العراق : الأمن صناعة سياسية قبل كُلَّ شيء !!

 
العراق : الأمن صناعة سياسية قبل كُلَّ شيء !! للكاتب د. محمد القريشي #العراق

لم تمض أشهر على سقوط النظام السابق عام ٢٠٠٣ م حتى تصاعدت نسب العنف في العراق لتصبح سمة مميزة للحياة اليومية منذ ذلك التاريخ !!! وعلى الرغم من تكرار الاختراقات الأمنية وارتفاع نسب الضحايا والخسائر الملحقة لم يتغير نهج المعالجات المتسمة بالسطحية ( إجراءات بدائية وقطع شوارع وغيرها ) والتعالي على مصالح المواطنين وامنهم ( تعزيز أمن الشريحة السياسية على حساب أمن المواطنين والمجاهرة بذلك ) !!!!

كثرت إذن الاّراء حول “أمن أفضل” او “أمن اخر” ، تناول قسم منها الجانب الفني البحت وتناول القسم الاخر الجانب السياسي ولاقح قسم مختلف بين الجانبين .
الشيء المميز لكثير من المعالجات المقترحة او المنفذة ، انها تفترض وجود دولة بمؤسسات وتعاني هذه المؤسسات ( ومنها الأمنية ) خلل يتطلب الإصلاح ولكن الحقيقة ان الدولة الجديدة التي بدا تشكيلها بعد ٢٠٠٣ ما زالت طور التشكيل الخاطئ منذ انطلاقتها ولا تمتلك مؤسساتها المختلفة كيان المؤسسات المستقيمة المعروفة التي تقبل الإصلاح .

دولة العراق الجديد بنيت على تصفيات الحسابات الطائفية والقومية بدل العدالة الانتقالية والبناء المتصاعد للسلام الاجتماعي بعد عقود من التمايز والعنف الممنهج ! وهي دولة بنيت على أساس تاكيد الهويات الفرعية ووضعها في خنادق متقابلة وصولا الى الاحتراب الطائفي عام ٢٠٠٦ لتلد تلك الهويات فيما بعد جيلا اخر من الهويات الفرعية ” المكوناتية” واضعة المجتمع العراقي على حافة حروب “مكوناتية” على غرار ما شهدته الساحة السياسية العراقية مؤخراً من توتر (شيعي شيعي ) بعد اقتحام المنطقة الخضراء من قبل اتباع التيار الصدري .

واستنادا الى ذلك فان اي علاج أمني لواقع العراق لا يجب ان يغفل جذور المشكلة السياسية التي ولدت مع ولادة التجربة العراقية المشوهة عام ٢٠٠٣ وهي تجربة شقت طريقها بين ثنايا عمر العراقيين منذ ذلك الوقت وحصدت من أنفسهم ما تشيب له الرؤوس ويكثر حوله النحيب وتشق بسببه الثياب لتثبت :

١ افتقاد العملية السياسية بوضعها الحالي لقابلية صنع المنجزات الوطنية.
٢ افتقاد العملية السياسية لقابلية صنع القيادات النوعية المصطفة حول عناوين مشتركة.
٣ قابلية العملية السياسية على انتاج الكوارث التي تتصاعد خطورتها مع تجذر العملية السياسية .

مظاهر فشل العملية السياسية واضحة ويعيشها العرقي كل يوم ومنها :
-افتقاد الدولة لاحتكار العنف وانتشار النزاعات الطائفية والسياسية والقبلية
وانكماش المكونات نحو نفسها او نحو قوى إقليمية
-احتلال جزء كبير وحيوي من البلد
-الأزمة الاقتصادية الخانقة
-ضعف الأمن الداخلي
-وغيرها

لابد إذن من العودة الى إصلاح الأسس الأولية التي بنيت عليها العملية السياسية ومنها :
اعادة النظر بالعثرات الدستورية ( اي بالدستور ).
اعادة النظر بالشريحة السياسية بعد هذه التجارب المريرة والأجماع العالمي والاقليمي والوطني على فشلها .
بناء عدالة انتقالية أساسية وفق قواعد المواطنة بعيدا عن العواطف والثارات وإجراء مصالحات حقيقية في المناطق المختلطة قوميا ومذهبيا وخصوصا في المناطق التي تعرضت لغزو عصابات داعش.

السؤال الجوهري : من يقوم بكل ذلك امام هذا المشهد من الانسداد السياسي وعجز النخبة السياسية الحاكمة من قبول “التداولية ” او الاعتراف بالاخطاء والاعتذار والانسحاب ؟

هناك عدة احتمالات :
ان يسير البلد وفق نهج تناسل الأجيال السياسية الفاشلة وتناسل الكوارث وصولا الى تقطيع الأوصال بشكل لا عودة عنه .
ان يحدث “هيجان شعبي كبير” يزيح الأُطر الحالية ويضع البلد على ميزان قلق متأرجح بين نهج جديد وشريحة سياسية جديدة ومسيرة مختلفة واعتراف دولي مشروط بالنتائج او فوضى متزايدة وتدخلات خارجية ( إيرانية – سعودية – أميركية – تركية ).
ان يتم تعليق العمل بالدستور حسب توافق ( إقليمي – دولي) وإعلان حالة الطوارئ لفترة انتقالية والمباشرة باصلاح ما افسده الماضي القريب وهناك بوادر ضغط أميركي برهن التعاون اللوجستي العسكري مع العراق بهذا الخيار !!!
ان يغامر احد الأطراف السياسية ليعجل في ادخال البلد بحرب أهلية مجهولة الافاق .

واستنادا الى قاعدة “ما بني على باطل فهو باطل” فإننا لا ننتظر من المنظومة السياسية الحالية المبنية على المحاصصة وانعدام المهنية والخلو من الخطط الاستراتيجية والمنجزات والمشحونة بعقد الماضي وفقدان الثقة بالاخر ، لا ننتظر منها الأخذ بالاستشارات ومنها الأمنية ( لانها لم تقم بذلك منذ عام ٢٠٠٣) بل ننتظر ونأمل اعادة البناء “على أسس جديدة يشارك بصنعها الجميع بلا عقد ووفق قاعدة ما بني على حق يدوم ليديم أمن وسلام المواطنين “!

لا تعليقات

اترك رد