حول السلفيّة الإسلاميّة: خلفيّات الماضي وآفاق المستقبل

 

إنّنا، عندما ندرس (السلفيّة)، مصطلحاً فكرياً، فإنّنا نفهم منها طريقة التفكير غير الموضوعيّة، التي تتحدّد بجملة أفكار ومعايير دينيّة عتيقة، يعمل أصحابها ودعاتها على استنطاق التراث الديني الإسلامي، ضمن قوالب جامدة، وأنماط فكريّة شكليّة محدّدة وضيّقة الأفق، غير قابلة للانفتاح على الحياة والعصر، وغير قابلة للانسجام مع وقائع الحياة العملية البشريّة المتسارعة، ومستجدّاتها، وتطوّراتها، ما يوقع المنتمين إلى تلك الفكرة في حالة من التناقض بين قناعاتهم الذاتية، وتطوّرات الحياة الخارجيّة، فيدخلون في أزمة الابتعاد العملي عن الواقع، والعيش في جنان النظريات والأفكار الحالمة البعيدة عن الواقع.

وإذا أردنا أن نميّز، ونحدّد، بشكل أكثر دقّة، أهمّ تطبيقات السلفيّة، في طبيعة فهمها الجامد للنصوص، والأفكار، والوقائع، والتواريخ، فإنّه يمكننا تسجيل النقاط الآتية:
1. ادعاء الفكر السلفي القبض على عنق الحقيقة المقدسة.
2. الوقوع في فخّ الجهاد القاتل.
3. تحريف التاريخ الإسلامي وتزويره.
4. تحديد فهم القرآن (والنص الديني عموماً) في عصر ورجال وتفاسير بعينها.
5. انفكاك النص عن الواقع (اعتبار النص أصلاً، والواقع فرعاً = اشتقاق الواقع من الفكر).
6. اتباع أسلوب العنف والترهيب لتحقيق الغايات والمطالب، وعدم تقبل النقد.

إنّنا نعتقد أنّ تلك القوى (ذات المنهج والتفكير السلفي القديم) لا تزال تجترّ مجمل الثقافة القديمة، وهي تعمل باستمرار على مواجهة كلّ ما هو جديد وحديث، ورفضه تحت ذريعة انتهاكه الهويّة والتراث، كما أنّها تواصل اشتغالها على استيلاد الظروف وتعميق الأسباب، التي أسهمت في تعزيز وجودها، وهيمنة خطابها الديماغوجي على واقعنا الديني والثقافي عموماً.

يحفل تاريخنا العربي والإسلامي بكثير من الأحداث، والوقائع، والأفكار، والرؤى المتعدّدة والمتنوّعة المختلفة أو المتّفقة، وتُعدّ دراسة هذا التاريخ، والتدقيق فيه، بتقنية علميّة وموضوعيّة، من المسائل الشائكة والصعبة، التي قد لا تتوافر إلا للقلة القليلة من الباحثين المتمكّنين والموضوعيّين، نظراً إلى طبيعة المادة التاريخيّة، التي قد تتشابك نصوصها، وتتداخل أحداثها، وتتشعّب وتتضارب وقائعها، وتتلوّن تحليلات الكتّاب والمؤرّخين حولها بمختلف ألوان الاتجاهات السياسيّة، والمذهبيّة، والإيديولوجيات الفكريّة، ورؤاها المتبنّاة من قبل هذا المؤرخ، أو ذاك.

وإذا كان التاريخ الإسلامي لا يزال مصدراً أساسيّاً من مصادر الفكر والمعرفة الإسلاميّة، فإنّ المنطق العقلي والعلمي يلزمنا جميعاً، بوصفنا مفكرين منتجين للمعرفة، أن نقوم بدراسة مواقع (ومواضع) هذا التاريخ دراسة نقديّة واعية لا تكتفي بنقل مخزوننا التراثي التاريخي الهائل الحجم والامتداد كما هو إلى عصرنا الراهن، ولكنّها تنفذ إلى عمق حركة هذا التاريخ لتبحث عن أفكاره، وأحداثه، ورموزه، ومواقعه، وتقوم بتوثيقه ومراجعته من حيث رواته، ومضامينه، ومحتوياته، وتدرس إمكانيّة انسجامها، أو عدم انسجامها مع حقائق الأشياء والظروف الموضوعيّة، التي تحيط بهذه الفكرة، أو الواقعة، أو تلك الشخصية التاريخيّة.

ولعلّ من أهم الأمراض، التي يمكن أن تصاب بها أغلب الحضارات والثقافات، في فكرها، وتاريخها، وحركتها، وشخوصها، ورموزها، والتي تفضي حتماً إلى تخلّف الشعوب وانحطاط الأمم، مرض تمسّك نخبها الشديد بأفكار ونظريات ومبادئ ومواقف نشأت، وعاشت، وتعملقت في الماضي، لكنْ تجاوزها الزمن، وسبقتها عجلة التطور، ولم يعدْ لها أيّ علاقة عمليّة مفيدة ومثمرة بالوقائع الجديدة والأحداث المتتالية والمتراكمة، حتّى إنّ عدداً من هذه النخب السياسيّة والثقافيّة المتمسّكة بالقديم يرى تخطئة من يغيّر مفاهيمه وآراءه لتتلاءم مع روح العصر، وتتكيّف مع المستجدّات ومنطق التطور التاريخي. فالتخلي عن المبادئ لديها (حتّى لو أثبتت التجربة والأيّام عقمها وفشلها وتأثيرها السلبي في حركة الحاضر والمستقبل) يُعَدّ أعلى درجات (اللاأخلاقية) في العمل السياسي والفكري، ليكون – بحسب أصحاب هذا المنطق- التمسّك بالمبادئ والأصول، التي لا تزعزعها التحديات، ولا تقهرها المتغيرات، أعلى درجات (الثوريّة) والنجاح… فالمهم الانتصار في اللفظ، والخطابة، واللغة، ولو خسرنا الأرض، والواقع، والحاضر كله… وبهذا، يمكن تفسير أسباب الجمود والتخشب الفكري والعملي لدى تيارات سياسيّة وفكريّة تفتخر بأنّها ثابتة على المبادئ، دون الاهتمام بمدى مناسبتها للظروف السائدة، وبمدى وجود فرص حقيقيّة لنجاحها في الإطار العملي.

ومن هنا، تأتي فكرة (السلفيّة) لتكون فكرة من جملة الأفكار التاريخيّة الدينيّة، التي انطلقت شراراتها الأولى منذ قرون عديدة، وأصبح لها انتشار وتأييد واسعان في عالم العرب والإسلام حالياً. ولا تزال رائجة ومتحرّكة بقوّة داخل اجتماعنا الديني والسياسي المعاصر، حتّى باتت تشكّل عصب التفكير الحركي للكثير من النخب، والتيّارات، والحركات الإسلاميّة المعاصرة المنتشرة انتشار النار في الهشيم على امتداد مساحة مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة.

ومنذ بداية التشّكل التاريخي لهذه الظاهرة أو الحالة (التي رفع بعض زعمائها وقادتها المحدثين شعار: الحسام البتّار، والدرهم والدينار)، لاحظنا كيف انطلقت الخلافات، ودبّت الانقسامات بين صفوف المسلمين على اختلاف مللهم، وانتماءاتهم، ومذاهبهم، حيث نستطيع القول إنّ نشوء السلفيّة الدينيّة من أهمّ المسبّبات في إيجاد حدود ومداميك مذهبيّة إيديولوجيّة بين عموم أبناء الدين الواحد… وقد تعمقت تلك الحدود والحواجز الفكريّة والثقافيّة الدينيّة أكثر من تعمّق الحدود الجغرافيّة-السياسيّة.

ويرى الفكر السلفي أنّ الرجوع إلى الخلف يعني المشي إلى الأمام، وأنّ فهم القرآن فهماً حقيقياً واضحاً وصريحاً لا يتحقّق إلا كلما كان المفّسر أقرب تاريخيّاً وزمنيّاً إلى عصر الخلافة الأولى النقيّة الصافية الطاهرة؛ أي: كلما غاص المفسر أكثر في مغارة الماضي البعيد، كان أكثر قرباً إلى الحقيقة التاريخيّة المقدسة؛ فالأقرب إلى الماضي أقرب إلى الفهم الصحيح بحسب قناعة السلفيّين. وهكذا، تفسير الطبري أفضل من القاسمي، وتفسير القرطبي أفضل من رشيد رضا.
ومقتل الفكر السلفي، في هذا المجال، في أنّه يحدّد فهم القرآن بعصر معيّن، ورجال وتفاسير محدّدين دون غيرهم، بينما المنطق الفعلي والحقيقي يقول ويؤكد أنّ التفسير ليس في العصر والرجال، ولا بالشخوص والرموز، أو بالوقائع؛ بل في التفكّر والتأمّل في الآفاق والأنفس… ليكون هذا التفكّر والتدبّر والتعقّل مرجع فهم القرآن. والقرآن طلب بذاته السير خارج النص فقال: سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق. وقال: “وتدبّروا… وتعقّلوا… وتفكّروا…”.
والسلفيّة عموماً، التي دائماً ما يحتكم إليها العقل التقليدي السلفي المكوّن من قوالب ثابتة، ونصوص جامدة، ومفسرين محددين، وأنماط تفكيريّة واحدية، تجعل كلّ المستجدات العصرية محكَمة (بفتح الكاف) من قبل هذا العقل بما يتماشى مع تقليديّته وسلفيته؛ فأيّ متغير جديد، أو أيّ مستجدات أو قضايا جديدة خرجت على المجتمع بحكم تبدّل التاريخ، وتغيّر المعطيات والمواقع والأدوار، لابدّ من أن تمرّ على محكمة العقل التقليدي (نص يفسره شخص عاش في الماضي، وقوله فصل، وحكمه مبرم يأخذ درجة القطعيّة فحسب بحكم انتمائه إلى زمن السلف الصالح)، فإنْ توافقت مع ما تعوّد عليه هذا العقل المستقيل، فإنّ مصير القضية برمّتها إلى القبول والموافقة العملية، وإن لم تتوافق فمصيرها إلى الردّ بعد عمليات التفسيق، والتضليل، والاتهامات الجاهزة بالتبديع والزندقة والخروج عن الملة والدين.

لا تعليقات

اترك رد