الاستحمار

 

صدر قبل ايام تقرير بعثة خبراء الاتحاد الاوربي لمراقبة الانتخابات العراقية التي جرت في شهر مايس 2018 اي بعد مايقرب من ثمانية اشهر على اجرائها، وليس من الغريب ان تكون الملاحظات التي جاءت فيه متطابقة تماما مع كل ما كان يدور حولها منذ يومها الاول، التزوير والترهيب وشراء الذمم، ولكن الغريب ان الاتحاد الاوربي راح يلعب معنا ذات اللعبة التي لعبتها وتلعبها معنا الامم المتحدة، فهم يستعمروننا ويستحمروننا معا، دعموا احتلال العراق بحجة نشر الديمقراطية ومساعدة الشعب العراقي، ولكنهم انفسهم من دمر العراق وبعده الامة العربية من مشرقها لمغربها، ثم بعد كل ذلك تاتي تصريحاتهم بان الشعب العراقي هو المسؤول عن طبيعة نظام حكمه الفاسد، وان على الشعب ان يخطو وان يفعل الكثير لتغيير واصلاح هذا النظام، اذن لم تدخلتم اساسا ولم كان احتلالكم للعراق؟..
والاستحمار كما عرفه المفكر الايراني علي شريعتي ( هو طلسمة الذهن وإلهائهِ عن المعرفة الانسانية والاجتماعية و إشغالهِ بالحق و الباطل ، بالمقدس وغير المقدس).
وارى ان هذا توصيف دقيق جدا لما وضعنا المحتل الاميركي فيه، فقد صنع لنا دينا خاصا مختلفا تماما عن كل ما عرفناه عبر اجيال واجيال، واذا كان ثمة من يعتقد ان هناك شواهد كثيرة في التاريخ العربي فيها الشيء الكثير المشابه والمتجانس مع ما جرى ويجري الان، نقول نعم هذا صحيح ولكننا تجاوزناه ولم نعد نهتم به في الاقل خلال مايقرب من قرن مضى، وانسجمت حياتنا الاجتماعية وبنيت تقاليدنا وتوطدت وشائجنا، فانتهينا في الاقل في العراق وايضا في بعض بلدان العرب من الاعراف العشائرية ومن المشاعر الطائفية قبل ان يبدا الحصار في التسعينيات لتعود بنا الدائرة الى الخلف تماما مثلما اراد وهدد وزير الخارجية الاميركي في حينه جيمس بيكر وكان صادقا والشهادة لله.. قبل منتصف القرن الماضي بقليل اصبح الشيعي والسني والكردي والصابئي والمسيحي منضويا تحت جناح فكر ما، يساريا ام قوميا ثوريا ام سلميا ،ولم يعد يهتم بعرقه ولا بدينه، كان الفكر والمعرفة وقوة الشخصية وتوقد الذهن وتوحد الاهداف والسجال المعرفي ديدن اجيال العراق والعرب، وكان الشعراء والادباء والفنانون والصحفيون والمبدعون عموما يمتلكون من الالمعية التي تجعلهم قادة راي مؤثرين، ولهم القدرة على تحريك المشاعر واثارة التساؤلات وتحديد الاجوبة المناسبة للتحديات التي عاشها العرب سواء في الجزائر او تونس او الاردن وسوريا والعراق ولبنان، ولم تكن تلك النهضة وتلك الحركات الجماهيرية بالنسبة لاسرائيل وللغرب وللعبيد العرب سوى مصدر خطر عميق، وان استمرار هذا الحراك الواعي سيجعل من الصعب تماما تمرير المؤامرات فما كان الا اتخاذ طريق التجهيل وهو علم ثبت نجاحه في مختبر العرب ولا اعتقد ان هناك مختبرا اخر في هذا الكوكب سيشهد ذات التجارب، اذ ليس من المعقول تماما ان هناك شعبا في القرن الواحد والعشرين يتمنى ان تحتله دولة اخرى مثلما حصل في العراق..بل وليس هناك من شعب على هذا الكوكب مازال يفخر باحتلال جيرانه له بحجة المساعدة وتقديم الدعم مثلما يحصل في العراق..
ليس هناك من شعب وقادة وحكام يجلسون الى جانب محتل اراضيهم ومغتصب حقوقهم ويطلبون منه الحماية والدعم والتحالف لضرب محتل اخر سوى قادة العرب..
ليس هناك من شعب وقادة يمنحون ثرواتهم للاجنبي حماية لكروشهم وعروشهم سوى حكامنا العرب..
ليس هناك من امة تؤمن انها خير امة اخرجت للناس مع انها في واقع الحال آخر امة لها الحق في الحديث عن الكرامة والحرية والعدل والمساواة والحقوق سوى امة العرب..
ليس هناك من امة تعرف طريق الموت ولا تعرف طرق الحياة سوى امة العرب
ليس هناك من امة فارقت سبل السعادة، وتسللت الى سبل الحزن والبكاء واللطم والعزاء سوى امة العرب..
ليس هناك من امة تفخر بالثريد وفيها ملايين الجياع سوى امة العرب..
والكثير الكثير.. وكل ذلك بفعل فاعل معلوم وليس بمجهول.. ظاهر وليس خفي ، يعلن ولا يضمر ولكننا لانسمع ولانرى ، ليس لعاقة فينا، بل:
انه الاستحمار لا اقل ولا اكثر..

المقال السابقجهاز مكافحة الإرهاب لحظة الحقيقة
المقال التالىحكاية مملكة
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد