بوتفليقة إلى أن تنتهي الخليقة

 

لا أجد للدهشة المرسومة اليوم على أفواه الجميع بسبب اصرار الرئيس الجزائري بوتفليقة على ترشيح نفسه للرئاسة للمرة الألف أي معنى أو مبرر؛ لأن الأمر فعلاً لا يستحق منا الدهشة أو الاستغراب؛ فلم يسبق أن شهدنا حاكماً عربياً قد اكتفى بولاية أو ولاتين للرئاسة كما نشهده في الدول الأخرى؛ فمنذ بدء الخليقة والحكّام العرب يتشبثون بالعرش وكأن مؤخراتهم ملتصقة بمسامات العرش، والسابقون السابقون واللاحقون من الحكام جميعم يعتنق عقيدة الخلود التي قد توارثوها عن جدهم الأول فرعون؛ فلا مناص ولا انفكاك منهم سواء كان حكمهم ملكياً أو جمهورياً فالأمر سيان بالنسبة لهم والخلود لهم ولابناءهم وأحفادهم.

فما هو الغريب لو تمسك الرئيس الجزائري بعرشه المتحرك حتى وإن لم يكن هو الحاكم الفعلي للبلاد ولا يحل ولا يربط يكفيه من الأمر أن تظل صوره معلقة على واجهات الدوائر الحكومية والمطارات وفي كل ركن وزاوية ليطمئن بأنه الخالد إلى أبد الآبدين.

* فلو بقيّ صدام حسين على قيد الحياة هل سيترك العرش من تلقاء نفسه؟
* ولولا الثورة التي حدثت في مصر هل سيتخلى حسني مبارك عن الحكم طواعية؟
* وكذلك القذافي ورئيس تونس الأسبق وعلى الصالح هل تنازلوا عن العرش برحابة صدر وطيب خاطر؟

في مصر تم تعديل الدستور وأصبح من حق الرئيس السيسي أن يجدد فترة رئاسته على هواه وبمزاجه، وفي سوريا فترة الرئاسة مفتوحة الأمد، وجميعنا يعرف حق المعرفة بأن الانتخابات العربية هي عملية استغباء للعقول وصناديق الانتخابات شكليات لا قيمة لها وتخلو من المصداقية والنزاهة.

وفي المملكة العربية السعودية تم تنحية العم ولي العهد والمتسلسل شرعياً ليحل محله ابن أخيه الأصغر من خلال تعديلات في القوانين الملكية وقد جاء هذا التعديل على مقاس ومزاج ابن الأخ الأصغر وهذا هو الحال في كل البلاد العربية.

لقد كُتب على الأبصار العربية اللون الواحد، والطعم الواحد، والفكر الواحد؛ وعليها أن تألف وجوه حكامها وأن تنطبع ملامحهم في العقل الباطن والذاكرة وعليهم أن يتأقلموا على تلك الملامح إلى أن تقوم القيامة؛ فالحاكم العربي يتشبث بالعرش حتى لو صار العرش كفنه وسر مقتله؛ وبوتفليقة كغيره من الحكام العرب يحلم بالخلود والأبدية وإن كان بالرمق الأخير على مقعد متحرك.

مصر ألفت وجه مبارك لأكثر من ثلاثين عاماً وعليها أن تألف وجه السيسي إلى ما شاء الله من الزمن، وهذا الحال ينطبق على جميع البلاد العربية في سوريا والسعودية والجزائر وتونس ما عدا البلاد التي ما يزال فيها النزاع قائماً على انتخاب الرئيس الخالد المخلد.

تمنيت أن أسمع لمرة واحدة عن حاكم عربي شعر بالملل والضجر من الحكم وتنحى لغيره دون ثورة ودون مجازر شعبية ودون شلالات من الدم.

صليت في ظهر الغيب أرجو الله وأتوسل السماء لعلني أرى حالة التجدد وتجديد الدماء في عروق أي بلد عربي بعيداً عن التوارث والدوران في الحلقات المفرغة والأفكار المكررة والدماء ذاتها

وجوه الحكام هي نفسها لا تتغير والدم العتيق نفسه يدور في جسد البلد. نفسها الايدولوجيات والأفكار ونفسها الشعارات والخطابات ونفسها صناديق الاقتراع تغيب لسنوات لتظهر من جديد بنفس المشهد وبنفس السيناريو والمونتاج والإخراج العربي وأفلام الانتخابات كلها تخلو من لقطة أو مشهد مبتكر وجديد.

والأمر لا يقتصر على رئاسة الدولة فقط، فالمشهد يحدث ويتكرر في الوزارات والدوائر الحكومية الأخرى؛ فالوزارة يتوارثها أبناء وأقارب الوزراء والنكهة ذاتها في جميع الدوائر وقطاعات الدولة يذهب حمد فيأتي ابن حمد يخرج ابن حمد فيجلس ابن ابن حمد ومن عباس إلى دباس ومن دباس إلى عباس وهكذا نحن ندور في حلقة مملة ورتيبة.

آلية التعليم بائسة وشاحبة لا تتغير شكلاً ولا مضموناً والمناهج التعليية هي ذاتها؛ لأن وزارة التربية لم يتغير طاقمها القديم.

يتكلمون عن خطط لإتاحة فرص العمل للشباب؛ لكننا لو تجولنا في كل الدوائر الحكومية وحتى القطاعات الخاصة لن نجد سوى كبار السن والمتهالكين على شاكلة بوتفيلقة بينما الشباب تجده في المقاهي وعلى عتبات البيوت في الأسواق وعلى مواقع التواصل لكي يسرف الوقت الفارغ من بعد تخرجه من الجامعة فهو عاطل عن العمل لا يجد أدنى فرصة. وإن اتاحوا للشباب فرص عمل حتماً ستكون من نصيب أبناء كبار الموظفين والساسة والتي تتم بنظام التوارث وفكرة الخلود.

كل مظاهرة شعبية في أي بلد عربي سوف تتحول إلى حالة شغب وفوضى، وكل ثورة ضد الظلم سوف يقلبها الرأي العام إلى ثرثرة وكل كلام نتفوه به لن يكون أكثر من فقاعة صابون وأخيراً لا يصح إلا الصحيح والصحيح في قاموس الحكام العرب هو أن السلطة والعرش إما أن يتم التمسك بها حتى الرمق الأخير من دماء شعوبها، وإما أن يتم توريثها للابناء من بعدهم ودون ذلك هو محض ثرثرة وغباء لا أكثر؛ ولتضرب الشعوب العربية رأسها بألف جدار.

المقال السابق(( لا، لن أُنْسَى..!))
المقال التالىدولة الريع عدو دولة المواطنة
الشاعر السوري لؤي طه، الذي يراوغ رؤاه في كل مرة، ويبحث عن شتات الإنسانية وولع الذات التي تكون حاضرة في أشياؤه وأشياء الآخر. ليس هذا فحسب إنما يسمح لعاطفته أن تقوده إلى كتابة مالا يكتبه الآخر في أمكنة تستنطق الكلمات لتوقظ مساحة البوح. الشاعر لؤي طه، سوري الجنسية من مواليد 1970 يعتبر أن القصيدة توأمة....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد