تأمّلات في كتاب : التّيجان في ملوك حمير

 

كتاب التّيجان في ملوك حمير:

ألّف الكتاب مرّتين ، الأولى حين رواه وهب بن المنبّه ، والثّانية حين جمعه ابن هشام ورتّبه على النّحو الذي بلغنا . ويتألّف من مقدّمة وقسمين متفاوتين طولاً أو تكثيفًا .، يفتتح الكتاب بالبسملة وطلب اليُسر والعون من الله تعالى . وهو ما من شأنه أن يضفي على القصّ طابعا إسلاميًا يؤكّد أنّ الكتابة القصصيّة في هذا الكتاب لن تكون مرجعيّة موضوعية ، وذلك لتدخّل الرّواية الإسلامية فهي عمدة التّخييّل فيه .

وحينما نبحث في مصادر القصّ في هذا الأثر ، نتبيّن في الفقرة الأولى الواردة في صدر الكتاب أنّ وهبا رجع إلى كُتب عديدة ومن المرجّح أنّها كانت متداولة في موطنه اليمن وفي أرجاء شبه الجزيرة العربيّة ، وغالب الظّن أنَّ وهبًا استقى أخبار قصّة الخلق والتّكوين من ثقّافة رائجة تنفتح على تراث الشّرق القديم ّ { التوراة ، البابلييّن } . ولكن ماهوموضوع قصّة الخلق والتّكوين : يبدأ وهب سلسلة قصصه بقصّة الخلق ونشأة الإنسان ، ويمكن أن نختزلها في المسار الآتي :

1 الخالق هو الله تعالى
2 الحالة قبل الخلق : ماء يغمّ كلّ شيء لا أرض ولا سماء ولا بشر .
3 عملية الخلق : اضطراب الماء ، هيجان الماء ، زبد يعلو الماء ، خلق البحر والحوت من ذلك الزّبد ، ميلاد الأرض : خلق الجبال واليابسة ، خلق السّماء : خلقت من دخان ، سموات سبع ، خلق الشّمس والقمر والنّجوم ، خلق الجنّة وتعميرها بأجناس من الملائكة ، خلق النّار بعد الجنّة بألف عام ، ومن شرر النّار خلق الله تعالى إبليس والجان ثمّ أسكنهم الجنّة ، طرد الجان باستثناء إبليس إثر طغيان بعضهم على بعض ، خلق آدم من طين .

خلاصة القول :
إنّ قصّة الخلق والتّكوين في كتاب وهب بن المنبّه ، قصّة مائيّة تستعيد القصص السّابقة والأساطير القديمة من ذلك نذكر الأسطورة السّوماريّة للخلق وقصّة التّكوين للتوراة . والأسطورة السّومارية هي أقدم أسطورة وتختزل مراحل الخلق في :

لا وجود في البدء إلاّ للمياه التي سوف يصدر عنها كلّ شيء وكلّ حياة ، وهذه الحياة الأولى رمز إليها السّوماريّون بالآلهة نمّو، التي كانت فريدة ولا أحد معها في وسط هذه المياه الأولى ظهرت اليابسة على هيئة جبل ، ومن لقاء الجبل بالقبّة أو بالسّماء نشأ الهواء وهو العنصر الثّالث بعد المياه والتّراب ، ميلاد القمر ، ميلاد الشّمس ، خلق الإنسان من طينة خلطت بدم الآلهة . تؤكّد قصّة الخلق والتكوين أنّ آدم لم يخلق إلاّ بعد ما توفّرت الظّروف الملائمة في خلقه ، فقد خلقت الشّمس وتولّد عنها الدّفء ، وظهر النّبات والحيوان ، إذن تُماثل هذه الأسطور قصّة الخلق عند وهب إذ ثمّة تسلسل منطقيّ يجعل كلّ مرحلة تُمهّد للمرحلة الموالية .

ولكن ماهي قصّة الخلق التوراتية ، وماهي مراحلها ؟
جاء في الإصحاح الأوّل : في البدء خلق الرّب السّموات والأرض ، وكانت الأرض خاربة وخالية وعلى وجه الغَمْرِ ظلمة وروح الرّب ترفرف فوق وجه الماء . قال الرّبُ : { ليكن نورٌ فكان نورٌ } .

خلاصة القول :
تتوافر قصّة الخلق التوراتية على المراحل التّالية : ظلام أوّلي ، خلق النّور ، خلق السّماء ، خلق الأرض ، خلق الكواكب المنيرة ، خلق الحيوانات والنّبات ، خلق آدم وإسكانه الجنّة . وجامع القول أنّ النّص التوراتي مثل الأساطير السّابقة يتّفق مع ما جاء في كتاب التّيجان في بداية الخلق ونهايته ، فهما يتّفقان في الحالة السّائدة قبل الخلق والمتمثّلة في سيالة المياه ويتّفقان في اعتبار خلق الإنسان آخر عمليّة في سلسلة الخلق .

إنّنا وجدنا وهبا بن المنّبه قد جعل لحدث الخلق بداية ووسطا ونهاية ، ويمثّل هذا الثّالوث أقدم الحبكات القصصيّة . فهو يتعامل مع حدث الخلق تعاملاً فنيًّا أدبيًّا ، فيجعل لهذا الحدث بداية ووسطا ونهاية ، ويحوّله من طور إنجازي غير قابل للتّعقّل إلى طور قصصيّ قابل للتّعقّل . ممّا يجعل التّخييّل في هذا الكتاب يمثّل شكلاً فنيًّا ، إذ الرّاوي لا يحكي الحدث في حدّ ذاته وإنّما يتأوّله بفعل القصّ .

ولكن ما هي قصّة الفردوس المفقود ؟
يهتمّ وهب بن المنبّه بخروج آدم وزوجته من الجنّة ، ويجعل الأحداث تتوالى مقتبسا جلّ مسارها من القرآن الكريم ، فيذكر خلق حوّاء من ضلع آدم اليُسرى وتعليم آدم الأسماء بكلّ لسان نطقت به ذرّيته ، وعصيان إبليس لأمر الله تعالى بالسّجود لآدم ، وما تبعه من غضب ربّانيٍّ ولعنة لحقت إبليس المستكبر . وقد اعتم وهب بن المنبّه على القرآن مصدرا للقصّ :{ يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشّجرة } البقرة/24 . وركن وهب بن المنبّه في هذه القصّة إلى مصادر متنوّعة يتصدّرها القرآن ، وحسبنا أن نؤكّد هذا الأمر بشاهدين بالاقتباس وبظاهرة التّناص بين القرآن والقصّ ، إلى جانب القرآن مصدرًا قصصيًّا ، نجد قصصًا أخرى تنتمي إلى التّراث الإنساني والشرق القديم . فقد عبّرت شعوب عديدة بأشكال مختلفة ومتشابهة في آن عن هذه القصّة . وتعتبر أسطورة السّقوط البابليّة من أقدم الأساطير التي وصلتنا عن الفردوس المفقود . إنّ آدبا في هذه الأسطورة هو الإنسان الأوّل الذي خسر الخلود بسبب خطيئة اقترفها ، ولا يخفى ههنا ما بين آدبا البابلي وآدم التوراتي والقرآني من تشابه . ولكن ما يهمنّا من هذا المصدر ليس التّشابه بين القصص ، وإنّما انفتاح القصص في كتاب التّيجان على مصادر قديمة قدم الإنسانية من شأنها أن تشدّ القصّ إلى زمنيّة أولى تسمّى في الأدبيات النّقدية القديمة التي تدرس النّصوص الملحميّة بالماضي الملحمي ، وهو زمن منفتح على مجموعة من القيم تتصدّر أعلى درجات السّلمية ، فكلّ ما في هذا الزّمن يتّصل بالإطلاق والنّموذجيّة ، وهتان الصّفتان تنشّطان البعد التّخييليّ في كتاب التّيجان .

