عن الساخر العظيم لامجد توفيق

 

غالبا مايرى اي كاتب في نتاجات المبدعين الاخرين، اثارة ومنافسة كبيرة لذاته، ومع اننا جميعا قراء وكتاب، نتعلم ما دمنا على قيد الحياة من حروف وتجارب وحكمة بعضنا صغارا ام كبارا، شبابا ام روادا، الا ان الانا غالبا ما تدفع ايا منا خاصة من يمتلك ملكة الكتابة للتصدي للاخر بشيء من العنت، حتى تاتي اللحظة التي يتمكن فيها الجمال من حسم ذلك الصراع، فتختفي تلك الانا المتعالية لتنسجم بهدوء وطمانينة واعجاب وتقدير الى ما يرسم الاخر بريشته المبدعة من عالم ساحر وخيال خصب واسع متعدد المداخل والمخارج يقدمه الى الاخرين كمنتج ابداعي قادر على التاثير وعلى دق ابواب ومدامك العقل والروح واثارة الاسئلة ..
بالنسبة لي هيأت نفسي حين بدات قراءة رواية الساخر العظيم للمبدع أمجد توفيق، كما افعل دائما حين اقرأ عملا ادبيا، لاكون متلقيا فاقدا للانا، كصفحة بيضاء ، لاتسمح ان يخط عليها اي حرف سوى حروف المتعة والجمال، وحين تحضر المتعة تنسجم الاشياء دون حسابات خاصة بما حدث هنا او هناك، فالرواية، اية رواية هي عالم من الخيال حتى وان مست اجواؤها الواقع هنا او هناك، اذ يبقى الخيال هو المساحة الاعظم والاوسع والاكثر حركة وقدرة على التعبير والبناء والتلاعب والتلوين، وبهذا يتخلص الكاتب من سؤال غبي قد يواجهه من قبل اخرين: كيف تقول هذا؟.. او كيف تؤمن بهذا؟..
ولكن الراوي عليه ايضا ان يكون حذرا حين يمزج بين الوهم وبين الحقائق، خاصة ان جاءت تلك الحقائق بتواريخها ووقائعها، وعليه ان يكون حذرا اكثر حين يحول روايته الى كتاب سيرة ذاتية، فمهما حاول التمويه مستندا الى فكرة الوهم والخيال فان البراقع قد تكشف عن المستور هنا وهناك، وبهذا تكون الكلمات التي يخطها مثل قيود تلتصق بمعصميه ليجد بعدئذ من الصعب تماما الافلات من فكرة ان ما أبداه من راي هنا او ملاحظة هناك لا يمثل حقيقة ما يؤمن به.. علينا دائما الخوف من الكلمات..
في النهاية وجدت نفسي محتارا في تصنيف الساخر العظيم، أهي حقا رواية كما كُتِب عليها؟..
شخصيا ارى انها عمل ادبي مختلف، يجمع مشتركات كثيرة بين الرواية والدراما التلفزيونية المؤثرة بعمق والقابلة للتماس مع مشاعر الجمهور، وهي ايضا سيرة ذاتية بدلائل ووقائع كثيرة ومتعددة ومتناثرة هنا وهناك، ثم اخيرا يمكن ان اقول انها ايضا خطاب سياسي مباشر، كل هذا يعني ان الساخر العظيم عمل بلا قيود وبلا حدود ، اشبه بصفحات، خط قلم امجد توفيق عليها ما اشتهى وفق تراتبية الحبكة المحققة للمتعة التامة والمعتمدة على مقاييس الجمال الادبي، تترابط كلها عبر مسارين مختلفين ولكنهما يلتقيان عند نقطة واحدة: كان المسار الاول هو حكاية الجد الايزيدي الذي عاش مسلما والتي وردت عبر مخطوطة عثرت عليها فتاة هاربة من جحيم داعش في الموصل، وهذه الحكاية لوحدها كان يمكن ان تشكل عملا متفردا ومتميزا وممتعا كدراما تلفزيونية، اما المسار الثاني، فهو سيرة الاعلامي سيف الاصيل حفيد الجد الايزيدي المسلم الذي عاش حياتنا الراهنة بكل كوارثها التي توجت بالاحتلال الاميركي ومن ثم احتلال داعش للموصل، واخيرا عملية تحريرها، اما نقطة اللقاء فكانت ان الحفيد سيف الاصيل اعاد كتابة مخطوطته الخاصة المشابهة تماما لسيرة جده الذي لم يعرفه يوما ولم يقرأ مخطوطته مطلقا، ومثلما فعل الجد بترك وصية لقارئها، فالحفيد سيف وضع لنا وصيته عبر مقال سياسي عن السلطة والحقه بالرواية..
