صحوة أم استعراض

 

سيلتئم ببيت الرّواية بمدينة الثّقافة بتونس العاصمة الملتقى الثّاني للرّواية العربيّة، و ذلك أيّام 7.8.9 مارس 2019. اختار الرّوائي و النّاقد التّونسي كمال الرّياحي، مدير بيت الرّواية، و اللّجنة العاملة معه على اختيار ” قضايا البشرة السّوداء”، عنوانا للملتقى. تحت العنوان الكبير وضعت اللّجنة عنوانا أصغر هو ” تسريد العبوديّة و تسريد العنصريّة و مقاربات التّحرر” بالاعتماد على رواية البشير خريّف الموسومة ببرق اللّيل.

يقتحم بيت الرّواية مساءلة شديدة التّعقيد في تونس، و في العالم العربي الاسلامي بعامّة. و هي خطوة تذكر فتشكر. و لكنّا تدفع، و بشدّة الى طرح جملة من وجهات النّظر التي تتقاطع و تتشابك، لتكشف على كمّ لا بأس به من الارتباك في التّعامل مع القضايا الحارقة، التي ظلّت عالقة على مدى قرون من الزّمن.

فهل هي الصّحوة أخيرا أم هو الاستعراض؟

أن يختار بيت الرّواية عنوانا كهذا يحيل على صعوبة التّعاطي مع المسألة. هل نتحدث فعلا عن “قضايا البشرة السوداء” و على أي أساس؟ يبدو العنوان و كأنّه يناقش قضيّة “جلديّة” ليس أكثر، بينما المراد أبعد من ذلك بكثير. و هنا يأتي العنوان الصّغير لينتشل العنوان الكبير من الارتباك و التّيه، فيخصّص المسألة، و يحيل المتلقّي على التّجربة الأدبيّة أو السّرديّة بشكل أخصّ، التي تناولت العنصريّة و العبوديّة و مقاربات التّحرّر.

أما الصّورة الاشهاريّة للملتقى، فقد اعتمدت على غلاف رواية “برق اللّيل” للبشير خريّف. غلاف تظهر فيه شخصيّة “برق الليل” كصورة نموذجيّة للأسود في المخيال الادبي و الذّاكرة الثّقافيّة العربيّة، حاملا قرطه و قبعته و ثوبه القصير قافزا على السّطوح، و هي تفاصيل لصيقة بتاريخ العبوديّة في المجتمع التّونسي و العربي الاسلامي على وجه العموم. و رغم أنّ برق اللّيل تعتبر من أولى الرّوايات التي منحت الأسود وجودا تخييليّا/سرديا إلاّ أنّ معظم النّقاد الذين تناولوها لم يتعرضوا إلى هذا الجانب من الشّخصية بل اشتد اهتمامهم بالجانب السّياسي التّونسي في فترة أواخر القرن العاشر. و إهمال هذا الجانب من الرّواية هو بمثابة تهميش صفحة من تاريخ العبوديّة و الحضور الأسود في تونس، و من المهمّ أنّ هذه الملاحظة بالذّات ليست اتّهاما للرّواية و إنّما هي محاولة تسليط الضوء على مهمّة النّقد في التّعامل مع الأثر.

إنّ الارتباك في اختيار غلاف و عنوان يتماشى و القضيّة المطروحة يشكّل بذاته ملمحا من ملامح التّعاطي التّقريبي مع قضيّة تخرج بشكل محتشم من ظلّ الطّابو إلى نفاق النّقاش و تتعدّاه لتبيان ضّبابيّة التّموضع من مثل هذه القضايا.

و رغم كون الملتقى يسلّط الضوء على أهمية الطّرح إلاّ أنه يكشف أيضا على تقاطع النّشاط الأدبي و الثّقافي مع خطابات تقف من القضيّة موقف التّجارة بمشاغل المجتمع. فيرى البعض أنّ في إثارتها تمكين لفئة ظلّت على مدى طويل قيد التّهميش، في حين ترى جهات أخرى أنّ الوقت غير مناسب اليوم بالذّات لتقليب دفاتر منسيّة ليست بالضّرورة من أولويّات المرحلة. و هذه التّحديّات تضع ملتقى الرّواية في مفترق طرق بين التّسخير السّياسي و الايديولوجي و بين الهمّ الإنساني الأكثر التصاقا بماهيّة الأدب.

جدير بالذّكر أنّ هذا الموضوع و بشكله المطروح في عنوان الملتقى يضعنا أمام سؤال جديد: أيّ زنوجة نقصد؟

إنّ تعريب مصطلح la négritude ، ب قضايا البشرة السّوداء، يجعل التّعاطي مع القضيّة نوعا من الفولكلور الذي تفرضه التّجاذبات السياسيّة، و يدخل بتونس إلى أروقة تسييس القضايا و تطويع الأدب تماما كما يفعل الغرب الذي يلعب دائما على أوتار الأقليّات أو القوميّة و غيرها لنفخ صناديق الاقتراع باهتمامات مناسباتيّة ليس أكثر.

فلأدب الزّنوجة كما للأدب النّسوي المطروح اليوم بشدّة في الكتابة العربيّة وجهان متناقضان. الوجه الأوّل قائم بالضّرورة على الوعي بأهميّة الطّرح، و بالتّالي ضمان استقطاب عدد لابأس به من المهتمّين على اختلاف ميولتاهم و مشاربهم، و أمّا الوجه الثّاني فهو “العطيّة” التي يجود بها الأدب الأبيض على الأدب الأسود، تماما كما العطيّة التي يقوم بها الرّجل على المرأة حين يتناول قضاياها و يأمرها بالصّمت و العرفان دون أن يسعى استيعاب تعبيرها هي عن شواغلها.

يعتبر الطّيب صالح في راويته موسم الهجرة الى الشّمال أب أدب الزّنوجة العربي لأنه يكتب بلسان عربي، و يطرح مسألة تموضع الافريقي/العربي/المستعمَر في عالم اوروبي أبيض مستعمِر. يلتقي في ذلك بالطّرح الذي يطرحه سانغور. لكن الزّنوجة كما يطرحها ايميه سيزار و هو رائدها قبل سانغور هي زنوجة مغايرة تماما، لأنها تبحث في تموضع الأسود في مجتمع أبيض ضمن إطار جغرافي هو الوطن و ليس العالم . و هو الطّرح الأقرب إلى ما يقدمه المثقّفون السّود و ممثلو بعض الجمعيّات في المجتمع التونسي مثلا و الأسماء هنا كثيرة أذكر منها على وجه الخصوص الأستاذ الجامعي و المؤرخ صالح الطرابلسي.

لكن الملتقى أبى إلاّ أن يغيِّب التّونسي الأسود في ممارسة لا واعية للعنصريّة مرة أخرى. و هكذا نستخلص أنّ النّسخة التي يروم الملتقى تمريرها هي نسخة غربيّة من أدب الزّنوجة الباحث في تموضع المستعمَر في عالم مستعمِر و هو ما يفسّر الارتباك في العنونة خاصّة و أنّ المدوّنة السّرديّة العربيّة فقيرة في هذا الشأن نظرا لغياب أصوات روائيّة عربيّة سوداء في مجتمع عربيّ أبيض خلا بعض التّجارب في الجزائر و المغرب و هذا يشكّل بحدّ ذاته مبحثا كبيرا.

إنّ المتأمّل في المشهد العربي و الإسلامي يلاحظ تخبّط المساءلات و انحسارها في حقل واحد وحيد تقريبا. حقل يختصّ بهوس تقديم صورة ” مشرقة” للواقع. يقدّمها الإعلام و المؤسّسات الرّسميّة كصورة يسودها التّسامح و التّصالح و الوئام، وتكاد تنعدم فيها كلّ أنواع الصّراع و التّجاذب. و حين يقع طرح مسألة العنصريّة على أساس اللّون تطلّ هذه الصّورة المشرقة على المتلقّي من جديد. فتتدفّق الأجوبة و المقولات الجاهزة على شاكلة حقائق لا يسمح الخطاب الرّسمي بالطّعن فيها مطلقا. و من ذلك القول مثلا أن ” الدّين بريء من العنصريّة، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، لا يوجد عنصريّة، العنصريّة موجودة عند حالات شاذّة ، تونس ليست عنصريّة…”.؟

تسعى تونس إلى صيانة صورة لها مشرقة في مجال الحقوق و الحريّات على صعيد العالم العربي و الإسلامي، و هي حقيقة لا ينكرها التّاريخ. ذلك أنّها كانت سبّاقة الى إلغاء الرّقّ منذ 1846 ، ثم المصادقة على اتّفاقيّة حقوق الإنسان و حديثا جدّا قانون تجريم العنصريّة 2018 و ها هي تسبق العالم العربي في تنظيم ملتقى أدبي بحجم ملتقى الرّواية يهتمّ بقضيّة الزّنوجة كبديل أعتمدُه للعنوان الذي اختارته لجنة الملتقى، و الذي لا يؤدي المهمّة بنظري. و لكنّها تتعثّر في خطاها، و تعجز تقريبا على تمثّل العنصريّة حقيقة و ممارسة واعية أو لا واعية على حدّ السّواء. ممارسة تخرج بالعنصريّة من عنف التّاريخ و اللّغة إلى عنف المؤسّسات. ففي تونس التي ألغت الرّقّ منذ قرن و نصف تقريبا تحافظ بعدُ على قاموس لغويّ عنيف جدّا في تعاملها مع الأسود، و تقصيه من المناصب المهمّة و خاصة منها المعتمدة على ” الصّورة ” كالحقائب الوزاريّة، السّفراء، السّياسة بشكل عام، الوظيفة في مؤسّسة التلفزة الوطنية و خاصّة لتقديم نشرات الإخبار…

لا تعليقات

اترك رد