حب في ظلال طغراء، قراءة في رواية “حب في ظلال طاووس ملك ” جزء 3


 

«كل ما في الرواية له دلالة»، رولان بارت R. Barthes

تنقسم هذه الدراسة التحليلية المتواضعة، (بالنسبة لي الأولى من نوعها في النقد الأدبي)، لرواية “حب في ظل طاووس ملك” للكاتب العراقي حمودي عبد محسن، الصادرة في 320 صفحة من الحجم المتوسط، عام 2017 عن بيت الكتاب السومري، إلى فصلين رئيسيين: الأول يتناول النص المحيط المكون أصلا من اسم المؤلف وعنوان الكتاب وصورة الغلاف، والمؤشر التجنيسي، وأيقونة دار النشر، والإهداء والتصدير وكلمة الناشر.

والثاني يتناول النص الفوقي و”علاقة ما دار حول النص بالمتن الحكائي”. وسأحاول قدر الإمكان توضيح ترابط العتبات مع بعضها البعض، وسبكها وتماسكها مع المتن.

1ـ الإهداء
انطلاقا من الصفحة الخامسة يطأ القارئ أول عتبة مكونة من أربعة إهداءات:
الأول منحه الكاتب للأم الأيزيدية التي حملت عذابها لأكثر من أربعة عشر قرنا، بل ما يفوق ذلك بكثير٭…عذاب تقاسمه معها الكاتب في ليالي السهر والأرق والتعايش مع الصرخات المدوية عبر أبواق الزمن، صرخات “تفزع الحجر، وتحزن الشجر، وتُبكي القمر”. إنها الأم الأيزيدية التي أطال الكاتب في سرد مناقبها وخصالها الحميدة: ” أنت أيتها الأم الأيزيدية الحنون، يا أم البركات وتاج العارفين، يا حافظة أسرار التاريخ، وحافظة لوح القدر، أنت يا سيدة الكون الأيزيدي منذ خلْقِه الأول…” (ص.126)

الإهداء الثاني موجه إلى هنار، بطلة الرواية، التي نالت المثل العليا في القدسية والنقاء لتنير مَنْ حولها، فيكون نورها نورا يستنير به الآخرون. “هنار الرائعة الحسن ذات الأعوام السادسة عشرة”، هنار ابنة بحزاني، ابنة الدماء في العروق، هنارالقمر، هنار الصبر، “هنار زهرة جلنار، زهرة الصباح”…

يأتي بعدها في سلم الإهداءات حبيبها ميرزا “صاحب الحب العنيد وقيمه الطاهرة”.

خلد الكاتب إهداءه الرابع إلى الصبية الأيزيدية، التي هي بدورها، رغم براءتها وفطرتها، ذاقت من عذابات الطغاة الأشرار الذين ما هم حيوان ولا بشر. إنها الصبية التي وقعت أسيرة في “أيادي مدنسة…لا تعرف إلا الظلام المختوم على عيونهم”.

2ـ التصدير
ينتقل بنا الكاتب إلى عتبة تالية: التصدير. وهو عبارة عن ثلاثة اقتباسات من “نهاية اللأَرَب في فنون الأدب” لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري المتوفى عام 733هـ. وهي ثلاثة حكم في العشق والهوى، تحدد المدخل إلى عالم نص الرواية.

فالحكمة الأولى، جواب لأبي نوفل (لعله عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، صحابي من القضاة، استقضاه مروان بن الحكم بالمدينة، فكان أبو هريرة يقول: هذا أول قاض رأيناه في الإسلام. “فهرس الأعلام 4/142”)، حينما سئل: هل يسلم أحد من العشق؟ فقال: نعم الجِلْفُ الجافي الذي ليس فيه فضل ولا عنده فهم.

سرد الكاتب الحكمة الثانية بيتا من الطويل، للشعبي (راوية من التابعين يضرب المثل بحفظه، كان نديما لعبد الملك بن مروان ورسوله إلى ملك الروم، كان محدثا وفقيها وشاعرا، توفي سنة 721م. “فهرس الأعلام 3/251”):
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى         فأنت وعَيْرٌ في الفلاة سواء!

