غياب العقلانية النقدية في العقل العربي

 

تعيش المجتمعات والشعوب العربية حاضرها بشكل متخلف متطرف أحادي المعرفة والتعليم والتوجيه. وبحسب الباحث الدكتور عادل دشيله، فإن “المجتمعات العربية اليوم تعاني من التخلف الإجتماعي والصناعي والعلمي والثقافي والفكري والأخطر من ذلك هو التخلف النفسي، والذي هو أسلوب في الحياة، فالحركات التقليدية ساعدت في انتشار ظاهرة الخرافات والخزعبلات والفتاوى الدينية غير الموفقة التي تحد من تفكير الإنسان العربي. لذلك، بقي الإنسان العربي حبيسا لأفكار لا تمت إلى الواقع بصلة، مما جعله متخلف نفسيًا وفكريًا”.

ومرد ذلك لعوامل متعددة منها غياب حركة النهوض السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري منذ انتهاء عصر النهضة العربية. ومنها بقاء أنماط الثقافة الجامدة، ومنها استمرار مفاهيم الوصاية والنقل والخوف من التغيير، ومنها تأكيد د.مصطفى حجازي في كتابه “التخلف الاجتماعي وسيكولوجية الإنسان المقهور: مشكلة المجتمعات العربية”، بأن سياسة التعليم، وعلاقات التسلط هما لب تخلف العقلية في العالم العربي.

فلماذا بقيت مجتمعاتنا العربية والإسلامية عصية على التغيير والتجديد ومنافسة الدول المتقدمة، خصوصا وأن هذا السؤال الجوهري لا يعتبر وليد اللحظة بل هو قديم وظهر بشكل جلي بعد حملة نابليون على مصر وبعد أن استفاق العرب على واقعهم المتخلف وابتعادهم عن التطور والتقدم الذي صنعته الحداثة الغربية بينما ظلوا هم في سبات عميق لمدة قرون. فعند هذه اللحظة التاريخية والمفصلية ترددت في الأصداء دعوات تدعو الي التفكر والتدبر فيما آل اليه حال العرب والمسلمين بعد برنامج الابتعاث الذي قدمه محمد علي مؤسس مصر الحديثة الي بريطانيا وفرنسا. وقد تعددت الأجابات حول أسباب تخلف مجتمعاتنا. إلا أن مفهوم الإصلاح الديني أو تجديد الخطاب الديني، كأحد

الأسباب التى يتم مناقشتها بشكل جاد وتعقد المؤتمرات من أجلها كما حدث مؤخرا في الإمارات العربية المتحدة اثناء زيارة البابا فرانسيس التاريخية الي أبوظبي وحضوره مؤتمر حوار الأديان مع شيخ الأزهر أحمد الطيب، ظل حاضرا في المشهد الديني والسياسي والفكري العربي لكونه يعكس اللحظة الآنية الواقعين بها نتاج انتشار تيارات الإسلام السياسي ومنها الراديكالية التي قدمت صورة مرعبة للدولة الإسلامية المتخيلة وهي تمثل باعتقادهم واستنادهم على القرآن وسيرة النبي محمد، شكل الدولة التى أسسها النبي محمد وأصحابه.

إن تناول موضوع الإصلاح الديني أو تجديد الخطاب الإسلامي دليل ومؤشر على أن هناك خلل ما في المنظومة الإسلامية يتمثل في غياب العقلانية النقدية لكتب التراث وتفسير القرآن وما اندرج تحتهما من آلاف الكتب والمراجع التى خلقت لنا قائمة طويلة من المذاهب والنحل والملل الإسلامية التى أحتفظت كلا منها برؤيتها للإسلام وتقديمه بالصورة التى تلائم تطلعاتها أو لتحقيق أهدافها السياسية والطائفية وحتى الإقتصادية.

وقبل أن نذكر لماذا فشلت دعوات الإصلاح الديني في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، حري بنا أن نشير الي أسباب نجاح عمليات الاصلاح الديني في الغرب. فقد ساهمت عوامل عدة في عملية الإصلاح الديني في الغرب، منها وأهمها هو تلازم مسار الإصلاح الديني مع تغير كبير في العقلية الغربية نتاج فكر التنوير وفلاسفة النهضة الغربية وكذلك الإنفتاحات العلمية والفكرية وظهور أفكار ومفاهيم العقد الاجتماعي والديمقراطية والعلمانية وظهور النزعة الانسانية والعصر الصناعي وتشبع الشعوب الغربية من فكرة الإصلاح وإدراكها بأن ما توصل اليه العقل البشري في سبيل تنظيم المجتمعات وعلاقات الأفراد مع بعضهم البعض بالإضافة الي المكاسب التى تحققت لهم وأهمها حرية الرأي والتعبير والحريات الفردية بعيدا عن وصاية الكنيسة، هو ما زعزع مكانة الكنيسة وتحكمها في الأفراد، وبالتالي تقلص نفوذ الكنيسة والرهبان وتخلصت الشعوب الغربية من فترة زمنية كبيرة كانت عبئا وعائقا أمام تطلعاتهم في

العصر الحديث. إلا أن هذا وبالمقابل لم يلغي مكانة الدين بل احتفظ بمكانته الفردية كعلاقة شخصية لا تخرج عن حدود الإعتقاد الفردي مثل أي فكرة أخرى. وهكذا فامت المجتمعات الغربية على أسس الديمقراطية والليبرالية والعلمانية باعتبار انها منظومات تعتبر الإنسان القيمة الأخلاقية العليا.

لكن لماذا فشلت العقلانية النقدية العربية في تقديم صورة مختلفة وحضارية عن الإسلام وتراثه ورموزه؟. بل والسؤال الأهم لماذا تحظى مثل تلك الدعوات بدعم الحكومات العربية بدلا من أن تدعم تلك الحكومات التيارات الديمقراطية والعلمانية التى تسعى الي علمنة الدول وتقدم الشعوب ووضع الأديان في أماكنها الخاصة؟..هنا تماما نجد إجابة فشل دعوات الإصلاح الديني وإخفاقها في تحقيق مرادها..فتلك الدعوات والخطابات، سواء الاعلامية أو الثقافية والتى يبذل منظروها الجهد الكبير في موائمة الإسلام مع الحداثة وإبعاد شبهات العنف في النص الديني المقدس قد ابتعدوا تماما عن عدة نقاط لم يتناولوها بشكل صريح وهي:

* الإصلاح الديني لن ينفع أبدا طالما أن العقل العربي المسلم لا يزال متمسكا بالحقيقة المطلقة (الإسلام) بشكلها الموروث بل ويقدسها ويقاتل من أجلها ولا يقبل أي نقد يطالها. لذا فتجديد الخطاب الإسلامي يجب أن يتلازم مع تثوير العقول وتنويرها.

* تطور وعي الشعوب العربية هو المدخل لتطور شكل الدين ومكانته، فكلما كانت الشعوب ديمقراطية وتؤمن بحرية الرأي والتعبير وحق الإختلاف كلما كان النقد الفكري للإسلام أكثر سلاسة ومنفتح تأويليا على الدوام وقابلا لجميع القراءات.

* الإصلاح الديني هو بمثابة تغيير الي فكر ونهج ورأي جديد حول الفكرة المراد إصلاحها، فبينما استطاعت اليهودية والمسيحية من تجاوز التفسيرات الحرفية للنصوص الدينية بشكلها القديم الي تفسيرات تتطابق مع رؤية الإنسان الحديث، بقى الإسلام عصيا عن هذا التحديث لوجود قوانين الردة والتجديف وسجن أو قتل كل من ينتقد الإسلام والذات الإلهية في غالبية الدول العربية والاسلامية.

* لم يتم نقد الأسس الأولى للإسلام والمتمثلة بالوحي والذات الإلهية والقرآن والنبي محمد وصحابته. حيث يمثل نقد الأسس الدينية المدخل الي تفكيك الرواية الإسلامية من جذورها التاريخية الي عصرنا الحالي لوضع الخطوات الصحيحة للإصلاح الديني. إذ لا يكفي أن ترتكز الخطوات الاصلاحية فقط على التراث والفتاوي والأحاديث النبوية، فهذا هروب وعجز عن مواجهة المنظومة الاسلامية برمتها.

* الإصلاح الديني عملية يجب أن لا تناط فقط لرجال الدين والفقهاء بل يجب أن يشارك بها علماء النفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد نظرا لبقاء الثقافة الإسلامية المحرك الرئيسي لكل التوجهات والأفكار المجتمعية ونظرا لعدم حيادية رجال الدين في تناولهم لموضوع نقد الذات الإلهية والنبي محمد والقرآن.

* يجب أن ينطلق مفهوم الاصلاح الديني من عقلانية راشدة، أي مشروع اصلاحي يتناول مسار الإسلام منذ نشأته وتطوره ومآلاته وليس أن يكون مجرد ردة فعل على أزمات تحدث بين فترة وأخرى، كظهور داعش وحزب الله والقاعدة وطالبان وغيرهم. إذ أن مثل تلك النماذج الاصلاحية ماهي الا تنفيس عن غضب العنف داخل الإسلام وليس علاجا يمنع تكرار عمليات الارهاب الإسلامي.

عبدالعزيز القناعي

لا تعليقات

اترك رد