القيم الجمالية للفنون التشكيلية في أفلام الفن المصرية


 
اللوحة للفنان محمد ناجي
اللوحة للفنان محمد ناجي

في مجال السينما التسجيلية ، تبرز “أفلام الفن” Art Films كأحد أشكالها المتميزة ، وفي مصر ، شهد عام 1957 ، وهو فيلم “المثال مختار” من إخراج “ولي الدين سامح” ، ، وتبعه في نفس العام ، المخرج “أحمد عطية” بفيلم “الفنان ناجي” ، ثم توالي منذ تاريخه ، إنتاج هذه النوعية من الأفلام. وقد ارتضي الباحث بمصطلح “أفلام الفن” Art Films ، الذي ورد في معجم “الفن السينمائي” لأحمد كامل مرسي ومجدي وهبة ، الذي ؟إلي أنها “تلك الأفلام التي تتناول الفنون التشكيلية ، بالتحليل والدراسة ، وعرض حياة الفنانين ، مع تقدين نماذج من أعمالهم”.

وقد دفع اهتمام الباحث بالسينما التسجيلية ، وماتملكه من إمكانات هائلة للتأثير علي المتلقي ، إلي تأمل ما تتميز به “أفلام الفن” ، من خصوصية تثير الكثير من الجدل ، عند تقييمها ، وما تثيره من مناقشات بين الفنانين التشكيليين من ناحية ، وبين صناع هذه الأفلام من ناحية أخري … الأمر الذي يطرح التساؤل عن واقع “القيم الجمالية للأعمال التشكيلية ، قبل وبعد نقلها سينمائيا ، ومن هنا تولد لدي الباحث الإحساس بأن ثمة مشكلة ، لذا فالأمر يتطلب ، دراسة إيجابيات وسلبيات عرض الأعمال التشكيلية (النحت والتصوير) ، علي شاشة السينما.

وتبدو أهمية هذه الدراسة من خلال التعرف علي أساليب تصوير السينما لأعمال الفنون التشكيلية ، واستخلاص أهم نتائجها ، التي يمكن أن تمثل منطلقات ومقاييس يهتدي بها ، لعمل مثل هذه النوعية من الأفلام. وتهدف الدراسة إلي تحليل نماذج من “أفلام الفن” المصرية ، ومن ثم تقييمها ؛ وصولا إلي استنباط كل من: الإيجابيات والسلبيات في هذه الأفلام ، مع العلم بأن ساحة البحث السينمائي في مصر ، لم تشهد دراسة متكاملة تعني بنوعية هذه الأفلام. ، باستثناء بعض الدراسات التي تعرضت بشكل أو بأخر لهذا النوع من السينما ، لكن هذه الدراسات ــ بالتأكيد ــ لاترقي إلي مرتبة الدراسات المتكاملة.

وقد تم اختيار ستة من “أفلام الفن” ، كنماذج تطبيقية ، ثلاثة منها خاصة بفن النحت (“مصر في وجدان فنان” حول المثال محمود مختار ،

“لمحات من أعمال جمال السجيني”

وفيلم “تنويعات علي الخشب” حول الفنان صبري ناشد 

وثلاثة أفلام خاصة بفن التصوير “الفنان محمود سعيد”

“الفنان محمد ناجي” 

وفيلم “راغب عياد”

وفقا لـ “المنهج التحليلي التطبيقي الجمالي”. وبناء عليه فقد تطلبت الدراسة ، تقسيمها إلي ثلاثة أطر: الإطار المنهجي ، الإطار النظري (الفصل الأول ويتضمن استعراض القيم الجمالية لأعمال الفن التشكيلي ، وجماليات فن السينما) ، وأخيرا الإطار التطبيقي (الفصل الثاني ويشمل تحليل ثلاثة من أفلام فن التصوير ، ومثلها من أفلام فن النحت). وتنتهي الدراسة لاستنباط نتائجها ، ومن ثم مقترحات الباحث.

وفي نهاية البحث ، توصل الباحث لاستنباط النتائج التالية:
1- إن هناك ظاهرة عامة تشي بافتقار معظم صناع “أفلام الفن” إلي الاستعداد الواجب ، عند التصدي لمثل هذه النوعية من الأفلام ، سواء فيما يتعلق بمدي الثقافة التشكيلية ، أو إجراء الدراسات المتعمقة عن الأعمال التشكيلية موضوع كل فيلم ، قبل التصدي لتنفيذه ، وبالتالي أدي هذا إلي ضعف الإحساس بما تحمله هذه الأعمال من قيم جمالية وتشكيلية ، مما يترتب عليه فقدان المتلقي نفسه للإحساس بهذه القيم ، كما ينبغي.
2- جاءت الرؤية السينمائية لغالبية الأعمال التشكيلية ، التي عرضتها أفلام الدراسة بشكل تقريري شابه السطحية ؛ إذ لم يخرج إطار هذه الرؤية عن كونها نقلا” بالسينما لهذه الأعمال ، والتي فقدت معها الكثير من القيم الجمالية الكامنة فيها.
3- إتسمت مادة التعليق ــ في معظم الأفلام ــ بعدم مراعاة واضعوها للمستويات الثقافية المتباينة لجمهور المشاهدين ، وافتقارها إلي القوة التعبيرية المؤثرة ، التي تشرح المعروضات ، وتفسر الأعمال ، بالشكل الذي يبرز للمتلقيي القيم الجمالية لها.
4- عدم توفيق عنصر التوليف (المونتاج) ، وتوظيفه بالصورة التي تمكن المشاهد ، من الوقوف والتأمل أمام الأعمال التشكيلية ، المعروضة سينمائيا ، والكشف عما تزخر به هذه الأعمال ، من قيم جمالية وتشكيلية متميزة.
5- تميزت بعض هذه النوعية من الأفلام ، بتصويرها لمراحل الخلق والإبداع عند الفنان التشكيلي ، وكذا تصوير العالم الخاص به ، وهذه الجوانب تنفرد بإبرازها السينما وحدها ، وهذه سمة أخري للسينما ، تسهم بها في التعريف الكامل بفنانينا التشكيليين ، فيما يتعلق بأعمالهم وعوالمهم.
6- أهملت ــ بعض الأفلام ــ تناول أبرز جوانب الإبداع لبعض الفنانين التشكيليين النحاتين ، وخلطت في تصويرها لأعمال الفنان بين العديد من جوانب إبداعه ، (نحت مجسم ، ونحت بارز ، وتصوير ، وخزف … إلخ) ، وبالتالي ضاعت أبرز ما تميز به هذا الفنان ، وعرف به واشتهر وسط الآخرين ، علي الرغم من تنوع إبداعاته وخاماته.

