حب في ظلال طغراء – قراءة في رواية “حب في ظلال طاووس ملك”ج 1


 

«كل ما في الرواية له دلالة»، رولان بارت R. Barthes

صدرت رواية “حب في ظل طاووس ملك” للكاتب العراقي حمودي عبد محسن، عن بيت الكتاب السومري عام 2017، في 320 صفحة من الحجم المتوسط.

الكاتب حمودي عبد محسن من مواليد عام 1953 بمدينة النجف العراقية، درس الجيولوجيا في أوكرانيا وتطوُّرَ المعرفة بالسويد. نشر عشرات القصص وكتبا في النقد الأدبي ومقالات فلسفية وقصائد. هو عضو في اتحاد الكتاب السويديين. من منشوراته: الدفان والغجرية / حورية أكشو/ حكاية من النجف/ امرأة الحلم. وله ملحمة شعرية بعنوان الإله تموز، ومجموعة قصصية تنبؤات كاشدرا، ومذكرات عن كردستان وعند قم الجبال وفتاة البجع. وله ديوان شعري “أفياء وليل طويل.

تنقسم هذه الدراسة التحليلية المتواضعة، (بالنسبة لي الأولى من نوعها في النقد الأدبي)، إلى فصلين رئيسيين:

الأول يتناول النص المحيط المكون أصلا من اسم المؤلف وعنوان الكتاب وصورة الغلاف، والمؤشر التجنيسي، وأيقونة دار النشر، والإهداء والتصدير وكلمة الناشر.

والثاني يتناول النص الفوقي و”علاقة ما دار حول النص بالمتن الحكائي”. وسأحاول قدر الإمكان توضيح ترابط العتبات مع بعضها البعض، وسبكها وتماسكها مع المتن.

النص المحيط:
إن النص المحيط حسب جيرار جينيت، هو كل ما يتعلق بالمظهر الخارجي للكتاب، شبهه بعتبة المنزل التي تربط الداخل بالخارج، وتوطأ عند الدخول، ومنها الولوج والخروج. وهو كما سماه لوي بورخيس “البهو vestibule الذي منه ندلف إلى دهاليز نتحاور فيها مع المؤلف الحقيقي والمتخيَّل”. فالنص المحيط عتبة تتماس مباشرة مع متن الرواية وعبرها يتضح للقارئ غياب العشوائية في العمل الإبداعي فكل شيء في العمل الأدبي والفني مقصود لذاته، ولا مجال فيه للصدفة.

إن النص المحيط لرواية “حب في ظلال طاووس ملك “، المكون من الغلاف، بشقيه الأيقوني Iconique: الألوان والأشكال، ونوعية الخطوط، والتنسيق الفني العام… والنصي Textuel: عنوان الرواية، واسم المؤلف، والمؤشر التجنيسي، وأيقون دار النشر، وكلمة الناشر، والرمز الشريطيCode barre ، يساعد المتلقي على الولوج الصحيح إلى عالم الرواية، وتحديد مسارات قراءته، واستيعاب وفهم مقاصده الدلالية.

وسنقف في دراستنا عند تناولنا للنص المحيط أمام صورة الغلاف بواجهتيها الأمامية والخلفية، والثَّنْيتين الملحقتين بهما، متفادين الخطأ الذي تقع فيه مجمل الدراسات النقدية للمؤلفات الأدبية، حينما تغض الطرف عن مكونات الغلاف، كالصورة المزيِّنة وعلاقتها بالمتن، وطبيعة الألوان والخطوط، وتكتفي بالوقوف أمام كلمة الناشر، التي عادة ما تعطي نظرة جد مقتضبة عن محتوى الكتاب، أو نبذة مختصرة عن المؤلف. “إن العلاقة بين النصين: الموازي والرئيس، علاقة جدلية قائمة على التبنين والمساعدة في إضاءة النص الداخلي قصد استيعابه وتأويله والإحاطة به من جميع الجوانب”.

صفحة الغلاف:
يعد الغلاف العتبة الأولى التي تواجه المتفاعل مع الرواية، بما في ذلك الكاتب والناشر والقارئ. فالمواجهة تشكل علاقات تبادلية مع النص، تحكمها مكونات شخصية الفرد السيكولوجية والثقافية والفنية والمذهبية والإيديولوجية…فمع الاهتمام الكبير الذي أصبحت توليه دور النشر للغلاف، والدور

الإشهاري/التجاري الذي يلعبه، ومع ارتقاء الطباعة من الميكانيكي إلى الرقمي، لم يعد الغلاف يؤخذ على أنه حلة تجميلية شكلية، مع أن العديد من المؤلفات، مازالت تهمش دور الغلاف، فتجد حمولته الأيقونية عبارة عن صورة للوحة فنية أو رسم تجريدي، مجاني، لا علاقة له بمحتوى الكتاب. فالغلاف هو “اختزال ملون يعكس مضمون الكتاب، فهو الثقافة البصرية التي تجعلنا نقف طويلاً قبل شراء الكتب”، وليس “مجرد شطحات فنان يلهو بريشته على واجهة كتاب”، بل نتاج تصورات فكرية مبنية على علم واسع متشابك، له دلالاته وأصوله ومعاييره.

