حتى أنت يا بروتوس

 

يوليوس قيصر غني عن التعريف . ومل من أراد التحلي بالمجد والسؤدد أطلق على نفسه لقب قيصر . حتى العقوبات الأمريكية الأخيرة على بلدي سورية سميت حزمة قيصر وكذلك اشتقت من العملية القيصرية ولصق الاسم بأباطرة روسيا حيث اطلق الاسم على روسيا القيصرية ولقب بوريس يلتسين بقيصر روسيا يوم قصف البرلمان بالدبابات وحاليا يطلق ذات الاسم على الرئيس فلاديمير بوتين الذي يلقب حاليا باسم ” قيصر روسيا ” . ارتبط اسم يوليوس قيصر بالعظمة والانتصارات والتوسع والحروب والدكتاتورية والغدر في وقت واحد. وقد تزين اسمه بالدكتاتورية وقتل غدرا في ليلة مظلمة. فما حكايته ؟ وما حكاية روما؟
ظهرت الدكتاتورية لأول مرة في عصر الجمهورية الرومانية والدكتاتور منصب لحاكم يرشحه مجلس الشيوخ ، ويتمتع الحاكم الدكتاتور بسلطات استثنائية وتخضع له الدولة والقوات المسلحة وقوات الأمن والشرطة في أوقات السلم والحرب وتستمر فترة حكمه من ستة أشهر إلى سنة على أبعد تقدير ، وكان هذا الاجراء دستوريا حيث يقود إلى توقف العمل بالدستور مؤقتا ثم يعاد العمل به بعد انتهاء الظرف الطارئ .
يختلف مصطلح الدكتاتور في عصر الرومان عن العصور الحديثة . لقد كان “الدكتاتور” لدى الرومان وظيفة استثنائية يتم اللجوء إليها في حالات معينة قد تتعرض لها الدولة . وقد كانت طبيعة نظام الحكم الروماني موزعة وفقا لما يلي:
قنصلان متساويان في القوة .
مجموعة من الموظفين القادة .
مجلس شيوخ.
ثلاثة مجالس عامة .
وقد نص الدستور الروماني على أنه في حالات الحرب والغزو والكوارث والمؤامرات يتم تعطيل العمل بالدستور وتعيين ” الدكتاتور” قيما على الدولة وقت الأزمات، وتنتهي سلطاته الاستثنائية بانتهاء الأزمة . ثم يقدم كشفا لمجلس الشيوخ والقنصلين عما قام به أثناء توليه الحكم المطلق. ويتم اختيار الدكتاتور من طبقة الأشراف ومن الأمثلة على ذلك يمكن أن نأخذ ثلاثة أمثلة متناقضة للدكتاتور أيام الرومان :
الدكتاتور سنستانس (465 ق م) وهو قائد عسكري بارع ورجل دولة من الطراز الرفيع . عين دكتاتورا عام 458 قزم عندما تعرض الرومان للخطر فترك مزرعته وجمع فرقا من الجيش ، وقام بمساعدة الجيش الروماني النظامي حتى انتصر ثم تقاعد عن العمل. تم ذلك خلال ستة أشهر من القتال. ثم استدعاه مجلس الشيوخ وعينه دكتاتورا مرة أخرى عام 435 ق م فأدى المهمة وعاد إلى مزرعته مرة ثانية .
الدكتاتور سولا (82 ق م ) وهو قائد عسكري بارع . عين دكتاتورا في عام 82 ق م واستمر حكمه عام 79 ق م .
الدكتاتور يوليوس قيصر (46 ق م) وهو قائد عسكري بارع وحاكم مطلق . عين قائدا عسكريا لروما ، ثم اتخذ لنفسه سلطات استثنائية مطلقة مدى الحياة قبل اغتياله بوقت قصير .
يأتي اسم يوليوس قيصر من كلمتين هما يوليو الذي كان يطلق على شهر آب (الشهر الثامن ) في ذلك الوقت . وقيصر الاسم الذي يطلق على من يصير السيد في روما . وفي أوقات لاحقة صار اسمه لقبا ملكيا يطلق على الملوك أو من يحذو حذوهم .
عندما ولد يوليوس قيصر كانت روما تعيش حالة من الفوضى والاضراب السياسي والعسكري فقد كانت روما في حالة حرب شعواء مع قرطاجة المستوطنة الفينيقية السورية وبعد أن اجتاح هانيبعل الأراضي الإيطالية وصولا إلا روما استطاعت روما أن تنتصر في النهاية بتدخل من القدر قاد إلى احتلال الرومان لقرطاجة وتدميرها وتشريد أهلها .
كانت حياة يوليوس قيصر حافلة بالأعمال السياسية والعسكرية فقد عين دكتاتورا عندما كان في عامه الثاني والأربعين وكان بإمرته جيش من عشرين ألف مقاتل واستطاع خلال سبع سنين أن يجتاح بلاد الغال في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وألمانيا. كانت القبائل الغالية أشرس من الرومان وأكثر توحشا ورغم ذلك استطاع أن يحتل مناطق شاسعة من حوض الرين شرقا حتى اسبانيا غربا وشمال أفريقيا جنوبا .
وعند انتهاء الخطر المحيق بروما كان عليه بحكم القانون أن يعيد تسليم السلطة إلى مجلس الشيوخ . لكنه أبى أن يعود لروما ويسلم السلطة خوفا من خصومه السياسيين في مجلس الشيوخ فعاد إلى روما يقود جيشه الجرار وخاض حربا ضروسا مع مجلس الشيوخ استمرت أربع سنين انتهت بانتصاره فدخل روما قائدا مظفرا وحين دخل مجلس الشيوخ الروماني قوبل بالتصفيق وعين دكتاتورا مدى الحياة .
حكم قيصر روما حكما فرديا فقد كان يعتقد نفسه ” المستبد المستنير ” وقد احتقر مجلس الشيوخ لدرجة أنه أرسل في يوم من الأيام تقريرا للمجلس عن حربه في دول البلقان كانت تنص على ثلاث كلمات فقط : ” وصلت . حاربت . انتصرت”
تمادى يوليوس قيصر في تصرفاته فقد عمد على احتقار مجلس الشيوخ الأمر الذي أثار خصومه السياسيين ووضع برنامجا اصلاحيا للإمبراطورية وأعاد توطين المحاربين القدماء وأقام لهم المدن السكنية ووضع برنامجا للإدارة المحلية للبلدات الرومانية وخطط لتوسيع المدن وتطويرها لكنه فشل في ايجاد نظام دستوري للبلاد يرضي الجميع . كان اسمه وقوته وقوة شخصيته هي ما يجمع الامبراطورية حوله. فقد كان يجمع بين الحنكة السياسية والحربية والقوة الروحية الكثير ويمتلك الكثير من المواهب والقدرات فهو الخطيب المفوه والأديب اللامع والسياسي الناجح والقائد المظفر والعبقري الحربي .
بدأ الحسد والتمرد وعدم الرضا يطفو على السطح في روما بسبب تصرفات يوليوس قيصر ولم يطق مجلس الشيوخ البقاء على الهامش فطفا الحقد وبدأت المؤامرات تشرئب برأسها وتجمع المؤيدين والأنصار لدرجة أنها استطاعت أن تستطقب ابنه بالتبني وتضمه إلى التمرد . اتخذ القرار بالفتك بقيصر فقد أيقن الجميع أن موت قيصر هو الحل لكل المشكلات .
في منتصف أذار من عام 44 قبل الميلاد دخل الدكتاتور يوليوس قيصر مجلس الشيوخ ليحضر اجتماعا وفوجىء بالسكاكين ترتفع في وجهه ، ومن الخلف تلقى طعنة قاتلة من بروتوس الذي تبناه طيلة حياته ورباه مثل ابنه …
نظر يوليوس قيصر نحو الخلف وقال عبارته التي ذهبت مثلا في الخيانة بين الناس:
حتى أنت يا بروتوس !
السؤال : هل كان بروتوس على صواب حين طعن أبيه بالتبني من الخلف؟
وهل كان الدكتاتور يوليوس قيصر على حق حين انفرد بالحكم ونشر مجد روما خلال سنوات قليلة في الأفق؟
وهل كان مجلس الشيوخ على حق حين قرر ارتكاب جريمة قتل في مقره بحق يوليوس قيصر ؟
أسئلة محيرة نتركها برسم من يود الإجابة عليها .

لا تعليقات

اترك رد