اللعب مع الطبيعة في اعمال سلوى حجر

 

يعد العالم الخارجي بكل تمظهراته وحيثياته المفصل الرئيس في تشكيل سطوح تصويرية تتمتع برؤية جمالية لها كيان خاص بذاته ، وتعد الطبيعة المجال الاكثر شوقا في تشييد جماليات متعددة من خلال ما تبثه من عناصر لونية متعددة ، اذ ان اشتغالات الفنان الانطباعي الحداثي جاء بفعل التطور الذي حصل في الفن ، اذ كان في عصر النهضة ينشد حيثيات الانسجام والتوافق التام عبر النسق والنظام الملتزم وفق سلطة ذلك العصر سواء أكان دنيوياً او دينياً ، لذا كان الفنان ملتزماً بكل القواعد الكلاسيكية انذاك.

ان الفنان الحداثي اخذ يفعل من دور الفكر والعلم ليكون كلاهما البؤرة المركزية في تشييد نتاجات فنية تتوزع فيها الرؤية الجمالية بين الذات من جهة والموضوع من جهة اخرى .. ان الانطباعية التي كانت بداية التأسيس لتطور الفن عبر المنظومة اللونية التي اكد عليها فناني الانطباعية والتي جاءت بفعل النظريات العلمية كـ(شيفرول ونيوتن) ، اذ تؤكد على الجانب الفيزيائي للضوء واللون وما جاء به (الموشور) من عناصر لونية اصبحت الكيان الرئيس في رسم سطوح تصويرية تعتمد على الظل والضوء .. ان الفنانة (سلوى حجر) منحت ذاتها القدرة على تشييد جماليات تعبيرية تنساق وفق عناصر انطباعية ، فكانت الطبيعة الملهم الاول للفنانة ، اذ اخذت منها الجوانب الظاهراتية وهي بشكل واخر تعطي النفاذ الى باطنها ، الامر الذي جعل (سلوى حجر) تفعّل من رؤيتها التعبيرية وتجعل من منظومتها العقلية تتجاوز البعد الذاتي وممارسة الاتجاه الموضوعي ؛ بوصفه الجزء الجمالي الذي يستمتع به المتلقي ..

ان (سلوى حجر) الفنانة ذات الانفتاح الواعي بالمعرفة والثقافة الفنية تجعل من نتاجاتها تاخذ الجانب الحداثي ، بالرغم من المعاصرة التي ابتعدت عنها ، فهي لا تحاكي ما ورائيات الوجود او ميتافيزيقيا العالم الطبيعي ، انما تبحث عن الجمال في عالم حسي ومرئي واضح المعالم .. وهذا جعل منها ترتقي بحرفية عالية لتوثيق جمال فني يمتزج مع الجمال الطبيعي ..
لقد تمكنت الفنانة (سلوى) في قدرتها على تشييد منظومة تكوينية انشائية فوق السطح التصويري ، فهي الى جانب قدرتها الحرفية في رسم مشاهد الطبيعة ، نلحظ انها تمكنت من توزيع عناصر تلك الطبيعة بشكل محاكاتي جمالي ، بغية الوصول الى الهدف والغاية الرئيس التي تنشدها ممثلة باصدار رؤية جمالية اشبه بجمالية الطبيعة ؛ باعتبار ان النتاج الفني وفق (المحاكاة البسيطة) يعد ترديد حرفي لموضوعات التجربة ، اذ يكون النتاج الفني مطابقاً للانموذج الاصلي في الواقع ، ومعيار الحكم الجمالي يكون في مدى مطابقته للواقع .. ولما كانت الطبيعة وظواهرها والوجود الخارجي وحيثياته مفعم بتفصيلات متعددة ، نجد ان الفنانة (سلوى حجر) لا تترك اية جزء مفصلي منها، انها تحاول الوصول الى رسم واقعية مفرطة .. وهذا يتحقق بفعل ممارساتها الكثيفة في محاولة لتنفيذ الجزئيات الدقيقة في ظواهر العالم الخارجي ؛ باعتبار ان الواقع يعد الحاضنة الكبرى لمختلف العناصر الخطية واللونية والشكلية .. والفنانة تلاعبت بتلك العناصر سيما اللونية منها لبث رؤيتها الجمالية ، الامر الذي جعل الفنانة تقوم بتجسيد مشاهد مختلفة من الازمنة والامكنة .. لذا يعد الزمكان المفصل الاخر الذي تحاول الفنانة التنسيق به مع فضاء السطح التصويري .. وهنا نجد في اعمالها الشتاء بالوانه الباردة وحرارة الصيف الممتزجة بحرارة اللون ..

وما بين هذا وذاك اعطت الفنانة رؤى جمالية الى المتلقي كي يستمتع بذائقته ويعيش اجواء حقيقية تجعله لا ينفصل عن عالم الطبيعة .. انها الرؤية المباشرة التي تؤكد عليها الانطباعية والتي لا تبتعد عنها الفنانة في تشييد نتاجاتها التشكيلية ، بل وتؤكد على الانفعال بجمال الشكل الطبيعي ، اذ مَن لا ينفعل بجماليات الشكل الاصلي اشبه بالاصم في قاعة الموسيقى ؛ بوصفه عاجز عن ادراك القيم المميزة للشكل الجميل .. ان المشاهد التي تنجزها الفنانة ترتبط بفلسفة وجودية تؤكد الاهتمام بالعالم الخارجي ؛ باعتباره العالم المادي الوظيفي الذي يقدم خدمة نفعية الى جانب وظيفته الجمالية ، فالجمال ملازم للشعور الانساني ويراد به الادراك الحسي للاشياء ، وتعد الذائقة الملكة المركزية لتذوق الجمال وانتاجه تتفاعل في تكوينه عوامل متعددة (لغوية واجتماعية وفكرية ونفسية وتربوية وغيرها) .

لقد اهتمت الفنانة بالمشاهد المتغيرة زمانياً ومكانياً ؛ باعتبارها لا ترى في الطبيعة سوى التغيرات التي تحصل بفعل تحولات الزمن ، وهنا تمكنت الفنانة من رصد وتصوير مشاهد صورية تبدو جمالية في لحظة اقتناصها .. وهذا ما يجعل الفنانة الى جانب لغتها البصرية الادراكية هناك رؤية تشكيلية ارسطية تعمل على تجسيد الجانب الروحي للمظاهر المرئية .. فضلا عن التشكيل اللوني للفنان (كلود مونيه) من خلال رؤيته للاشياء في الطبيعة ،اذ توصل الى ما اسماه (الانية) ، أي اللحظة التي يقتنص بها الفنان المشهد ويحاول الامساك به وتنفيذه ..

لذا امست نتاجات الفنانة (سلوى حجر) لا تخرج عن مكنونات الجمال لعالم الطبيعة وما تحتضنه من تشخيصات على مستوى التبدل والتغير الذي يحدث عبر تغيرات اللون وبفعل الضوء الساقط على الاجسام .. ان الطبيعة باسرها تعد تشكيل جمالي تثير الاعجاب والدهشة وتتفاعل مع الروح ، هكذا هي نتاجات الفنانة تجعل من المتلقي يتفاعل معها بدهشة ويتنافذ معها بروح الجمال والكمال ..

المقال السابقتحقيق هوية مستقلة متفردة: التعلم من درس ديبوا
المقال التالىالنّعيم حديث قلب لقلب
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد