الحضور الأمريكي في العراق

 

على مر التاريخ تتجدد محاولات عقد الاتفاقيات والتحالفات بين الدول فمنها ما يولد ميتا لأنها تعقد على أسس غير متكافئة ومنها ما يستمر لفترات طويلة لأنها تخدم شعوبها وتسعى لعقدها على السواء الدول الصغيرة والدول الكبيرة وتحاول إيجاد الأسباب والمبررات لتلك التحالفات وقد تكون على مستوى إقليمي بين دول منطقة ما أو عالمي لا يشترط فيه الجوار فالدولة الصغيرة على العموم تحاول الصمود أمام محاولات الدول الكبيرة لابتلاعها أو الهيمنة عليها وفي بعض الأحيان ترعى الدول الكبيرة وتدير تحالفات بين الدول الضعيفة ولنا في التاريخ المعاصر القريب أمثلة وشواهد كثيرة القسم منها وصل إلى ما يشبه الاتحاد فتوافقت وتوحدت خططها وتعاملاتها الخارجية كما في الاتحاد الأوربي الذي يمتاز بما يختلف به عن غيره بتنظيمه وتعامله البيني وقراراته في السياسة الخارجية رغم إن اغلب دوله منضوية تحت حلف يسمونه شمال الأطلسي العسكري.

تحاول اغلب الدول إيجاد مبررات إضافية لعقد التحالفات أو الاتحادات كالدين مثل منظمة الدول الإسلامية أو الاشتراك في إنتاج مادة معينة كالنفط كمنظمة أوبك ومنظمة الاوابك أو الارتباط على أساس قومي كجامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي كمنظمة إقليمية أو اتفاقيات ثنائية لأغراض أما اقتصادية أو عسكرية وهذه كثيرة كالاتفاقية الأمريكية العراقية وهي الأخرى لها أسبابها وفي بعض الأحيان يعترض الشعب على الاتفاقية إذا استشعر الحيف والظلم الذي يلحق به لصالح الدولة الأجنبية حتى وان كانت الحكومة ترى غير ذلك أو حتى وان صادق عليها البرلمان وفي الغالب تنتهي وتموت وفي التاريخ العراقي المعاصر بعد حصول العراق على ما يسمونه استقلال ودخوله إلى عصبة الأمم المتحدة التي أنشأت على أنقاضها هيئة الأمم المتحدة كثير من الاتفاقيات التي أقرتها الحكومات وأسقطها الشعب لأنها كانت عبارة عن نوع آخر للاحتلال بحيث تكون الحكومة العراقية أداة لتنفيذ أوامر الحكومة البريطانية التي كانت ولا زالت تعمل على امتصاص طاقات الشعوب التي تخضع إلى سيطرتها وخيراتها إلى أقصى حد كما يسرد ذلك تاريخها الأسود.

حقيقة ولا تجني على الولايات المتحدة الأمريكية التي ورثت من بريطانيا كل أنواع الخبث وفاقتها بكثير ولبست أنواع متعددة من ثياب ووسائل السيطرة على شعوب الأرض وامتصاص خيراتها رغم إنها تلقنت درسا لن تنساه في فيتنام فصارت تشعر بالفزع حين يذكر ما حصل لجيشها هناك ولكنها بعد أن انهار الاتحاد السوفيتي السابق وزواله من الخارطة السياسية وانفرادها بالقوة العالمية عادت لعنجهيتها وتعاليها ونظرتها الدونية لدول العالم الذي يسمونه الثالث تحديدا فصارت تضعف أمام غريزتها القذرة في امتصاص ثروات الشعوب وتتناسى كل ادعاءاتها عن حقوق الإنسان وحرية الشعوب وسيادة العدالة وما إلى ذلك من شعارات بريقها يأخذ الأبصار فغزت أفغانستان وأعادت الكرة في العراق باحتلال مباشر ولكنها أيضا عانت من دروس قاسية فبدلت أسلوبها في مناطق أخرى من العالم وبالتحديد في منطقة الشرق الأوسط وتحت مسميات أخرى جديدة ولم تستطع إخفاء أنياب قادتها السامة وظلت تحاول استغفال الشعوب فتسحب قواتها لتخرج من الباب ثم تعود من الشباك رغم إنها دائما تبقى تعمل مع حلفائها الأقوياء ضمن مبدأ تقاسم المصالح وتحافظ على حصة الأسد لنفسها .

