الوحدة الإنسانية ومنظورها الروحاني 3-3


 

وكما مرّ ذكره فإننا الآن في المرحلة الأخيرة من فترة مراهقتنا الجماعية، لذلك لا غرابة في أن نشاهد تصاعداً كبيراً في تمجيد الوطنية لدرجة التطرف المدمِّر والتعصب العرقي المهلك لأن هذه كلها إنما هي تشنجات الرمق الأخير لمجهودات فئات المجتمع الإنساني المختلفة في سعيها نحو تأكيد هويتها. إن ذلك، من منظور السيكولوجية، يُعدّ وجهاً ضرورياً لتطوير المجتمعات الإنسانية (كما هو الحال مع الأفراد أيضاً). فكل مجموعة وطنية وإثنية وكل أجناس العالم يلزمها بعد ذلك أن تشعر أنها متساوية في المحافل الدولية، وأن كلا منها عضو له قيمته في العائلة الإنسانية، وأن الخواص الفريدة التي تتمتع بها كل مجموعة ضرورية لتأسيس حضارة إنسانية دائمة التطور تتوازن فيها الأمور الروحانية والمادية. وحالما تتحرر مختلف الشعوب والأجناس من قبضة المجموعات الأخرى في نفوذها وحكمها، وتأخذ مكانتها في عالم الإنسانية، عندها نكون جميعاً جاهزين لتأسيس مستوى أعلى من الوحدة فيما بيننا، وحدة عالمية تحافظ وتقدّر ذلك الثراء في التنوع والتعدد في مكوّناته وتشجعه وتعمل على تعزيزه. وعندها يرتقي هيكل الإنسانية في النهاية إلى مستواه في تجميع أعضائه لتعمل معاً بغاية التناسق والإنسجام ضمن مقاييس نظام عالمي جديد يحصل فيه الفرد وكل مجموعة وكل أمة على كامل حقوقها وفي تحمُّل مسؤولياتها بالعدل والمساواة. أما الظاهرة الرابعة والأخيرة التي كانت مدمِّرة فتلك التي ذُكرت وتتلخص بظهور الأصولية الدينية. فبالإضافة إلى الجوانب الضارة المؤذية لتطورها ، يجدر بنا لفْتُ الإنتباه إلى الحاجات التالية التي يجب أن تؤخذ بعين الإغتبار: إن الأصولية الدينية التي تُمارس اليوم في بلاد الغرب تركِّز على ضعف الشعوب وتخوّفاتهم، وعلى شعورهم باليأس والقنوط فتعدهم بالشفاء دون ألم، وبالخلاص دون جهد، وبالتنوير دون معرفة، وبالنصر دون تضحية. لا شك أنه تعبير ساذج عن الدين والتديُّن يتلقّونه في مجتمع مادي بحت. فهو الذي يجعل من الدين سلعة للتسويق، ومن العبادة شكلاً من أشكال الإتّجار والمبادلة. وللأصولية الدينية شكل آخر من التعبير عنها يُشاهَد بوضوحٍ أكثر في تلك البقاع من العالم حيث لا تزال الحروب الدينية مشتعلة بضراوة يغذّيها ذلك الإعتقاد بأنهم “المختارون” و”الآخِرون” و”الوحيدون” و”الصفوة”. وعقائد كهذه إنما تقسّم الناس وتفرّقهم وتبرر كل أشكال العنف ودرجاته وتبيح الهدم والتخريب باسم الله. فهدف زعماء هذه الجماعات الأصولية في الشرق والغرب يرمي إلى إبقاء الناس في جهل وفزع. إن تقاربات نحو الدين بهذا الأسلوب لهو مساس صارخ بحقيقته. فهي لم تتسبب في اضطراب نفسي عميق لدى جميع الناس الذين ساروا في ركابه ونبذوا الدين الحقيقي فحسب، بل وبشعورهم العميق بخسارتهم الفادحة وحرمانهم الروحاني. إن نفورهم من الدين راجع إلى التزمت الديني الذي عاشوه وتقاربهم غير المنطقي وغير السليم نحو مسائل روحانية وأخلاقية ودينية.(من سيكولوجية الروحانية)

لا تعليقات

اترك رد