إن الغلاف علامة مؤشرة تشكل جانبا هاما من تضاريس النص، وتدل على إيحاءاته، فضاءٌ علاماتيٌ، يغوي ويغري، يثير ويُثري، ويتميز بحمولة دلالاتية يتقاسمها مكوناه الأساسيان، اللغوي والبصري. ” ومن ثم يتقاطع اللغوي المجازي مع البصري التشكيلي في تدبيج الغلاف، وتشكيله، وتبئيره، وتشفيره”.

صمم غلاف رواية “حب في ظلال طاووس ملك” على شكل مطوية Dépliant من أربع قطع، واجهتين أساسيتن وطَيَّتين، أمامية وظهرية:
الواجهة الأمامية: خلفيتها (فضائية العنوان)، تميل نحو السواد، ليست سوداء بالكامل كما يبدو. فلون الخلفية الذي يظهر للعين المبصرة أسودا، هو في حقيقته نتيجة طباعة تركيبية رباعية الألوان Quadrichromie، تُنتِج توليفا مطروحا synthèse soustractive لمجموعة واسعة من النغمات اللونية المعتدلة Teintes، المكونة من ثلاثة ألوان أولية، أزرق (سماوي)، وأحمر (أرجواني) وأصفر، إضافة إلى الأسود. تتوسط الواجهة كتابة مُخطَّطَّة ثُلُثِية النوع، صُمِّمت على هيئة طغراء، قرمزية مائل إلى البني، يماثل القرمزي الموجود على الشعار الرمزي لطاووس ملك. هدف الكتابة المخططة (العنوان) جلب البصر واقتناص الأنظار وتركيز الإبصار باستمالة القارئ نحو الكتاب، ومنحت العنوان صدارة استراتيجية مكنته من بسط سلطته التفوقية على باقي العتبات النصية. فالاختيار إذن، لم يكن عفويا ولا اعتباطيا، بل للون دلالته كما للشكل (الطغراء) رمزيته أيضا. فالعنوان هنا واسطة العقد في جميع العناصر الجرافيكية، ويبقى الواجهة الرئيسية والحقيقية لولوج عالم النص واستكناه أنساقه الترميزية، واستجلاء نواظمه وتأسيساته الأدبية والجمالية الكبرى. فهو بمثابة تأشيرة سفر تدعو القارئ لخوض غمار الرحلة من خلال متن الرواية. إنه يغري القارئ بما يحمله من وظائف لا متناهية، إذ أن “العلاقة بين العنوان والنص تفرض نفسها وتتطلب الخوض في غمارها وفك طلاسمها لمعرفة تجلياتها”.

لون الخلفية الغامق ساعد على إبراز عناصر النص المحيط التأليفي: اسم المؤلف وعنوان الرواية وبيت النشر، إلا أن المؤشر التجنيسي ذا الشكل المستطيلي، الأبيض اللون، المتواجد أعلى اليسار، يبقى عنصرا مشوشا لبروزه كشكل حاد، غير متوافق مع بقية الأشكال الانسيابية اللطيفة. فالكتاب يدغدغ العين بلطافته التي اكتسبها من شكله الخاضع لقبضة اليد المتوسطة، ومن تآلف ألوانه وانسجامها ومن نوعية ورقه. فلمسه يجعلك تحس بنعومة وتصفحه يشعرك وكأنك بحضرة وثيقة تخطت عتبات الزمن والتاريخ. ملأ اسم المؤلف المكتوب بحروف لاتينية صغيرة فضاء أعلى صفحة الغلاف وأعطى للتكوين العام نوتة موسيقية تتبادل النغمات مع الإيقاعات البيضاء المتركنة أسفل الصفحة.

لم يحضر تخطيط كلمة حب على شكل طغراء اعتباطيا، فلا وجود للعشوائية في الإبداع الفني، وأن كل شيء يحضر في العمل الأدبي/الفني مقصود لذاته. فالطغراء هنا، لها دلالات رمزية متجذرة في التاريخ، مرتبطة بالحكاية وعلاقة الإنسان الأيزيدي بالسلطنة العثمانية، فهي استرجاع “للتشاكل الرمزي لصوت الذات وصوت الواقع”، الاسترجاع الذي تنبني عليه شمولية معمارية النص. تحضر الطغراء هنا بلونها القرمزي Carmin الذي يحيل على مرجعية تخييلية/واقعية تتشاكل فيها رمزية المكان/الإنسان برمزية الزمن وما يطويه بين ثناياه من ذكريات سوداء…صفحات تنضخ دما، دما لم يفقد لونه القرمزي المشع. فاللونين القرمزي والأسود يلعبان دورا هاما في تعميق دلالة المأساة الأيزيدية.

الطغراء أو الطغرى أصلها طغراني بلغة التتار وتعني العلامة المرسومة على الرسالة، ورواية الكاتب حمودي عبد محسن ما هي إلا رسالة موجهة إلى القارئ العربي وربما إلى قراء العالم في حال ترجمتها.

الطغراء تطلق كذلك على شارة تحمل اسم سلطان عثماني أو ما ينعت به، ولعل أول من استعملها هو السلطان مراد الثالث (1546 ـ 1595). ومن المعلوم أن العثمانيين قاموا بحملات إبادة وتهجير متكررة على مناطق الكُرد الأيزيديين في الشيخان وسنجار، وغيرها من المناطق، وألحقوا بهم أضرارا بالغة اقتصاديا وبشريا.

لم يكن الحكم العثماني الوحيد الذي جار على أبناء الطائفة الأيزيدية، فمع اجتياح الغزو المغولي في القرن الثالث عشر الميلادي، قتل العشرات منهم وخصوصا الذين أظهروا مقاومة ومعارضة. وكما عانى أصحاب المذهب الأيزيدي من العثمانيين والمغول، وجدوا العناء أيضا في حكم صدام حسين الذي أمر بتهجيرهم إلى مدينة الموصل، وسُجِّلوا كعرب بالإضافة إلى عدد من الممارسات التي تسببت في رفع نسبة أميتهم وفقرهم…وتفاقم وضعهم تحت راية داعش حيث فروا من العراق إلى إقليم كردستان.

لقد أولى، حديثا، المؤلفون والناشرون تصميم الأغلفة أهمية كبرى ليس فقط لدورها المثير والإغوائي، أو لدورها التجاري، ولكن أيضا لكونها تساعد على فك شفرات النص الرئيسي، واستكناه معانيه واكتشاف تعالقاته بغيره من النصوص المحيطة والفوقية.

تم التوصل إلى إخراج الصيغة النهائية للغلاف بعد عمق تفكير ونباهة ذهن ورصانة تخطيط، وتنسيق وثيق بين الكاتب والمصمم، مما توج الكتاب بجمالية معاصرة، تثير وتغوي المتلقي. فالتفكير في مكونات الغلاف الأيقونية وطريقة بنائها وانسجامها مع باقي العناصر، يستدعي القارئ على أن يكون مساهما فاعلا في النص “الذي يأبى أن يأتي كاملا من مؤلفه ويصد ر على أن يكون نبتة لا تنمو إلا بقراءة متلق قادر على تخيل ما لم يخض فيه الكاتب، الذي تكمن حِرَفِيَتُه في مدى استغلاله لطاقات المتلقي الذهنية والتذوقية”. فالمتلقي يعد طرفا فاعلا في العملية الإبداعية، فبدونه تفقد معناها، ولقد تغيرت النظرة التي كانت تعتبر العلاقة القائمة بين المتلقي والمبدع علاقة منتج ومستهلك، لتغدو علاقة تفاعلية/ تشاركية، حيث أصبح المتلقي يبسط سلطته على النص ليتجاوز العتبات ويقتحم عالم المؤَلَّف والمؤَلِّف في آن واحد، يحاورهما ويشاركهما ويتفاعل معهما ليكمل ما هو غائبٌ/مغيَّبٌ، وما هو مفكر فيه وغير مفكر فيه، وما هو مرئي ولامرئي، فينفتح العمل الإبداعي على مصراعيه. فكما قال أمبيرطو إيكو:” في الأثر المفتوح يقوم القارئ بتنظيم الخطاب بالتعاون المادي الكامل مع المؤلف، إنه يساهم في صناعة الأثر”.

مراجع:
* جميل حمداوي ـ سيميوطيقا العنوان، مجلة عالم الفكر، الكويت، المجلد 25، العدد 3، يناير/مارس 1997
* شعيب حليفي ـ النص الموازي للرواية، استراتيجية العنوان، مجلة الكرمل، عدد 46، قبرص 1992
* سعيد يقطين ـ انفتاح النص الروائي، المركز الثقافي العربي الطبعة الأولى، الدار البيضاء 1989
* عبد الفتاح الحجمري ـ عتبات النص البنية والدلالة، شركة الرابطة، الطبعة الأولى سنة
1996
* جميل حمداوي ـ السيميوطيقا والعنونة، مجلة عالم الفكر، المجلد الخامس والعشرون، 1997
* عبد المالك أشهبون ـ عتبات الكتابة في الرواية العربية، دار الحوار للنشر، دمشق سوريا، الطبعة الأولى سنة 2009.
* أمبرطو إيكو ـ ألأثر المفتوح، ترجمة عبد الرحمان بوعلي، الطبعة الثانية، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية سوريا 2012،
* G. Genette : SEUILS, COLLECTION SEUILS, PARIS, 1987

المقال السابقالتشويق في الفيلم ج2 Suspense
المقال التالىسر جمال بغداد
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد