القيم الاخلاقية في المجتمع العراقي القديم

 

تعد الاسرة البيئة الاولى التي يتربى فيها الفرد ويتأثر بأخلاقها لان ما تتصف به الاسرة من قيم ستنعكس على اولادها من خلال تنشئتها لهم، اذن فالطفل يكتسب القيم الاخلاقية والاجتماعية عن طريق اسرته مجتمعة، وبالتالي فان اخلاق الفرد وشخصيته تتشكل وفقاً لنوع الحضارة او المجتمع الذي يولد ويترعرع فيه.

وقبل تبيان مكانة القيم في المجتمع العراقي القديم لابد من التمييز بين نوعين من القيم الانسانية هما القيم (الاخلاقية) والقيم (الاجتماعية): فاما الأولى فهي القيم التي تحدد السلوك وتدبره وتتناول مسألة تنظيم الحياة فتغدوا اخلاق المرء تعبيراً عن ذاته من خلال ما يجري من الاحداث التي يمر بها والبيئة التي يعيش بها .

اما القيم (الاجتماعية) فهي الفة الناس من عادات وأعراف وتقاليد اعتادوا عليها بحيث اصبح الخروج عنها غير مألوف لعدم توافقها مع العرف السائد وانسجامها مع ما اجمع الناس عليه .

اذن فان القيم الاخلاقية والاجتماعية معاً عبارة عن مبادئ تنظم سلوك الفرد والمجتمع في كل الظروف التي تمر بها المجتمعات والحضارات في سلوكها وتصرفات افرادها، فكان لها اثراً في كل حياتهم وتوجيهم نحو الخير والسلام قدر المستطاع.

من المعروف ان العراقيين القدماء قد صوروا واقعهم الاجتماعي من خلال الاساطير التي نسبت الى الالهة وعلى هذه القاعدة فقد اعتقدا ان الخير بجميع مجالاته يرجع مصدره الى الالهة حيث .. ان الالهة كانت تفضل كل ما هو اخلاقي وكانت جميع الهه المجمع الالهي السومري الرئيسة تقريباً تُـمجد وتنال التقديس على انها محبه للخير والصدق والامانة والحقيقة وباقي القيم الخلقية الحسنة.

وقد تصدى للنظام الاخلاقي في مجمع الاله عدد من الاله امتازوا بكونه رعاة للفضائل والقيم الاخلاقية الفاضلة .فالاله (اوتو(شمش)) مثل الاله الراعي للفضيلة والحق والعدل وشملت صفاته قدراً كبيراً من الفضائل والقيم الخلقية ،ويبدو ان الاله (اوتو(شمش)) قد نعت بصفاته واغلبها تشير الى نصرة المظلوم وعقاب الاشرار لانه حسب الاعتقاد انذاك يعرف بافكار الناس والمعتني بهم.

كما ذكرت بعض النصوص مدينة لكش (نانشة) بانها اختصت برعاية الهدف والعدل والرحمة، وقد وصلت الينا ترتيلة سومرية مؤلفة من (250 سطر) توضح الاقوال المهمة في السلوك الاجتماعي والاخلاق الحميدة . كما نجد ايضاً ان الاله (مردوخ) كان يتمتع بقدرة على فعل الخير لكل اشكال الموجودات الالهية والطبيعية والانسانية ، ويبدوا ان هذا واصحاً من خلال قراءة اسطورة الخليقة البابلية.

اذن فان القيم الاخلاقية التي كانت سائدة في المجتمع العراقي انذاك، استحصلت من الالهه التي وصفت غالبيتها بأنها ذات صفات اخلاقية، لهذا فقد حرص المجتمع والعائلة على ان تربى اطفالها وتنشئتهم على اكتساب مثل هذه القيم.

ومن القيم الاجتماعية والخلقية التي نشأ عليها الفرد في المجتمع العراقي القديم هي صفة الاعتماد على النفس، فقد حرصت الاسرة العراقية القديمة على تنشئة ابناءها باالاعتماد على انفسهم وبث العزيمة القومية فيهم، وضرورة التحمل ومواجهة الصعوبات وتحمل غضب الالهة ايضا.

ومن الآداب الاجتماعية في تربية العراقيون القدماء لابناءهم ايضا ، تعليمهم وتنشئتهم على حفظ اللسان وعدم الهذر وسوء المنطق، ففي نصوص وصايا الاباء لابناءهم نقتبس بعضاً من نصائحهم حول ذلك:

“تحكم بفمك واقدس من كلامك
فهنا تكن ثروة الرجل
نذكر ان شفتيك ثمينتان حقاً”

ومن تبعيات حفط اللسان والتأكيد على التمسك بالقيم الاخلاقية ما يتعلق بالقسم واليمين فقد صورت لنا احدى طرق التنشئة التي تخاطب بصيغة النهي (لا). على التحكم بالكلام والقسم لان خلاف ذلك يتحمل الفرد عاقبة دينية ودنيوية كما جاء في النص الاكدي:

لا تنطق بقسم مغلظ حتى اذا كنت وحدك،
لان ما ستتكلم به في هذه اللحظة سيستعبدك فيما بعد،
اجتهد ان تلجم كلامك

ويبدو ان العراقيين القدماء قد ادركوا بان الخصال الحميدة تكاد تنطوي في حفظ اللسان وان الاخلاق المذمومة ومصدرها اللسان في الغالب وهذا ما يؤكده ايضاَ المنطق الاجتماعي والاخلاقي. ونورد هنا من تاريخ العرب في الجاهلية محادثة جرت بين (قيس بن ساعده) وصديقه اذ يقول له :

“كم وجدت في ابن ادم من عيوب هي اكثر من ان تحصر، وقد وجدت خصلة استعملها الانسان سترت العيوب كلها. فقال له ما هي؟ ، قال: حفظ اللسان”

ومع تطور المجتمع العراقي القديم تدريجياً نجد ان هذه القيم الاخلاقية اخذت بالاستمرار ضمن تنشئة الاباء والمجتمع عموماً لأفراده وأبناءه فالحكم والنصائح الاجتماعية والاخلاقية والتربوية في العهد السومري والاكدي نراها تؤسس منهجاً قويا للاخلاق والفضائل لما جاء بعدها.

بتصريف : عادل هاشم علي، البنية الاجتماعية في العراق القديم

لا تعليقات

اترك رد