زرياب أطرب المجتمع وغيرّه

 

يقول ابن خلدون أنّ الحضارة هي سبب تطوّر الموسيقى وغيرها من فنون الترفيه، في حين يرى آخرون أنّ هذه الفنون هي سبب تطوّر الحضارات.
بالفعل كان زرياب سببا في قيام حضارة الأندلس، فقد بث الحياة فيها بث التحضر وروح الجمال، لم يكن زرياب برأيي أحد أسباب سقوط الأندلس ولا عاملا مساعدا حتى، فمن العبث أن نترك استهتار الحكام وخمولهم ونلقي باللوم على زرياب مطور حضارة الأندلس.
زرياب ( 789-857م) العبد والرجل الفارسي متعدد المواهب والثقافات ، شاعر وموسيقي ومغني وعالم تجميل ومصمم أزياء تعدت شهرته الآفاق كمصمم ومحلل استراتيجي وعالم فلك وحيوان وجغرافي واسع الشهرة والعلم والأفق . كثيرون منا لا يعرفون عن زرياب إلا موهبة الموسيقا والغناء لكن شهرته ضربت الآفاق وتخطت الأزمنة والحدود والمعارف فهو من قدم للعالم فكرة الوجبات الثلاثة ( الفطور والغداء والعشاء ) وهو أول من استخدم الكريستال في صناعة الكؤوس بعد أن كانت البشرية تستخدم المعادن في صناعتها . وكان زرياب أول من عرف العالم على نبات الهليون وأدخله في الوجبات اليومية باعتباره احدى الخضار المفيدة والهامة لصحة الإنسان ، كما أضاف زرياب العديد من التغيرات في النغمة الموسيقية . ولد لزرياب العديد من الأطفال كلهم اشتغلوا في أوروبا وحققوا شهرة واسعة في عموم أوروبا لدرجة أن الأوربيين يسمونه باخ القديم .
كانت التغييرات التي أحدثها زرياب في المجتمع أكثر من أن تحصى فهو أول من اخترع الشعر القصير وحلاقة الذقون للرجال وهو أول من اخترع الملابس الموسمية ( ألبسة الشتاء وألبسة الصيف وألبسة الخريف وألبسة الربيع ) وهو أول من اخترع معجون الأسنان برائحته العبقة المعطرة وهو أول من أرسى قواعد القواعد الصحية الشخصية وأرسى دعائمها واستدامتها وديمومتها في المنطقة وهو أول من استخدم مزيل روائح العرق تحت الإبط وأول من روج لفائدة الاستحمام مرتين في الأسبوع .
فمن هو زرياب وكيف نشأ؟
هو أبو الحسن علي بن نافع الموصلي، موسيقي ومطرب عذب الصوت من بلاد الرافدين من العصر العباسي ، عاصر الخليفة العباسي هارون الرَّشيد . كانت له إسهامات كبيرة و عديدة وبارزة في الموسيقى العربية والشرقية. لُقِّب بـزرياب لعذوبة صوته وفصاحة لسانه ولون بشرته القاتم الداكن ، وهو اسم طائر أسود اللون عذب الصوت يعرف بالشحرور .عبقري الموسيقى متعدد المواهب “زرياب” ، ومبتكر فن الذوق العام والذى يسمى اليوم بـ “الإتيكيت”، والذى مثل حلقة وصل هامة في نقل مظاهر الحضارة الاسلامية والشرقية إلى الاندلس ومنها إلى أوروبا والعالم أجمع , رجل ظلمه التاريخ الإسلامي ليهتم به التاريخ الغربي أكثر ويستفيد من تجربته وآثاره وما قدّمه للعالم أجمع.
زرياب سبب اختراع الموشح الأندلسي:
كان زرياب السبب في اختراع الموشح لأنه عمم طريقة الغناء على أصول النوبة ، وكانت هذه الطريقة هي السبب في اختراع الموشح . وقد أدخل زرياب على فن الغناء والموسيقا في الأندلس تحسينات كثيرة ، وأهم هذه التحسينات في الغناء والموسيقا:
جعل أوتار العود خمسة مع العلم أنها كانت أربعة أوتار.
أدخل على الموسيقى مقامات كثيرة لم تكن معروفة قبله.
جعل مضراب العود من ريش النسر بدلا من الخشب.
افتتاح الغناء بالنشيد قبل البدء بالنقر، كما أنه أول من وضع قواعد لتعليم الغناء للمبتدئين وأهمها هي:
يتعلم المبتدئ ميزان الشعر ويقرأ الأشعار على نقر الدف ليتعلم الميزان الغنائي.
يعطى اللحن للمبتدئ ساذجا خاليا من كل زخرفة.
يتعلم المبتدئ الزخرفة والتغني في الألحان مع الضروب بعد تعلمه الميزان والضرب واللحن. وقد وضع أسسا وقواعد لفحص المبتدئين قبل قبولهم وهي أن يجلس المبتدئ في مكان عال ثم يوعز إليه بأن يصبح بجواب صوته ثم ينزل تدريجيا إلى قراره، وبهذه الطريقة كان يعرف مدى صوته وحلاوته.
وقد نقل زرياب من بغداد إلى الأندلس طريقتين في الغناء والموسيقى هما:
طريقة الغناء على أصول النوبة.
طريقة تطبيق الإيقاع الغنائي مع الإيقاع الشعري.
زاد زرياب في أوتار عوده وتراً خامساً اختراعاً منه ،مع صديقه بن نعيمة حيث إذ لم يزل العودُ بأربعة أوتار على الصنعة القديمة، فزاد عليها وتراً آخر متوسطاً، فاكتسب به عوده ألطَفَ معنى وأكمل فائدة. وهو الذي اخترع بالأندلس مضراب العود من قوادم النسر، بدلاً من مرهف الخشب . وأبدع زرياب في تنسيق الألحان ، حتى توهّم أن الجن هي التي تعلّمه ؛ ولا عجب فقد ورث هذا الشعور من أستاذه إسحاق الموصلي الذي ورثه عن أبيه إبراهيم الموصلي وعن عمه أبي لمامه.
عود على بدء
ولد زرياب في الموصل، وهو في التاسعة من عمره تم خطفه وأصبح عبدا للخليفة المهدي بن جعفر المنصور، وفيما بعد أهداه المهدي إلى إسحاق الموصلي الذي ذهب معه إلى بغداد لكي يستقر هناك ، وكان زرياب يحب بغداد حيث كانت تذكره بالموصل.
كان إسحاق الموصلي يحب العزف على العود بل كان أستاذا في ذلك، تعلم منه زرياب العزف.
وصارت علاقة الموصلي بزرياب علاقة حب وود فكان يثق فيه ويؤمن بقدراته على تطوير عزفه وجمال صوته، وكان للموصلي عادة عتق العبيد في المواسم الدينية فأعتق زريابا ولكن جعله بجواره ، وبعد وقت ليس بكبير أخبر زرياب الموصلي بأنه يريد أن يتزوج بجارية يحبها اسمها صفاء من تركمان كانت جارية عند الموصلي، وأثناء أسرها أصبحت عرجاء على إثر سقوطها فلقبت بصفاء التركمانية العرجاء.
بارك إسحاق الموصلي الزواج وأهدى لزرياب بيتا ليسكنه ، فأنجب زرياب منها حمدونة وعبدالله وعبد الرحمن.
تتعاقب الأيام بسرعة العاصفة أحيانا ، وهكذا كان الحال مع زرياب . حكى له الموصلي في يوم أنه أخبر هارون الرشيد عنه وأنهما سيذهبان معا لكي يغني زرياب لخليفة المسلمين الذي كان أبوه الخليفة المهدي سيد زرياب السابق ، والذي كان عنده زرياب صبيا وعبدا، ورجع زرياب إلى القصور مرة أخرى.
وفي غفلة من الزمن يرحل زرياب مع أولاده وعائلته إلى الأندلس ليرعاه حاكمها عبد الرحمن الثاني . وبعد أن دخل بلاط الخليفة وأصبح من حاشيته غنى بحضرته وما أن سمعه الخليفة حتى شغف به وقربه إليه وأصبح نديمه ومن أقرب الناس إليه. عرض عليه الخليفة قصراً وراتباً شهرياً قدره مائتا دينار، وتقول بعض المصادر أنه قدم له كل هذه الأعطيات وأعطيات أخرى حتى قبل أن يسمعه يغني. وسرعان ما غدا زرياب شخصاً معروفا في قصر الخليفة ثم اشتهر في الأندلس وتمركز بها وقد لقب زرياب بالقرطبي إذ بدأ نشاطه في مدينة قرطبة فأسس دار المدنيات للغناء وللموسيقى يضم أبناءه الثمانية وابنتيه إضافة إلى عدد آخر من المغنين وتعتبر هذه أول مدرسة أسست لتعليم علم الموسيقى والغناء وأساليبها وقواعدها.
هكذا عاش العالم الموسيقي البارع زرياب . هكذا أطرب المجتمع وغيّره .

لا تعليقات

اترك رد