سنوات الخداع..اعتراف متاخر


 

يحاول محمد البرادعي الذي راس الوكالة الدولية للطاقة النووية ابان فترة الحصار ومن ثم احتلال العراق تجميل وجهه العفن والقاء اللوم على الاخرين ومنهم المسؤولين الاميركيين والبريطانيين وايضا الرئيس حسني مبارك اضافة لمعظم حكام العرب على ما حصل للعراق والمنطقة، وفي كتابه – زمن الخداع – الذي صدر مؤخرا يقدم اعترافا متاخرا في ان العراق لم يكن يملك اسلحة نووية ولم تكن ثمة مبررات لشن عدوان عليه ومن ثم احتلاله، والبرادعي الذي كافأه الغرب لجهوده في ادامة اسباب التشويه وخلق المبررات العدوانية على العراق بمنحه جائزة نوبل، يعتقد ان باعترافاته المتاخرة هذه سينسى العرب والعراقيون خاصة شراكته العميقة في الجريمة التي ستظل تلاحقه، مثلما تلاحق كل من كان طرفا فيها وشاهدا عليها بصمت..

يدعي البرادعي في كتابه وخاصة في الحلقة السابعة منه انه بذل جهدا كبيرا لتجنب الحرب وان العراق بالفعل لايملك اسلحة دمار شامل وانه قد فند المعلومات الاستخبارية البريطانية التي تحدثت عن صفقة بيع نيجيريا يورانيوم للعراق، مؤكدا للجهات الاممية والغربية ان تلك اكذوبة وان الوثائق المقدمة من قبل بريطانيا كانت مزورة بشكل مفضوح، الا ان كل مساعيه حسب ادعائه لتجنيب العراق والمنطقة الدمار ذهبت ادراج الرياح ولم تحظ بالاهتمام المطلوب، وان المسؤولين الاميركيين كانوا يركزون على كل جملة او كلمة في تقارير الوكالة من شانها ان تشكل وسيلة لدعم ميولهم لاختلاق اسباب غزو العراق، وفي صفحات اخرى من الكتاب شدد البرادعي على ان القادة العرب كانوا يبغضون صدام حسين وكانوا يتمنون الحرب لازاحته، وان الرئيس حسني مبارك كان يبث الشائعات حول امتلاك العراق لاسلحة محظورة وقد جنى من ذلك 12 مليار دولار..

لم ينتبه البرادعي الى ان كل ماذكره كان معروفا للعرب وللعراقيين، وقد كشفت اجتماعات القمة العربية التي عقدت في القاهرة بعد احتلال العراق للكويت مقدار البغض والضغينة ضد العراق، وكيف تلاعب المال الخليجي بالقرار الذي اتخذ بالسماح للجيوش الغازية باستخدام ارض وسماء وبحور وموارد العرب لهذا الغرض، حتى ان المال السعودي وصل الى موسكو لاسكات صوتها المعارض انذاك، اما القمة الاخرى التي عقدت قبل الاحتلال بايام قليلة في شرم الشيخ والتي كان مؤملا منها ان تقدم مبادرة ما لمنع الغزو ، كشفت الزيف العربي والعمالة والخيانة والجبن والضعف للقادة العرب ولم يخرج منها سوى المهاترات بين بعضهم البعض..

ومهما حاول البرادعي ان يزيل صفة الجاسوسية لصالح اميركا عن عمل الوكالة ، الا انه اضطر لذكر حوادث بعينها كان العراقيون قد نبهوا اليها في حينه، واشار الى صحة ذلك وان بعض المفتشين لم يلتزموا بدورهم كمفتشين محايدين..

لقد تعرض العراق الى مثل هذه الالعاب والافخاخ منذ وقت مبكر، ولعلنا نذكر مسرحية الطفلة نيرة التي بكت دما ودمعا على قصة حاضنات الاطفال الخدج التي سرقها الجنود العراقيون في صبيحة احتلال الكويت كما ادعت، ثم تبين بعد ذلك ان نيرة ابنة السفير الكويتي ومقيمة في واشنطن..

مع كل ذلك فان البرادعي ربما كان امينا بنقل وقائع لقاءاته مع المسؤولين الفنيين والعلماء العراقيين اثناء تلك المرحلة، وعن تعاونهم التام مع الوكالة في كل ما يتعلق بالتفتيش الذي شمل كل الاماكن التي يعتقد باحتمال احتوائها لاسلحة نووية بما فيها قصور الرئاسة التي مثلت حينها اهانة كبيرة لكرامة ومشاعر العراقيين شعبا وحكومة..

وقبل البرادعي كان توني بلير رئيس وزراء بريطانيا فترة الاحتلال قد اعترف بخطأ غزو العراق لعدم توفر ادلة كافية عن امتلاكه اسلحة نووية وان المعلومات الاستخبارية كانت واهية ومختلقة، وقد سبق توني بلير والبرادعي ايضا كبير المفتشين -الجاسوس الاميركي- الذي اختلق مشاكل كثيرة اثناء قيامه بالتفتيش ( ديفيد كاي) الذي اعترف اثناء جلسات الكونغرس بعد الاحتلال بايام بان العراق لم يكن يمتلك اسلحة نووية، فما هي دوافع البرادعي ليصرف كل هذا الوقت والجهد ليقول لنا ان جهوده لم تلق اهتماما لدى الغرب لاقناعهم بعدم امتلاك العراق للاسلحة؟.. واين حقيقة تلك الجهود؟..

لقد واجه البرادعي اثناء وبعد تداعيات الاحداث في مصر، وخاصة في الايام الاخيرة لحكم الاخوان ومحمد مرسي عاصفة قوية من الرفض لدى الشارع المصري الذي حمله مسؤولية كبيرة عن احتلال وتدمير العراق، ومازال كبير المفتشين الدوليين في الوكالة الدولية الدكتور يوسف ابو شادي وهو مصري ايضا يتهم البرادعي شخصيا بانه زور وتلاعب بالتقارير الفنية التي كانت تعدها الوكالة عن سير التفتيش في العراق لصالح السي اي ايه، وان دوره السياسي في مصر دورا مشبوها وغير موثوق..

اعتراف البرادعي اذن ليس سوى ذر الرماد في العيون، ولم يعد يجدي نفعا، اذ ان ارواح الضحايا التي قدرها في كتابه بالمليون شهيد خلال غزو العراق عدا المعاقين والارامل واليتامى، ومن ثم ارواح الضحايا في كل دول العرب التي ساقتها الاقدار للدمار والخراب بعد احتلال العراق، ستظل تلاحقه وتقظ مضجعه وسيبقى اسمه شاخصا الى جانب كل اولئك الذين تسببوا بكل هذه الماسي، كاعتى مجرمي الحروب والجرائم ضد الانسانية، وستصرخ اصواتهم بوجهه: اذهب بكتابك هذا اينما تذهب، اعترف واعتذر كيفما تشاء، ولكن لن تتمكن من غسل عار الجبن والخيانة والعهر الذي انغمست فيه..

المقال السابق((المرأة تسكن شغاف القلب))
المقال التالىالصعود على الاكتاف
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد