السعادة

 

في احد ايام العطلة الصيفية عندما كنت لا ازال طالبة في المرحلة الاعدادية استبدل والدي مكتبته القديمة الصغيرة بمكتبة اكبر تتسع لخزينه الهائل من الكتب، وكانت مهمتي حينها هي فرز الروايات عن المجلات عن كتب السياسة وغيرها ، ولان اغلب الكتب كانت قديمة ومهترئة فقد اُنتزعت اغلفة بعضها و ضاعت الصفحات الاولى للبعض الآخر ما اجبرني على فحص العناوين والاغلفة لُاعيد لكل ذي حق حقه ثم وضع الشريط اللاصق لضمان احتفاظ كل كتاب بهويته .. واثناء انهماكي في العمل وقعت عيني على كلمة (السعادة) ، كانت عنوانا لمقال من مجموعة مقالات تَبيّن لي بعد قرائتها ان علي الطنطاوي رحمه الله هو من كتبها وجمعها في كتاب لم اعرف له عنوانا الى يومنا هذا لضياع الغلاف ، اذكر ان العنوان قد اغراني كثيرا فافترشت الارض بين اكوام المجلات المبعثرة وصناديق الكتب متجاهلة الفوضى من حولي منغمسة في القراءة وقد ابهرتني القصص القصيرة التي ذكرها المؤلف في معرض حديثه عن السعادة ومن بين هذه القصص كانت قصة الفيلسوف الالماني “إيمانويل كانْت” اذ كان يتذمر ويشكو دائما من تشتت ذهنه وضعف تركيزه بسبب ديك جيرانه الذي لا يتوقف عن الصياح، حتى ضاق به ذرعا وأمر خادمه ان يشتريه ويذبحه ثم يشويه ليستريح منه ، وفعلا ذهب الخادم فجر اليوم التالي الى بيت الجار امتثالا لأمر سيده ، وفي هذه الاثناء دعا الفيلسوف صديقه ليشاركه الاحتفال بالغداء ، واخذ يحدثه بسعادة عن انتهاء معاناته مع الديك وكيف انه استفاق هذا اليوم بكامل نشاطه واستطاع ان يكتب افكاره بهدوء وتركيز بعد ان تخلص من صياحه المزعج ، وبينما هو مستمر في حديثه مع الضيف دخل خادمه بديك مشوي معتذرا عن تاخر الغداء لان الجيران قد رفضوا بيع ديكهم فاضطر لان يشتري آخر من سوق المدينة البعيد! عندها فقط تنبّه الفيلسوف الى ان ديك الجيران كان لا يزال يصيح ويبدو انه لم يتوقف ولو للحظة واحدة منذ ساعات الفجر الاولى ! لقد كان الصوت موجود في عقل الفيلسوف وليس في اذنه ، بدليل انه لمجرد التفكير بأنه تخلص من الضوضاء لم يسمع شيئا ولم ينتبه للصياح المستمر ! هذه القصة تتكرر في حياة كل واحد منا في كل يوم تقريبا .. فالدِيَكة موجودة في كل مكان ككل الامور المزعجة الاخرى التي لا نهاية لها ، و اذا قُدر لها ان تنتهي سيظهر غيرها في الحال وستُفرض عليك شئت ام ابيت ،ان الطريقة الوحيدة للتخلص مما يؤرقك هي ان تتجاهل وجوده وحسب ، ان لا تنظر الى اشعة الشمس مباشرة حفاظا على بصرك ، او على الاقل اغمض عينيك بدل ان تقف منتظرا قوافل السُحب لتحجبها عنك .

المقال السابقنعم أحببتك
المقال التالىالحزن وحده لايكفي
المؤهلات العلمية المؤهل الدراسي : بكلوريس _علوم حاسبات الجامعة : جامعة الانبار اللغات والمهارات • اللغة العربية (لغة الأم) • اللغة الانجليزية الخبرات المهنية وظيفة سابقة (1) : مدرسة سابقا لمادة الحاسوب المؤهلات الشخصية • هواية القراءة وكتابة المقالات • حاصلة على شهادة IELTS س....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. Avatar بدور العبيدي

    مبروك الى الكاتبة الشابة علياء طارق أولى مقالاتها على هذا الموقع الموقر مع امنياتي لها بدوام الاستمرار وا تسلك طريقاً ناجحاً لها في خط الكتابة والمعرفة.
    استمتعت بقراءة مقالك
    وأتمنى لك الاستمرار بشكل متواصل.

    مع فائق الود..
    بدور العبيدي

اترك رد