اسبوع الفيلم الايراني بعمان (الدورة الثانية)


 

صراع وجودي وثرثرة طريفة وانبهار بالغرب!
شاهدت منذ فترة فيلم ايرانيا قديما يدعى “سانام” للمخرج”راني بيتش”، ويتحدث بلغة شاعرية عن فتى يتيم يطارد الخيول السوداء بالبراري، ويحاول اكتشاف الحقائق المتعلقة بحياة وموت والده “معدوما” بعد ادانته كلص جياد، وقد اعجبني اسلوب المخرج الشيق ورمزية رسالته التي تدعو البطل للحرية، تماما كالأحصنة السوداء التي تعدو في سهوب ايران الشاسعة، والتي يلاحقها رجال “أشداء” لا يرحمون…تذكرت هذا الشريط عند مشاهدتي لفيلم “محطة الشمس” فسألت المخرج الذي حضرالعرض “عن مغزى فيلمه الغريب”؟ فأجابني بثقة وخيلاء بأنه “صانع أفلام” وغير معني بتقديم رسائل… وبصراحة لم تعجبني اجابته، وكنت ربما سأقبلها لو كان مخرجا”عتيقا”مخضرما وصاحب رصيد سينمائي حافل!
بفيلم “محطة الشمس”2014 يستعرض المخرج سامان سالور مجموعة متنوعة من الشخصيات الهامشية الطريفة في قرية جبلية منعزلة: كالعجوزالعنيف العنيد، و”حسن” الغريب الأطوار المهرج، وصبي مراهق يعمل كبائع متجول في القطار (واسمه “أصغر” وملقب بالملاك، والذي يتبين في آخر الشريط انه فتاة “متخفية” (وان كان ذلك غير مقنع، فالفتى لا يشبه الفتاة اطلاقا)، كما نشاهد قزما طريفا بوجه عجيب، وكالعادة بمعظم الأفلام الايرانية نرى جنازة وزفاف ورجل دين طيب، يستعرض الشريط الغريب هذه الشخصيات بحياتها اليومية داخل وخارج مقصورة قطار محترقة ومهجورة، ورغبة بعضها لعبور ضفة مقابلة عبر نهر بواسطة عربة تلفريك يدوية بالية، ولا نعلم سبب تكرار قصة فيلم التايتنك عبر حوار الأبطال (ربما لانبهار المخرج بالفيلم)، كما يعود المخرج الشاب نفسه فيقحم لاعب الكرة الانجليزي الشهير “بيكهام” بوضع مجسم كرتوني كبير له وذلك بشريطه الثاني المميز “بضعة كيلوغرامات من التمر بمراسم جنازة”(2006)، هذا الفيلم يتحدث عن قصة رجلين (وهما سادري و يادي) يعملان معا في محطة قطارات نائية بمنطقة مهجورة، حيث يبدو أحدهما متجبرا و مهووسا بالطقس بعد ان فقد عينه، والآخر مغرم بفتاة من بلدة قريبة يراسلها بواسطة “المكاتيب العاطفية” عن طريق ساعي البريد، كما يزورهما من حين لآخر رجل غامض يدعى “أوروج” الذي يعد “حلقة الوصل” لهما في عزلتهما القاهرة مع العالم الخارجي، ويستعرض الشريط حالة غريبة لفتاة ميتة تركت جثتها بسيارة باردة مهجورة قبل أن تدفن، كما يتحفنا بزفاف فولوكلوري وحركات تهريجية من معتوه القرية ، ثم بصراع كلامي زاعق على حب فتاة.
أما في الفيلم الثالث “ثلج”(2014) فيتعرض المخرج مهدي رحماني لحالة عائلة ايرانية كانت ثرية فيما مضى، ولكنها تتعرض لكارئة مالية وديون ورهن عقاري، وتحاول جاهدة اخفاء ذلك والعيش بالأوهام، وخاصة مع تقدم جارهم الشاب لخطبة ابنتهم، التي تحاول اخفاء أمرزواجها السابق عن الخطيب الجديد، الذي يعمل مهندسا بشركة “بي ام دبليو” الألمانية، كما تقوم الفتاة باعادة المال للزوج “السابق” لكي يتركها ويختفي… وينتهي الفيلم الحافل باللوم والاخفاء والثرثرة، ثم تتبدد أوهامهم ويهمن الاحباط بعد أن يغادرهم الأخ الأصغر وقد تملكه اليأس من امكانية الخلاص.
اما الفيلم الغريب والطريف حقا، فيتمثل بشريط “السجادة الحمراء”(2014) للمخرج رضا عطاران الذي يروي قصة تمثل كاتب مسرحي فاشل من الدرجة الثالثة، والذي يسعى جاهدا لاثبات موهبته، حيث يغامر بالسفر لمهرجان كان ليلتقي بالمخرج الأمريكي الشهير “سبيلبيرغ (الذي ترأس المهرجان)، كما يحاول مقابلة “وودي آلن” بمقهى، ونراه يفشل بالحالتين، ولا يتمكن من عرض مسوداته “البائسة” ليساعداه على تحقيق الشهرة، والطريف أنه يشتري بضع هدايا ايرانية كالمكسرات وغيرها حتى يقدمها لسبيلبيرغ، ويكافح حتى يحصل على تأشيرة “الشينغن”…يتعرض هذا الفيلم الكوميدي (الذي يبدو كشريط وثائقي عن مهرجان كان) لجملة مفارقات مضحكة تتمثل بسذاجة الممثل وطيبته وتلقائيته وضعف وركاكة لغته الانجليزية، حيث يتعرض للسرقة والاهانة والضرب وفقدان المأوى، ولكنه يبدو مصرا على تحقيق حلمه بالرغم من فشله وخيبته، كما بدا البطل مع “بدلة السموكنغ والبابيونة ونظارة شمسية فاخرة” وكأنه يشبه المخرج الأمريكي الشهير “كوبولا”!
تتميز هذه الأفلام الأربعة بطرافة سلوكيات أبطالها، وتقبلهم القدري لواقعهم البائس وسعيهم العنيد لتحقيق رغباتهم البسيطة، ويتم ذلك ضمن اطار “درامي-كوميدي” شيق وممتع..
كما تتضمن مشاهد متنوعة لحالات من الانفعال الزائد والمواقف الطريفة والهيجان المبالغ به، وربما احتقار الذات ولعب دور “الضحية”، حيث تبرع السينما الايرانية بطروحاتها الغريبة، كما باسلوب تناولها للشخصيات المهمشة الطريفة، وتسلط الأضواء على خصوصيات المجتمع الايراني، بعيدا عن القصص المفبركة والميلودراما والجنس والتهريج والتقليد والأكشن المزيف، وهي تحقق بذلك وجودها العالمي في المهرجانات المختلفة، وتستعرض حالات صادقة من الكفاح والمعاناة والشغف بعيدا عن النجومية والتجميل والاستعراض والابهار، ولكنها تبدو وكأنها تعاني من شعور مزمن “بالنقص” يتمثل باقحامها لأسماء الأفلام والمخرجين ولاعبي الكرة ونمط الحياة الغربية، وبمغازلتها الواضحة لأقطاب السينما الأمريكية تحديدا، ولا ادري ان كان ذلك يسجل ضدها ام لها!

لا تعليقات

اترك رد