادر و الخاص و المختوم بخواص أساليبها المترعة بالنور الذي تتذرّع على هذا النحو من الزخم القادر على نحت تناغم و تفاعل حيّ يجمع ما بين شتات الذات و تشظيات المحيط الذي تحاول لملّمته هذه الفنّانة فوق سطوحها التصويريّة ، بلهجة و بهجة من وصف و رصف كلمات هذه عبارة شاهقة الدلالة ، وافرة المعنى تفيد بالقول ؛ ” الجمال لا ينبت … إلأ في بيت الأحزان ” – ربما- تماماً كما هو حال أهوارنا في جنوب الروح من عراق القلب .

السّر الأسمى
يهدي هذا التمهيد لفكرة ، لم تعُد قادرة بالدفاع عن نفسها ، بعد أن لخّص أحد الحكماء المحدثين حين قال ؛ ” أن المرأة ليست إداة معرفة حسب ، بل هي المعرفة بعينها ، المعرفة التي لن ندركها أبداً … و حاصل جهلنا النهائي ، إنها السّر الأسمى “، بعد أن تشكّل الوعي التجريبي في مقدّرات الفنانة الكبيرة ” ليلى كُبة ” الذائبة حُبّاً و هياماَ في أدق تفاصيل و نسيج أنساق ما تشهق روحها و تُحلّق في عوالم الرسم غاية ً و تعبيراً عن قوادح موهبة بارعة ، أتسقت طريّة و قوية في ذات أشدّ حالات الغرق في أتون الأحزان ، حيث شاء لها أن تنهل من كًل ما يضيف لنبع تطلعاتها بُعداً و مرتكزاً يستأثر بمجمل حاجاتها ، و يديم من سمو و نبل دوافعها في بناء معمار هذه تجربة حيّة كانت قد أثمرت أغصانها بشتى أنواع النبوغ الفكري و البصري و الأخلاقي الذي أحاط بتقديراتها منذ مراس دراستها و تخصصها في مجال الفنون الجميلة في جامعة ” مانشستر” / بريطانيا ، ثم حوافل إكمال الدراسة – فيما بعد في جامعة ” كوركوران/ واشنطن، و ما تتابع من ثقافات إضافة ، و تنويع مشاركات في عموم المدن التي زارتها و عاشت ، و مختلف قاعات العروض الفنيّة في العالم، كما و شاء أن يقتني ” المتحف البريطاني ” واحدة من أعمالها المهمة ، كذلك ” صندوق النقد الدولي” الذي يَباهى بإقتناء لوحة من ثمار أعمالها الكبيرة الحجم، إلى جنب دراسات و تقييمات نقديّة و تخصصية لخواص ثقل تجربتها ، و التي غض النظر- عنها كثيراً- النقد و الرصد التشكيلي العراقي ، بما يناسب و يليق بعمق وتواصل ثراءات تجربتها التي تعدّت التجنيس من حيث كونها امرأة ، مقابل عطاءات ما يمنحه المجتمع للرجل في الحيز أو المجال ما يجمع الأثنين ، معاً ، أجد بأن أُذكّر – هنا- بما كانت تصرّح و تدلي به الكاتبة الإمريكية من أصل الماني ” أناييس نن ” في مذكراتها الصادرة في ثلاثينيات القرن العشرين- حيث عاشت- بخصوص وجود شحة عدد المبدعات في مجالات جميع فنون التعبير و لوازم كتابة الرواية و الشعر- كذلك النقد- ، يقع في دائرة عدم وجود طاقة تجريبيّة – تحطيميّة لجوامد و مألوفيات السائد من القيّم و التقاليد في حياة و نوعية تفكير و عمل المرأة، وهذا ما يتنافى – بظني و يقيني- مع تقديرات تقييمنا العام لمجمل منجزات ” ليلى كُبّة “، و من شاء له الاطلاع ، ومن برع في كشف عوالمها على مدار عُمر تجربتها المتفرّدة و الثريّة في و اقع الحركة التشكيليّة في العراق .

لا تعليقات

اترك رد