سباق التسلح وأزمة الحضارة المعاصرة .. قراءة في فكر مالك بن نبي


 

خلال الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن العشرين ، تسابقت دول المنظومة الاشتراكية ( حلف وارسو ) بزعامة الاتحاد السوفيتي سابقا ومعه رومانيا وألمانيا الشرقية وبولندا وغيرها ؛ في صنع الأسلحة النووية .

وقد رصد كثيرون كيف بالغ الاتحاد السوفيتي في التسلح بأسلحة نووية وبيولوجية كافية لتدمير أمريكا وأوروبا أربع مرات في الوقت الذي كانت الشعوب تعاني فيه من شظف العيش والبؤس والفقر ، حتى أنهم كانوا يجبرون العجائز على كسح الجليد بحجة أن الكل يجب عليه العمل مقابل طعامه وكسوته .

والغريب أن الزعيم السوفيتي السابق “خروشوف ” أجبر على الاستقالة من منصبه لأنه رأى أهمية تخفيض النفقات العسكرية ، وتوجيهها لخدمة الإنسان ، وقال لهم بالحرف الواحد : إن مرة واحدة للتدمير كافية ، بدلا من مرات عدة .

وكان هذا سببا في السقوط المدوي للاتحاد السوفيتي عام 1990م ، ثم انفراط عقد المنظومة الاشتراكية كلها ، عندما وجد المواطن نفسه ضائعا وسط شعارات لم تحقق له طعاما ولا مالا ولا أمانا ، فقط ترسانات نووية.

*****

إن الإنسانية في حاجة إلى بوصلة حضارية صحيحة، تجعل الإنسان ورفاهيته وسعادته وأمنه ؛ هو الغاية وليس التقاتل من أجل أرض أو هيمنة أو نفوذ .

*****

وفي هذا يشير المفكر الجزائري الشهير ” مالك بن نبي ” في فهمه للحضارة ، إلى أهمية قراءتها من وجهة نظر علم الإنسان ، فالحضارة تتحدد من بعد وظيفي فهي كما يذكر في كتابه القضايا الكبرى : “مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدّم لكل فرد من أفراده ، وفي كل طور من أطوار وجوده ، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية في هذا الطور أو ذاك من مراحل وجوده، فالمدرسة والمعمل والمستشفى وشبكة المواصلات والأمن في جميع صورة عبر سائر تراب القطر ، واحترام شخصية الفرد، تمثّل جميعها أشكالا مختلفة للمساعدة التي يقدر المجتمع المتحضر على تقديمها للفرد الذي ينتمي إليه” .

وعندما نتأمل هذا التعريف الوظيفي للحضارة الذي طرحه ” بن نبي” نجد أنه يتجه مباشرة إلى الذات الإنسانية ، للفرد المواطن المقيم على أرض وطنه، فوظيفة الحضارة تقديم كل ما يحتاج إليه في مختلف مراحل عمره، من الطفولة ، ومرورا بالشباب والكهولة ثم الشيخوخة ، وهذه الخدمات لا تقف عند درجة معينة من عطاء الفرد ، وإنما تشمل رعاية الفرد في كل أحواله ، وطيلة عمره ، والسهر على راحته أينما كان .

إن مفهوم الحضارة المتقدم ، يتلاقى مع جوهر علم المقاصد في الإسلام ، والمتثل في الكليات الخمس، وإن كانت الأخيرة ترتفع عليه وتتجاوزه لما هو أشمل وأعمق وأرقى ، فوجوه اتفاقها مع تعريف ” ابن نبي ” بادٍ في التركيز على حفظ مصالح الفرد وضمان أمنه وقوته وحياته ودينه وذريته ، وأن هذا واجب الدولة والقائمين عليها، وواجب أي حضارة، فلا معنى لتقدم مجتمع ما والإنسان فيه مقهور لا يجد قوته ولا يأمن على نفسه وعرضه وأولاده وماله، ولا قيمة لدولة تأخذ من قوت شعبها وترهبه وتمتصه، وتذهب خيراتها ومواردها للمبالغة في التسلّح ، وفرض الهيمنة.

فهي تركّز على الحفاظ على أهم ما يفيد المرء في حياته الدنيوية : ( حفظ النفس ، النسل، المال ، العقل ) وهذه الأمور هي ما تشغل الإنسان ، وتجعله مهموما أو سعيدا ، وهي نصاب سعيه في الحياة ، فالإنسان طامح إلى أن يعيش مطمئنا على بدنه / نفسه من القتل أو الجرح أو الضرب دون حق ، ويشمل أيضا العيش في أمان دون خوف أو تهديد، كذلك الحفاظ على ثمرة كدّه وعمله وهو ماله وممتلكاته، دون تهديد بسرقة أو اغتصاب أو نهب أو مصادرة ؛ والحفاظ على ذريته التي أنعم الله به عليها ، وتعب في تربيتها ، وهي ستعينه في شيخوخته ( النسل ) ؛ والحفاظ على ( عقله ) وهو مناط التكليف في الشريعة، وبه يسيّر الإنسان شؤون حياته كلها.

كذلك ما يفيده في حياته الأخروية وهو الأهم ( حفظ الدين ) ، فالدين في نظر الإسلام مفتاح السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة ، وحفظُ المسلم دينه يتأتى من الأمان على عقيدته وأدائه عباداته ، دون فتنة له أو ارتداد أو إكراه ، ومن حفظ دينه ساعده على حماية الكليات الأربع السابقة ، فالدين يدفع صاحبه لحماية بدنه من الخمر والأمراض ، وحماية ماله وزيادته ليعيش في عزة وسعة رزق ، وحماية عقله من المخدرات ، وحماية أولاده بمباشرته المسؤولية عنهم ورعايتهم.

كما أن حفظ النفس والعقل والمال والنسل سبيل لحفظ الدين ، فالبدن السليم يعين المسلم على العبادة ، وفي المال زكوات وصدقات ونماء للمجتمع ، والعقل مناط التكليف في الشريعة ، فلا تكليف لمن به جنون أو فقدان للعقل . وهكذا تتحدد مهام تطبيق الشريعة في تحقيق كلياتها وإنفاذ مقاصدها ، التي تلزم صاحب الولاية العامة أن يحققها للفرد .

وقد أكّد ” بن نبي ” في طيات مفهومه للحضارة على أهمية ضرورة وجود آليات وشبكات لخدمة الفرد في مناحي حياته ، وهذا أمر لا خلاف عليه، إلا أن منظومة المقاصد في الإسلام تضيف لهذه القاعدة ؛ لأنها تمتاز برقابة عليا يلقيها الله تعالى في قلوب عباده المؤمنين ، تُوجب عليهم تقوى الله في أعمالهم ، لأنهم يعلمون أن مراقبة الله لهم في كل لحظة وحين،مما يلزمهم مراعاة حدود الله.

وإذا كانت هذه الكليات تتجه مباشرة إلى الفرد ، فهذا ليس معناه إغفال الجماعة، فـ ” ابن نبي ” يتخذ من حصول الفرد على حقوقه مقياسا للحضارة في الوطن، ونفس الأمر مع كليات الشريعة ، ذلك لأن الفرد أساس الجماعة ، والفرد الصالح السعيد الحائز على حقوقه ؛ سبيلٌ للجماعة السعيدة ، وهذا يدفعه للقيام بواجباته العينية ، وأيضا الكفائية ، تحت رعاية الجماعة الوطنية .

لا تعليقات

اترك رد