ومن مجمل ما تقدم عرضه من نتائج ، وما قد يترتب علي هذه النتائج من آثار ، يمكن للباحث أن يقترح بعض المقترحات التي فرضت نفسها ــ بشكل طبيعي ــ عقب سياق بحث مشكلة هذه الدراسة .. هذه المقترحات ، نجملها فيما يلي:
1- تنمية الحس التشكيلي لدي مخرجي وفنيي “أفلام الفن” ، أو ممن يعتزمون العمل في هذا النوع الخاص من السينما ، وذلك عن طريق دراسة جماليات الفنون التشكيلية المختلفة ، لخلق الإحساس عندهم بالقيم الجمالية والتشكيلية لهذه الفنون.
2- الإهتمام بعنصر التعليق في الفيلم ، من حيث ملائمة مادته العلمية ، لمستويات المتلقين الثقافية المتباينة ، وتركيب هذا التعليق ، فنيا علي الفيلم ، بالشكل الذي يتفق مع الصورة المعروضة ، منعا للإلتباس والتشتيت الذهني للمشاهد ، والناجم عن التناقض بين مايقال ، وبين ما يعرض علي الشاشة في اللحظة الآنية.
3- ضرورة التلاحم بين السينمائيين والتشكيليين (مبدعين ونقاد) ، ووالتعاون والتنسيق فيما بينهم ، لإيجاد أنسب الصيغ لفيلم الفن ، لنخرج به إلي آفاق تحقق له المزيد من المصداقية والعمق الفني ، ولنبعد به عن مستوي الرؤية التقليدية الساذجة ، أو المسطحة ، التي تتوه معها القيم الجمالية للأعمال المعروضة من خلاله.
4- تشجيع لإنتاج المزيد من هذه النوعية من الأفلام ، بالشكل الذي يواكب الحركة التشكيلية المتطورة ، في مصر ، علي يد العديد من فنانينا التشكيليين. ويفضل أن يتم هذا الإنتاج أثناء حياة هؤلاء الفنانين ، لاستيفاء جوانب الفيلم كافة ، وخاصة ما يتعلق منها بإبراز مرحلة الإبداع عند الفنان ، وكذا الوقوف علي مراحل تطوره الفني.
5- دراسة الأعمال التشكيلية ، المزمع إبرازها في الفيلم ، دراسة جادة بالاستعانة بالناقد التشكيلي ، لاستكشاف ماتحويه هذه الأعمال من قيم جمالية وتشكيلية ، وذلك من قبل مخرج الفيلم وفنييه (المصور ، المونتير ، واضع موسيقاه … إلخ) ، حتي لا يبعد العمل السينمائي الناتج ، عن الوقوف علي هذه القيم.
6- إذ لم يتوافر وجود المؤلف الموسيقي المتخصص لهذه النوعية من من “أفلام الفن” ، فعلي الأقل يجب الاهتمام ــ من قبل واضع هذه الموسيقي ــ بحسن الاختيار ، بما يتفق مع الأعمال المعروضة علي الشاشة ، وماتحمله من قيم جمالية.
7- ضرورة إهتمام الدولة بعمل أرشيف للسينما المصرية ، يمكن الرجوع إليه من قبل الباحثين ، والمهتمين بالسينما ، وذلك بتوفير نسخ الأفلام بحالة صالحة للعرض السينمائي ، وكذا إنشاء مكتبة تتبع الأرشيف ، تحوي كافة المراجع والدوريات والدراسات والأبحاث ، التي أنجزت في مجال السينما ، إضافة لمصادر الثقافة العامة.

ويذيل الباحث دراسته ، بثبت المراجع والمصادر ، التي استعان بها ، لإنجاز هذا البحث ، ثم بملخص لسيرته الذاتية ، ومنها هذه السطور:

* المؤهلات والدرجات العلمية:
1- بكالوريوس طب وجراحة الحيوان من جامعة القاهرة 1975م
2- دبلوم دراسات العليا في “الصحة العامة” من جامعة الإسكندرية 1984م
3- دبلوم الدراسات العليا (المعهد العالي للنقد الفني أكاديمية الفنون) 1986 م
4- ماجستير النقد السينمائي / بتقدير امتياز (أكاديمية الفنون) 1996م
5- دكتوراه الفلسفة في النقد الفني (تخصص النقد السينمائي) بمرتبة الشرف الأولي المعهد العالي للنقد الفني / أكاديمية الفنون 2017م

* النشاط والأعمال:
1- عضو “نقابة المهن السينمائية” ، شعبة سيناريو / رقم العضوية 3607
2- عضو “جمعية نقاد السينما المصريين” منذ عام 1986م
3- عضو “جمعية السينمائيين التسجيليين المصرية” منذ عام 1992م
4- عضو “الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما” رقم 154
5- عضو “جمعية الفيلم” رقم 97
6- مؤسس وعضو مجلس إدارة “جمعية بيت السينما ” يوليو 2012م

لا تعليقات

اترك رد