والحكمة الثالثة لابن أبي مليكة (من رجال الحديث، مات سنة 735م “فهرس الأعلام 4/102)، حين سمع غناء وهو يؤذن، فطرب، فقيل له في ذلك، فأنشد:
إذا أنت لم تطرب ولم تدر ما الهوى        فكن حجَرا من يابس الصخر جَلْمَدا

لقد فصلت القول في هذا الجانب، أو العتبة/التصدير، ووثقت مكوناته الثلاث لأبين مدى اهتمام الكاتب بالتراث العربي. ولأوضح للقارئ أن رجالات تراثنا مهما اختلفت انتماءاتهم وميولهم، الدينية والمذهبية، لم يكونوا أبدا “حجرا من يابس الصخر جلمدا” ولا هم من “الجلف الجافي” الذي لا يعرف للهوى والعشق مسلكا. فليسوا مثل الطغاة الأشرار الذين تدثروا بلحاف دماء ليظنهم الناس بَشَرا.

فالحِكَم الثلاث بذكرها العشق والهوى والطرب تتعالق مع النص الرئيس بفصوله العشرين، وتساوق العنوان الذي ركز على كلمة حب، الحب العارم لهنار، الكامن في قلب ميرزا. “حب متفان فيه نشيد الأرض. هذا الحب الذي كان يحسه ميرزا قبل الموت، حب يحلق في ظلمة الليل نحو لأعالي”. (ص. 268) إن اختيار التصدير له دلالته الإيحائية، ليس فقط لما يقوله، ولكن استحضره الكاتب من أجل قائله. فقيمته التداولية التي تحدد استراتيجيات القراءة لاستيعاب الحوار الرابط بين الحكم المختارة والنص الروائي، لا تكمن فقط في كونه عتبة مرور لا مفر منها، و” لا لأنه إشارة تحدد طريقة الولوج إلى النص، بل، كذلك لكون الشخصيات المحال إليها لها مكانتها الدينية، في الفقه والحديث والقضاء، ومع ذلك لم تكن متزمتة ترى كل شيء في الدنيا طابوهات وخطوط حمراء لا يجب تجاوزها.

هوامش:
٭ خلال حكم الدولة العثمانية تعرض الأيزيديون الى محاولات “الأسلمة بالقوة” وصدرت بحقهم الفتاوى التي تصنفهم كجماعة مهرطقة، وعززت الاعتقادات بقوة السلاح من خلال ما يقرب من 72 حملة إبادة جماعية، فقد كانوا يعتنقون ديانة قديمة في وسط إسلامي خالص… الذاكرة الجماعية للفرمانات الـ”72″ جريحة بصور وقصص الحملات العسكرية والإبادات المشفوعة بفتاوى التكفير، والتي تشكل تاريخ تعامل السلطات المختلفة مع الأيزديين منذ الفتح الإسلامي للعراق، والتي اتخذت طابعا متشددا في الفترة العثمانية ما يزال طريا في ذاكرتهم، فالحملات العسكرية التي شنت ضد الأيزديين خلال فترة الصراع الصفوي والعثماني في أوائل القرن السادس عشر الميلادي، تجددت بعد منتصف القرن المذكور على يد القادة والولاة العثمانيين والصفويين مشفوعة بصدور فتاوى رسمية من الدولة العثمانية عدت مناطقهم (دار حرب) من الوجهة الشرعية وبذلك أصبحوا هدفا مباحا للقتل والسلب والنهب. (سعد سلوم)

مراجع:
* جميل حمداوي ـ سيميوطيقا العنوان، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 25، العدد 3، يناير/مارس 1997
* شعيب حليفي ـ النص الموازي للرواية، استراتيجية العنوان، مجلة الكرمل، عدد 46، قبرص 1992
* جميل حمداوي ـ السيميوطيقا والعنونة، مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس والعشرون، 1997
* عبد المالك أشهبون ـ عتبات الكتابة في الرواية العربية، دار الحوار للنشر، دمشق سوريا، الطبعة الأولى سنة 2009.
* قاسم محمد عباس ـ الحلاج الأعمال الكاملة، الطبعة الأولى، 2002، رياض الرايس للكتب والنشر، بيروت
* سعد سلوم ـ الايزيديون: ذاكرة الفرمانات وحصار البنية الثقافية السائدة،
* شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويري ـ نهاية اللأَرَب في فنون الأدب، تحقيق د. مفيد قميحة ود. حسن نورالدين، ط.1، دار الكتب العلمية، بيروت 2004
* G. Genette : SEUILS, COLLECTION SEUILS, PARIS, 1987

لا تعليقات

اترك رد