إنّ تعدّد مصادر القصّ في كتاب التّيجان يسمح بتعدّد الأصوات السّردية ومن وراء هذا التّعدّد تتعدّد وجوه التّخييّل ، فمن حقّنا إذن أن نتحدّث عن تخييّل توراتي وتخييّل قرآني وتخييّل بابلي ، فضروب التّخييل هذه تحوّل النّص إلى ساحة تتصارع فيها الأصوات القصصيّة . كما نشير إلى الطّابع الإسلامي الذي وسم قصّة الفردوس المفقود والدّليل على ذلك أنّ المقارنة بين قصّة الفردوس المفقود التوراتية وقصّة الفردوس المفقود القرآنية مختلفتان في بعض التّفاصيل ، ونستجلي ذلك من مآل آدم وحوّاء بعد طردهما من الجنّة ، والتّفاصيل التي تشكّل ملحما فارقًا بين القصّتين ، فيمكن أن نذكر مثلا أنّ الشّيطان هو الذي أغوى حوّاء بالأكل من الشّجرة المحرّمة ، ولكن تذكر التّوراة أنّ الحيّة هي التي قامت بمهمّة الإغراء ، وبذلك تلعب شخصيّة الشيطان دورا أساسيًّا في البناء الدّرامي لقصّة الفردوس المفقود القرآنيّة ، أمّا في القصّة التّوراتيّة فالحيّة هي التي تنهض بهذا الدّور ، وهنا نشير إلى الاختلاف الحاصل بين كتاب التّيجان والتّوراة في تصوير مصير آدم وحوّاء بعد خروجها من الجنّة ، ويحرص وهب بن المنبّه على أسلمة القصّ اعتمادًا على القرآن ، فإذا القصّ يصبح مع هذا الحرص نوعا من التّحليل السّرديّ لبعض الآيات القرآنية ، أو يتحوّل إلى ضرب من القصص القرآني . ولكن ماهي قصّة نوح والطّوفان ؟

قصّة نوح والطّوفان :
من أهمّ مراحل تاريخ الجنس البشريّ التي يسردها وهب بن المنبّه مرحلة الطّوفان ، وقد ذكرها عندما وصل به الحديث إلى النّبي نوح ، هذا يؤكّد أنّ الرّاوي يعتمد في القصّ بناءا قصصيا أساسه التّدرّج الغرضي المتسلسل لأبناء آدم ، ونعني بالتّدرج أنّ أغلب الشخصيات إن في والجدير بالملاحظة الملك يمثّل وحدة غرضيّة يجري عليها القصّ ،الغرضي أنّ اسم النّبيّ أو القسم الأوّل من الكتاب { القصّ الدّيني } ، أو في القسم الثّاني منه { القصّ البطولي } تتّصف بالحكمة والنّبوة ولعلّ الغاية إثبات انحدار نسل ملوك اليمن من أصل آباء الأنبياء ، وهي نزعة فخرية القصوى التي ينشدها الرّاوي هي التّمجيد ، فهو يريد تتوافق مع ما نجده في شعر المدح حيث يسعى كلّ شاعر مدّاح إلى إثبات عراقة نسب الممدوح .

