الوحدة الإنسانية ومنظورها الروحاني 3-2


 

إن ما أحدثته الشيوعية من دمار وخراب ماثل أمامنا لهو حقيقة تاريخية. ففي الإتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا ووسطها نرى ضحايا هذا النظام من أرتال الناس المخدوعين المجروحين المرعوبين الغاضبين؛ فقدوا ثقتهم بأنفسهم وبغيرهم أو بحكوماتهم. فالتكافل المصطنع الذي فُرض على مجموعات إثنية ودينية متنوعة في تلك البقعة الممتدة من العالم قد هوى وتلاشى في لحظة، والخلافات القديمة والتعصبات والأحقاد المدفونة تحت سياط القمع والقهر بقصد الإخضاع والإذعان قد طفت على السطح من جديد، كما أن آثار الدمار الذي نشاهده والأنظمة الإقتصادية المنهارة والحكومات الجائرة في جزء آخر من العالم لهي أمثلة أخرى على ما أحدثته من دمار تلك الأنظمة الإجتماعية المادية وما نتج عن تطبيقها. ومع ذلك، بالرغم من الدمار الهائل الذي أصاب تلك الأقطار فإنه من المثير حقاً، في هذه التجارب البشرية، أن تخرج الروح الإنسانية منتصرة في النهاية في وجه كل الجهود الرامية إلى إنكار وجودها وطمس مواهبها في التطور. ففي كل مكان؛ في البادية والحضر، في المجتمعات المتقدمة علمياً أو تلك العاملة بالزراعة، بين أعلى المثقفين أو الكتل البشرية المحرومة من العلم والثقافة، يمكن للمرء أن يشاهد الطاقة والقدرة الإنسانية على بعث الحياة والمغزى لمن لا حياة لهم ولا معنى عندهم لوجودهم. وعليه، ليس من المستغرب بمجرد أن وجد القادة المتنفّذون لتلك الإنظمة أنفسهم أمام تحدي ظهور مستوى جديد من الوعي عند أولئك الذين يرزحزن تحت نير حكمهم، انهار النظام بالكلية. بيد أنه لم تمضِ إلا فترة قصيرة من الإنتعاش الموهوم حتى عادت الأمور إلى سابق عهدها من المعاناة، وكأن تلك الشعوب قد وُضعت في حالة تجمد، وحالما بدأ الطقس في التحوّل سرعان ما برزت كل القضايا السابقة وأخذ الناس يطالبون بحلول جديدة. تكمن المأساة في كل ذلك أنه خلال هذه الحقبة المؤلمة من التاريخ فإن ملايين البشر قد ضُحِّيَ بهم على مذبح تلك المفاهيم الإجتماعية المختلفة (الإيديولوجيات)،

وضاعت أعمار عدد لا يحصى من الناس تحت نير القمع والإضطهاد والإستبداد. إلى جانب هذا وذاك، ورغم تلك الحقائق عن النظام الشيوعي الذي مورس في الإتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا وغيرها، سنغدو مُغْبِطين حق الإنسانية إذا لم نُشِرْ إلى أكثر المذاهب الفكرية تدميراً وإلى ممارساتها اللاإنسانية المتصلة بالدكتاتورية الفاشية والنازية التي اتخذت مكانها الفريد غير اللائق في صفحات تاريخ البشرية لتقدم لنا صوراً غاية في البشاعة عن بربرية الإنسان وما أحدثه من دمار وهلاك. أما الرأسمالية المادية فقد غرزت مخالبها السامة في جسد البشرية فشاركت في هذا الخراب بآثارها السّاحقة. فالمادية بكل ما تعنيه ما هي إلا وصفة ضد الحياة. فهي التي تضع البُعد المادي للوجود موضِع الصدارة، مما دفع العالم إلى البحث عن الحلول لجميع مشاكله ضمن الإطار المادي مركِّزاً على الخواص المادية للحياة، وأن قيمة الفرد بنظر المجتمع تُحَدّد بما يحققه من منجزات مادية، وبالتالي فإن مدى تقدم المجتمع وتطوره يُقاس بما تعلو سماء مدنه من أبنية شاهقة وما فيها من سيارات فارهة وثلاجات حديثة وما تملكه العائلات من أجهزة التلفزيون ثم مقدار الناتج القومي لتلك الأمة. أما نوعية الحياة التي نعيشها فتحظى منا بالقليل من الإهتمام، وبالكاد نفكر بالمآسي والأخطار التي تتهدد مجتمعنا؛ بالعدد المتنامي من المشردين، وناقوس الخطر من ارتفاع وتيرة العنف والإجرام، وانتشار ظاهرة الإدمان، وشيوع الأمراض التناسلية المعدية التي لا نراها فقط في الأزقة المُعدَمة والأحياء الفقيرة والثكنات البالية في مُدُننا وقُرانا، بل وفي بيوت الأثرياء وأحياء الطبقة الراقية والوسطى على السواء. فالمادية تعطي اهتماماً لما يمتلكه الناس وما ينتجونه أكبر من اهتمامها بنوعية الحياة. فمقياس تقدم المجتمع المادي ليس في تلك المعايير التي تُحدِّد مدى نجاح الأزواج والزوجات في تطوير المساواة بينهما، ومدى نجاح الوالديْن في تنشئة أطفالهما على المحبة والوحدة والأمانة والصدق ومختلف الفضائل الإنسانية، أو مدى نجاحنا في الحدّ ثم القضاء تماماً في النهاية على الأعمال البربرية المتمثلة في جرائم الإغتصاب والعنف ضد النساء والأطفال من أسرنا. كما أن هناك وجوه أخرى تنزِع إلى تجاهلها المجتمعات المادية من ضمنها تفشّي التمييز العنصري، وإشاعة الظلم، والغنى الفاحش، والفقر المدقع، والإنفاق على التسلّح، وتجارة بيع السلاح للأفراد والجماعات والدول المختلفة. والقائمة في ذلك تطول وتطول. إنها تبِعات أفرزتها المجتمعات المادية، فلا غرابة إذن أن تلك المجتمعات، رغم ما هي عليه من علم ومعرفة وثراء واعتنقت مذهب الرأسمالية المادية، تجد نفسها ضحية ذلك الداء العضال الذي أخذ يفتك بكل أنحاء جسمها. فنجد أن أمريكا الشمالية وغرب القارة الأوروبية واليابان والدول الأخرى، التي تتبنّى التوجهات والمفاهيم نفسها، إما أنها تمرّ بتلك الحالات المزرية إلى حدّ كبير أو أن بعضها في طريقه إلى ذلك المستنقع البغيض. فالمادية في تعريفها الشامل أمر مناف للروحانية (ضد الطبيعة الإنسانية) ولا يمكن أن يتعايشا معاً. ومع ذلك فإن الدين في المجتمع المادي قد يزدهر إذا ما حُوِّرت مقاصده واستُعمل سلعة من السلع، وهذا ما حدث بالضبط في كثير من هذه المجتمعات. فإذا جعلنا من الدين سلعة فلن يصبح إلاّ كأساً طافحةًً بالتعصب ومرتعاً للفرقة والنزاع وفضاءً للخرافات والترّهات خالياً من أي روح مُحْيِية. وظاهرة ثالثة ظهرت ونمت وتطورت نتيجة البُعد عن الحق وأقواله، وما ترتّب عليها من اضطراب ونزاع داخل النفس البشرية. تلك هي تصاعد غليان العنصرية والوطنية إلى درجة التطرف. فالنفس البشرية بطبيعتها بحاجة إلى من تعبده وتتوجه إليه، فإذا لم يكن الله وحده سيكون هناك “آلهة أخرى”: إله الوطنية وإله العنصرية وإله المجون… إلخ. فتلك الآلهة تعتبر مواليد خيال الإنسان، وقائمة على حب الذات وتمجيد الذات وإرضاء الأهواء النفسية التي خلقت تلك الآلهة. فبالتوجه إليها تتغذّى في محرابها كل مخاوفهم اللاعقلانية وعقائدهم غير المنطقية وتعصباتهم العمياء. فحالما تبدأ الإنسانية تعي وحدتها الجوهرية وتلمس مدى ثراء تنوعها كمصدر حيوي لها ولحياتها وتقدُّمها، ستكون عندها قادرة على أن تتخلى عن آلهة العنصرية والوطنية الجامحة، وفي النهاية سيدرك كل فرد فيها أن “الأرض ما هي إلا وطن واحد والناس سكانه”.

وتابعوني في الجزء الثالث والأخير من هذا المقال……..

لا تعليقات

اترك رد