اذن علي ان لا انكر ان المتعة التي يجدها القاريء كبيرة وهي متعة قراءة نتاج عراقي ادبي جديد، يجد فيه مزجا خالصا بين السعادة والالم، الاحلام والامال والواقع المرير، النجاح والاخفاق، الفخر والانحطاط، الشرف والفساد، وما بين ذاتيات الناس المهمشين البسطاء، وبين الاعيب الساسة وتجار الجنس الرخيص والعملاء والمأجورين، اشياء كثيرة يجد القاريء نفسه فاعلا فيها احيانا وهامشيا احيانا اخرى غير انه يبقى دائرا في فلك حكاية تصلح لكل يومياتنا ، وكل شخصية في الرواية – بما ان المبدع أمجد توفيق قد تمكن من ترصين بنائها وتنامي حضورها بشكل مدهش ومتوافق ومتزن دون عثرات وطفرات – يجد القاريء انهاتمثله جزئيا ان لم يكن كليا، مع اختلاف النوايا والاحاسيس والمشاعر زمانيا ومكانيا، من منا مثلا يتخلف عن نجدة فتاة هاربة من ملاحقة موت وضيم وقهر داعش الذي ندينه كلنا، من منا لايقف مساندا لكل من يحارب الفساد والمؤامرات والعمالة، ومن منا لايحلم بحضن امرأة من مثل نساء سيف الاصيل، القاريء سيجد نفسه مستمتعا بحكاية تشده بقوة وتحيطه بشباكها، ومع ان الحكاية تمتد لاجيال الا ان رحاها تدور في صباحاتنا..
يمكن الحديث مطولا وطويلا عن الرواية وهي ايضا رواية طويلة تقع في 668 صفحة، ولكن ارى ان الحديث عن القيم الاساسية التي تقدمها قد يجدي نفعا أكثر بما اننا دائما لانريد ان نبتعد عن مرض السياسة، خاصة وان الرواية تقحمنا بشدة في هذا العالم من خلال سرد وقائع احتلال الموصل وتحريرها او من خلال شخصية سيف الاصيل الذي تعامل مع السياسيين بعناد الموقف الشريف ازاء التخرصات والمؤامرات والفساد ، واصر في النهاية على ان يلحق مقالا سياسيا للرواية تحدث فيه عن السلطة واهوائها وغوايتها..
شخصيات ايزيدية- مسيحية- كردية -عربية – مسلمة، شكلت اوتاد الخيمة، ان تكون ايا منها لايغير من شكلها بتاتا، بمعنى ان نسيجنا الاجتماعي بكل ما فيه هو جذوة هذا الوجود الذي اعتدنا عليه وعلى كل خيره وشره، ان ياتمن الايزيدي المسلم والمسيحي الايزيدي والكردي العربي وبالعكس قيمة كبيرة في مجتمع اعتاد على المحبة والتعاون والانسجام لقرون خلت، وفي كل عثرة يكون الشر والكوارث جامعة لامفرقة، ورغم الاهوال تبقى الجذوة تحت رماد المحبة والالفة والتاريخ والمصير المشترك..
مالذي استجد اذن في عالم تتعالى فيه صرخات الاطفال والارامل والمرضى وكبار السن والمعوزين؟..
يمكن ان يكون المقال الذي ربط في نهاية الرواية جوابا فلسفيا وواقعيا الى حد ما، عن ذلك التساؤل، رغم ان الرواية باحداثها المتعلقة بشخصية سيف الاصيل قد اجابت عن ذلك، ولكن الراوي اصر على ان يقدم صورة اخرى بالمقال، من وجهة نظري الشخصية اعتقد انه كان ملحقا لاغير، لم يقدم شيئا لبناء الرواية داخليا، ولكنه قدم لنا امجد توفيق كشخصية متمكنة من فهم السياسة وعالم السلطة، واراه اراد ان يقدم خلاصة ما يؤمن به وما افترض انه حكمته التي اكتسبها عبر سنين طويلة وتجارب كثيرة متعددة ومختلفة فيها الغث والسمين، وصية كوصية الجد الاصيل، نقطة التماهي بين الخلف والسلف..
مرة اخرى علي ان اسجل ملاحظتين هنا: حاول المبدع امجد توفيق التمويه على سيرته الذاتية الا انه قدم الدلائل تلو الدلائل على ان ما كتبه يمثل سيرته الخالصة، اما الملاحظة الاخرى فان الرواية احتوت الكثير من المشاهد التلفزيونية، واعتقد ان هذا العمل لو كتب له ان يتحول الى مسلسل درامي فانه سيحقق نجاحا منقطع النظير اذا ما توفرت له الادوات المناسبة..
الساخر العظيم- الزمن الذي عاشه اجدادنا والذي نعيشه اليوم وسيعيشه الاحفاد بعدنا – بكل التفاهة والسفاهة المتحققة سيستمر في سخريته منا وبنا، ذلك ان حياتنا بوعي منا او بجهل ليست سوى صراع مستمر ومتواصل ومتأصل منذ بدء الخليقة بين الخير والشر، ومهما نحاول ان نؤمن ان للباطل جولة فان التجارب والحقائق تقول لنا ان للباطل جولات، وان للباطل مناصرون، هذا ان لم اكن قد فهمت السبب الحقيقي لربط المقال عن السلطة في نهاية الرواية، اذ ان السلطة هي مصدر الشرور والطمع والفساد والمؤامرات، وببقائها كواحدة من دعائم الكيانات الاجتماعية يعني بقاء الساخر العظيم عظيما، والسلطة بالتاكيد باقية على جميع اشكالها ولن تزول..

لا تعليقات

اترك رد