نحن والحرب الأمريكية الإيرانية

 

إذا كانت منطقتنا التي تعارفنا أن نسميها الشرق الأوسط تغلي بالأحداث الكبيرة التي تهدد السلام العالمي وقد تكون لا سامح الله سببا لإشعال فتيل حرب كبيرة فان ذلك بسب محاولات فرض السيطرة على ارض ومياه المنطقة على السواء وإخضاع دول المنطقة وشعوبها التي تعتبر إن الحفاظ على ثرواتها حقها الطبيعي ويجب الانتفاع منه واستثماره وحمايته من الدول الكبيرة خصوصا الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر نفسها (كذبا وزورا) الراعي الأول للسلام العالمي والتي تهيمن على مقدرات شعوب الأرض وتواجدها هنا كواحد من أهم أسباب التوتر في المنطقة التي انشقت على نفسها كنتاج طبيعي بين الرفض والقبول وكأساس للخلاف العرقي والمذهبي في بعض جوانب الدين في الظاهر والذي يخالف الأسباب والدوافع الحقيقة التي تسعى الدول العظمى لتكريسه وتنميته لدى الأفراد والجماعات بمختلف الوسائل.

إن من اكبر مشاكلنا في المنطقة طريقة تعامل الغرب مع عقولنا من خلال نظرتهم الفوقية لحكامنا الذين نصبوهم علينا فهم يستخفون في عقولنا كشعوب من خلال امتلاكهم لأسباب القوة رغم معرفتهم بحقيقة إمكانياتنا فيما لو توفرت قيادة حكيمة بعيدا عن هيمنتهم فهمهم الأكبر استعباد الشعوب بكل الوسائل وبأية طريقة وان تبقى قيادة مقدراتنا في أيديهم أي إن نبقى منقادين كشعوب لما يقررونه هم وليس لما نختاره نحن فيما يخصنا فالغرب يأمر الحكام وما يسري عليهم يجب أن تطيعه شعوب المنطقة بالقوة أو حتى لو كان بالتمظهر بالاقتناع وعدم الممانعة.

ذروة غليان المنطقة الحالية تنبع من تواجد عصابات داعش في المنطقة وتنامي قدراتها القتالية وقابليتهم على التغلغل في المدن والتعاطي مع الناس وإيجاد حواضن لهم أو على الأقل نشر مراكز استشعار استخباراتية لخدمتهم وربما استطاعت النفاذ والتغلغل داخل أجهزة الدول بل وحتى الأمنية منها فمركز قوتهم في غرب العراق وشمال سوريا تحديدا مع تواجد بنسب مختلفة في أماكن أخرى لأسباب لا تبتعد كثيرا عن بعضها وهذا الوضع لا يحتاج إلى محلل سياسي وذكاء خارق ليعرف الإنسان إن هذه العصابات صنيعة قوى مخابراتية لأهداف معينة وان هناك من يتعاون معها على السواء من دول المنطقة خصوصا ومن القوى العالمية ببساطة إذا عرفنا أنها تسرق نفط العراق وسوريا وتبيعه ومن يشتريه هو المنتفع والمغذي والداعم لها ونفهم أنها عصابات وجدت لتكون جاهزة عند الطلب تنفذ ما تؤمر به.

في الفترة الأخيرة تعالت أصوات تشترك في صنع القرار لإخراج القوات الأمريكية من العراق على اعتبار إن الغاية من وجودها قد انتفت بعد تحرير الأراضي العراقية من دنس احتلالها وفي المقابل أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية بإصرار أنها ستركز من تواجد قواتها في العراق وقد نفذت هذا الكلام بعد أن سحبتها من سوريا إلى قواعدها في العراق وطلبت من الحكومة العراقية قتال داعش أينما تجدها حتى وان كانت داخل الأراضي السورية في نفس الوقت الذي شددت من حصارها على جمهورية إيران الإسلامية بعد أن انسحبت من اتفاقية تطوير إيران لقدراتها النووية وهذا الموضوع بلا شك مترابط لان إمكانيات القوات الأمنية العراقية غير قادرة لوحدها على مقاومة عمليات عصابات داعش الإرهابية لا لضعف في إمكانيات رجالها أو عقيدتهم أو كفاءتهم القتالية ولكن هناك أياد خفية تعمل على تكتيفها والحد من قدراتها إضافة إلى ضعف التسليح وخصوصا في المجال الجوي الذي لازالت تمسك به القوات الأمريكية وتحتفظ به لنفسها وهو يلعب دور مهما في حسم نتائج القتال ناهيك عن الخسائر البشرية.

بعبارة أخرى كما يبدو للمتابع على اعتبار حسن النية والضن إن أمريكا على خلاف مع إيران وهذا في أسوء حالاته لا يرقى إلى الاشتباك العسكري وهو ما سنتطرق إليه لاحقا والخلاف جعل من احد وسائل الضغط عليها اللجوء إلى تحجيم تأثير الحشد الشعبي المقدس في حماية الأراضي العراقية والذي تعتبره أمريكا امتداد لإيران لما تقدم له من دعم في التسليح والخبرات والتدريب وفي المقابل إن اغلب الكتل السياسية العراقية على معرفة تامة بهذا الأسلوب وغاياته ولا توافق على أن تكون الأراضي العراقية منطلقا لتحجيم دور إيران في المنطقة فدعت إلى مغادرة القوات الأمريكية للأراضي العراقية وهذا ما لا يمكن تحقيقه فأمريكا التي قدمت في العراق الكثير من التضحيات البشرية والمادية لا يمكن أن تتخلى عنه بهذه البساطة مهما كلفها هذا الموقف من ثمن لذلك وضعت لها كهدف إضعاف القدرات الأمنية العراقية مع التركيز على الحشد الشعبي الذي يعتبر وفق القانون العراقي كما اقره البرلمان في دورته السابقة جزء من المنظمة العسكرية العراقية ولا يمكن حله أو التخلي عنه بسهولة لذلك عادت إلى استنساخ تجربة عصابات داعش خصوصا بعد التفجيرات الأخيرة في عدد من المدن العراقية وراحت تتحدث عن خطورة ما سيحصل في القريب لتهيئة الشارع العراقي لقبول تواجدها ورفض قرار البرلمان إن صدر بإخراجها.

الولايات المتحدة الأمريكية على طول تاريخها لا تلجأ إلى الحرب المباشرة إلا بعد أن تضمن حسم المعركة لصالحها فتقدم الحرب الإعلامية أولا لتهيئة الرأي العام العالمي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص لتقبل ما سيحصل ثم تلجأ إلى الجانب الاقتصادي لشل قدرات خصمها وتتعبه وتعمل على إثارة الشعب في دولة الخصم ليكون عاملا بديلا عنها في إسقاط حكومته وإذا فشلت في كل ذلك تلجأ إلى الحرب الباردة كخيار بديل مع إسناد للقوى المعارضة للنظام الخصم وأخيرا إذا كان لابد من استخدام السلاح ترجع إليه وفي الحالة الإيرانية فاكبر الاحتمالات أن تسمح لإسرائيل بضرب أهداف إيرانية منتخبة تخدم كل الأطراف .

الولايات المتحدة الأمريكية وفي المنظور القريب لن تدخل في حرب مع إيران لأنها تدرك أنها في وضعها الحالي ليست كما في أفغانستان ولا كما في العراق ولن تتمكن من إسقاط نظام الحكم فيها بطريقة الاحتلال المباشر على الرغم مما يعلنه الرئيس ترامب الذي لا زال يعاني من معارضة الكونغرس في العديد من المواقف كما هو الحال في الجدار الكونكريتي مع المكسيك أو فشل وسائله في الضغط على كوريا لتحجيم سلاحها النووي كما انه يدرك تماما انه لن يحصل على التأييد الدولي لتحقيق الشرعية ولن ينجح في جمع تحالف جديد خصوصا بعد أن عارضت الدول الأوربية ومعها الصين وروسيا فرض الحصار على إيران بينما هو الآن بأمس الحاجة لتحقيق نصر يعود عليه بتقوية موقفه داخل أمريكا وسيعمل على تحقيقه بغير الأساليب التقليدية المعروفة .

أما نحن في العراق فواجبنا الوطني يحتم على الحكومة البحث عن مصالح شعبها أيضا كما تفعل كل الدول الحرة وهذا من الصعب جدا تحقيقه حاليا لقوة تأثير أطراف النزاع على الكيانات التي تشارك في الحكومة .

لا تعليقات

اترك رد