أكرم بكر، عوالم من الدهشة و هندسة الإلتقاط


 

الفنان الحق لا يفكر بالتقليد ، وكذلك لا يفكر بإستعارة عين الكاميرا ، و لا بتحديها في أشد لحظات الإلتقاط دقة ، و إن كان الأولون يتباهون بذلك حين كانت الواقعية طاغية و على نحو أدق الواقعية التسجيلية ، فالعجلة التي كانوا يدورون بها وفيها وحولها كانت من الممكن أن تدفعهم إلى هكذا تفكير .

أقول الفنان الحق لا يفكر بمنافسة الكاميرا لأَنِّي على يقين بأن لكل منهما ( الفنان و الكاميرا ) عدسته التي تختلف عن الآخر و تميزه تماماً ، تميزه في الإلتقاط و هندستها ، و في الإهتداء إلى ما يكتنف تنقلاتها البصرية ، تميزه في إختيار ما يمكن أن يحدد السبل إلى فهم المسافة و إستعاب زوايا الرؤية و معطياتها ، تميزه في البعد اللفظي والشكلي الذي تشتعل فيه العدسة ذاتها ، فما تلتقطه عدسة الفنان لا تلتقطه عدسة الكاميرا و العكس صحيح أيضاً ، فإذا كانت عدسة الكاميرا تركز على الخارج بأدق تفاصيله ، مكتفية بجسد الصورة بوصفها هيكل سقط صدفة في العدسة ،

فإن عدسة الفنان تركز على الداخل بأدق أحاسيسه ، وفق دلالات تتحرك في الداخل كبنية فعلية ، و ما يستهويه الفنان من تحرير العين لتجاوز التأطير و القيود المتمثلة في مختلف معيقات الحالة ، و المسألة عند أكرم بكر فهي جد مختلفة و إلى حد ما تلك الحركات الإنسيابية المتولدة من طاقته التعبيرية ، فهو بداية يبذل جهداً كبيراً في التزاوج بين الخارج و الداخل ، بين عدسته التي يطرحها موازية لعدسة الكاميرا و إن كان في ذلك الكثير من الإعتباطية وما لالزوم له، مع نفس كبير من التحدي لها ، و عدسته الغاصة في الأعماق لبث الروح فيها ، فبمتعة يلتقط من الخارج كل جزيئات الخلق التي ستولد لديه حالات من الكشف و التأمل ، حالات فيها من الخصوبة وهجها و حرارتها و بيادرها ، ستولد لديه لحظات قد تكون غريبة للوهلة الأولى لكن تضعه في مواجهة فضاءاته و هذا ما يبعث فيه زخم من القلق و الخوف اللذين يرافقان الفنان في إنفعالات الولادة و الإبداع ، يبعث فيه لعبة الحياة و شحناتها حين يمنح نسيجه كماً من العلاقات بين أشيائه وفق تسلسل تصوغه عدسته بين الظاهر و الباطن بما يخصص الوضعيات الملتقطة و هي في دهشتها التي تحيلنا بدورها إلى ما يثير المتعة في التركيب الداخلي لفضاءاتنا ،

اللعبة التي يعزف عليها بكر بكثير من الدقة و الحرفية تضعه أمام ما لايمكن إغفاله ، أمام غرابة لا متناهية تعبر هي على نحو ما و بشكل توافقي على ما تتطلع إليها عيناه من إحالات تكاد تشكل عناصر عالمه دون عزل بين الخارج و الداخل ، و بنظرة أخرى أقول إن المعمار الذي يميز بكر عن معمار غيره هو ما يتخلل بين إستخلاصاته البصرية الحسية من خصوصية الأجواء ، و السعي نحو إستلهام ألوان نقية تنبض روحاً على إمتداد الحصول على خمرة معتقة ، هو ما يتخلل بين رؤيته المغايرة و المقتبسة من ذاكرته البصرية ، تلك الذاكرة التي تحمل زخماً من تأثيرات غربية لكن برؤية جديدة ، مع تجنب السقوط في التمثيل المباشر لصياغات مألوفة .

أكرم بكر و بملامح قلقة ، فيها من الطاقة ما يكفيه لينبض نحو الداخل بلهفة التدافع نحو تعمير النفس ، برؤية حالمة فيها يلامس العاطفة الإنسانية و يتحسس حقيقتها ، و بعين ثالثة بها يتجاوز دائرة النمط الوضعي للأشياء ليرسم لاحدودها داخل وحدات إدراكية يمكن تأويلها و إن في ثنايا الأشكال ذاتها و يمكن القول بدرجة تقترب من الضوء يمارس بكر التحديق في الأجواء بكثير من المتابعات البصرية التي سترسم له فيما بعد عوالم من الدهشة و الإنفعالات المكثفة بإيحاءاتها المتداخلة ، فهو المتنقل عبر محور الأشياء من السطوح بأشكالها الصامتة إلى الجذور النابضة في الأعماق لتنفخ فيها الروح بكل أحاسيسه من رؤى و حلم ، من بقع مرئيّة تتحول إلى مسافات بمصير مرتبط بزوايا العمل الفني إلى هجرة اللاوعي في دائرة إكتشافاتها كجزء آخر من الخلق ،

و بلاشك فإن الإتجاه الجديد الذي ينوي بكر السير فيه سيجعل من متلقيه أن يزيد من جرعة التأمل لديه ، فهو يركز و بلغة التصوير في اللوحة على تأثيراته على الأشياء أكثر من تأثير الأشياء عليه ،

و لهذا فألوانه مسافرة كالطيور في السماء و التي لا يمكن الإحاطة بنقائها ولا بحساسية هذا النقاء مهما أفرطنا في الحديث و الإطناب عنها ، إضافة إلى أن مفاهيم الإنتماء إلى القيم الجمالية لديه محاطة بأرضية قوية من التجربة و البحث كحصيلة غنية لتدفقات ينابيعه العذبة التي تجعلنا أن نكون على قناعة بأن تجربة بكر ستثمر أكثر و أجمل و بأثر أساسه الجدية في الصعود وسط هذا الزحام الفني

…… jan Gıno

لا تعليقات

اترك رد