لقد خرجت أمريكا من العراق برغبتها أو رغما عنها وسحبت قواتها على أساس أنها تركت العراق للعراقيين (هذا في الظاهر المعلن ولكن المخفي وما خططت له مختلف تماما) ولكنها تركت في قلب بغداد اكبر سفارة لها في العالم لم يعرف لها التاريخ سابقة بعد عقد الاتفاقية الأمنية مع الحكومة العراقية القليلة الخبرة والحديثة العهد في الحكم وفي القانون والعلاقات الدولية آنذاك ولكنها تركت لنفسها الحق في استغلال ارض العراق حسب مقتضيات مصالحها لا مصالح العراق وحسب رغبتها حتى إنها اعتذرت حين دخلت قوات القذارة من عصابات داعش واحتلت أكثر من ثلث مساحة العراق وإعلان دولتها المسخ بل وقال مسئوليها إن هذا شان عراقي داخلي وحصل ما حصل وهو أكثر من معرف للجميع بالتفصيل.

من بين أهم الأسباب التي امتنعت بموجبها الولايات المتحدة من إسناد العراق إن عصابات داعش كانت صنيعتها ولأسبابها الخاصة ولمصلحتها دفعتها لدخول العراق لتخدم إستراتيجيتها بعيدة الأمد في العراق ثم دفعت الحكومة العراقية إلى طلب مساعدتها بموجب الاتفاقية الأمنية المعقودة بين البلدين وعادت مرة أخرى ومعها شركاء تحت عنوان جديد هو تدريب القوات العراقية وبهذا ضمنت تواجدها على الأراضي العراقية وبنت لذلك قواعد عسكرية في مواقع مهمة تستقر بها جحافل جيوشها والياتها القتالية من جهة ومن جهة ثانية ضمنت تصريف وتجربة ملايين الأطنان من أسلحتها واعتدتها ومن جهة أخرى تركت الشباب العراقي ضحية لقتال عصابات داعش فلذلك كانت ولا زالت الولايات المتحدة الأمريكية هي المنتفع الأكبر من كل ما جرى ويجري ولا يمكن لأحد طبعا إنكار دور الطيران الأمريكي في النصر الذي حققته القوات الأمنية العراقية وتحرير الأراضي العراقية مع انه لم يكن مجانا ولا لسواد عيون العراق وإنما له ثمنه الباهظ.

الآن ولنفس المصلحة الأمريكية في العراق وبموجب نفس الاتفاقية ازداد عديد قوات “الأصدقاء – الحلفاء – المحتلين” الأمريكان أو لأي سبب كان فهي تحاول استغلال الأراضي العراقية رغم أنها ليست بحاجة ماسة لها لصالح اختلافها مع إيران وطبعا هذا ما يشكل خرق واضحا للسيادة العراقية وهو إجبار للحكومة العراقية على الانحياز لصالح الأمريكان وهذا يتوقف تحقيقه من عدمه على إمكانية الحكومة في التعاطي معهم ومحاولة استثمار وجودهم المفروض عليها لصالح الشعب العراقي في الجانب العسكري وفي البناء والمشاريع غير العسكرية على أن نضع في الاعتبار القدرات الأمريكية في التأثير بالقرار السيادي العراقي وربما حتى في آليات تشكيل الحكومة العراقي على الصعيد المحلي وإمكانياتها في اكتساب الشرعية الدولية أو إعادة الاحتلال من خلال تأثيرها في منظمة الأمم المتحدة على طبيعة نظام الحكم في العراق.

سؤال واحد يطرح نفسه بقوة وسط تضارب وتقاطع تصريحان المسئولين في كلا البلدين إضافة إلى تصريحات المسئولين الإيرانيين وما طرح في مؤتمر وارسو وما نتج عنها هو هل يمكن لاح دان يفرض على إدارة الولايات المتحدة الأمريكية مغادرة البلد وهل ستستجيب؟ علما أن كثير من المسئولين العراقيين يدعمون فكرة توسيع الوجود الأمريكي في العراق.

لا تعليقات

اترك رد