حديث ليلةٍ عاصفة


 

أوى النهارُ لِجُنحِ اللّيلِ مضطرِبَا
مِمّا لقِيتَ و أغفى عِنده تَعِبَا

و عانَقَ اللَّيْلَ مفتونًا بِصُحْبَتِهِ
عسى يُصادِفُ في أَكْنَافِهِ الطَّلَبَا

فَاسْمعْ إلى الليل في صمتٍ تَجِدْهُ صَدًى
لِبعْضِ وجدِكَ أو حَدِّثْ به الشُّهُبَا

و أرسِلِ الدّمعَ لا تَثْريبَ يَلْحَقُهُ
فالدّمعُ في الليل محجوبٌ عن الرُّقَبَا

و الدمعُ يمسحُ أحزانَ الفؤاد كما
يشفي اللّقاء جراحَ البُعدِ و الوَصَبَا

فَرُبَّ شاكٍ رأى في الليل مُنصِفَهُ
و رُبَّ باكٍ بَدا في دمعِهِ طَرِبَا

وانْظُرْ إلى البدر مشغولا بِغَيمَتِهِ
حتى تخاصم فيه السُّحْبُ فاحْتَجَبَا

و الغيمُ أرهقه حزنُ الذين مَضَوا
فَرَقْرَقَ الدمعَ ثم انْهارَ فانْسَكَبَا

في كلّ قطرةِ ماءٍ دمعةٌ سُفِحَتْ
من عين صبٍّ سَباهُ الحُبُّ ذات صِبَا

قَطْرٌ يُغازِلُ بِلَّوْرًا بِنافذتي
يجري خطوطا إلى ميعادِهِ سَرَبَا

كأنّ بِلَّوْرَها خَدٌّ لِذِي وَلَهٍ
قد خانه صبره فانْهارَ مُنْتَحِبَا

و الرّيحَ تابِعْ فَهَا قد ثار ثائرُها
لا تعرف الوَهْنَ والإرهاقَ و التَّعَبَا

حتّى إذا استَحْكَمَتْ في أُفْقِها و دَنَتْ
عَوَتْ كَذِئْبٍ شكا في ليلِهِ السَّغَبَا

كأنّما الرّيحُ إسْرافِيلُ صَيْحَتُهُ
جاءت تُذكِّرُ بطشَ اللهِ و الغَضَبَا

فَاحْزِمْ مَتاعكَ واسْتَجمِعْ حقائبَهُ
و هِيِّئِ الزّادَ إنّ الوعدَ قد قَرُبَا

و لستَ خِبًّا فَتَنْسى أَوْبَةً قَرُبَتْ
و لَسْتَ غِرًّا بَنَى احلامه لَعِبَا

فالكُلُّ يأتي إلى الدُّنْيَا على قَدَرٍ
والكُلُّ يَمضي إلى الأخرى بِمَا اكْتَسَبَا

لا تعليقات

اترك رد