الطّوفان بهذا المعني يصبح ولقد جاء الطّوفان عقابا من العناية الإلهية لقوم نوح بسبب كفرهم وتنكيلهم وسخريتهم من النّبي ، فهو تطهير للأرض ممّا ران عليها ، ولكنّ هذا لا يمنعنا من الإشارة إلى وجه آخر للطّوفان في هذه القصّة ، معاقبة لأهل السّوء هذا الفعل ينهض بوظيفة الانتقاء أيّ انتخاب سلالة مميّزة تستمرّ بها الحياة ، وهذه السّلالة هي سلالة النّبي من شوائب ، كما أنّنوح . لا تخلو هذه القصّة من أبعاد تخييليّة نستجليها من خلال حضور نزعة أسطورية تظهرها بعض التّفاسير كتفسير السّواد ناء النّبيّ نوح ، ففي حين يرتدُّ السّواد إلى مبدإ الوراثة والمناخ ، يرى الرّاوي أنّ هذا الذي طرأ على بَشرة ذريّة حام أحد أبالسّواد مبعثه دعوة النّبي نوح على ابنه حام الذي وطأ أهله في أحد الأشهر الحرم .

خاتمة للباب الأوّل { القصّ الدّيني } :
خصصّ وهب بن المنبّه القسم الأوّل من كتاب التّيجان للتّأصيل لملوك حمير ، فمقصده ليس الحدث الدّينيَّ في حدّ ذاته أو فموضوع الكتاب الرئيسي هو تمجيد أن يجري على ما تعارفته العربُ من إعطاء الاعتبار للنّسب . ، بل الاتعاظالاعتبار أو مجد للعرب إلاّ بالنّسب الشّريف ، لهذا ملوك بني حمير بذكر أخبارهم وسيرهم ومعاركهم وبطولاتهم ، وثرواتهم الفاحشة ، فلا أصّل الرّاوي { ابن المنبّ } هذا النّسب بالعودة إلى قصص قديمة { قصّة الخلق ، قصّة الفردوس المفقود ، قصّة نوح والطّوفان بدرجة أولى بماهو ، قصّة قابيل وهابيل } . لاحظنا في هذا القسم الأوّل أنّ مصادر القصّ متنوّعة ، فالرّاوي ينهل من القرآن

أحد أشكال المادّة القصصيّة الأولى عند المسلمين ، كما أنّه استدعى التّراث القصصيَّ الرّائج في الجاهلية نقصد القصص التوراتية والأساطير البابلية والآشورية ، ولعلّ الغايات القصوى التي يتقصّدها وهب بن المنبّه هي :

مير ، وقد استدرجه هذا التّتابع النسبيّ إلى عقد الصّلة بين نسل ملوك بني حمير من جهة تأكيد عراقة نسب ملوك بني ح 1وخاتم النّبييّن عليه الصلاة والسّلام من جهة أخرى ، فكلاهما ينتسبُ إلى سام ابن نوح ، حتّى أنّ جبرائيل عليه السّلام سبق أن إنّ القسم الأوّل من الكتاب { القصّ الديني } لا يخلو من أخبار الصّراع .بشّر نوحا بولادة النّبي محمّد عليه الصلاة والسّلام الذي احتدم بين فصائل عديدة من ذريّة نوح وخاصّة بين قوم عاد وقوم قحطان من أجل السيّطرة على بلاد اليمن ، وقد انتهت يما جنوبها ، وبذلك يبدأ التّاريخ الحميريّ هذه الحروب بانتصار القحطانيين وفرض سيطرتهم على شبه الجزيرة العربية ولا سويبدأ معه نمط ثان من القصّ نسمهُ بالقصّ البطوليّ ويتبعه قصّ آخر نسمه بالقصّ العاطفيّ .

ولكن ما هي سمة البناء القصصيّ في القسم الثّاني من الكتاب ؟
البناء القصصي في القسم الثّاني من الكتاب :
يمتدّ القسم الثّاني من الصّفحة 51 إلى آخر الكتاب . ولا يمثّل كتاب التّيجان في هذا التّقسيم قصّة بالمعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة ، فهو لا يخضع لمبدإ التّركيب الموحّد { وحدة مكانية وحدة زمانية وحدة الحدث وحدة الغرض وحدة الشخصيّة } ، فهذا الكتاب لا يعرض علينا بطلاً واحدا أو شخصيّة معيّنة تتحرّك في فضاء مكانيّ وزمانيّ واحد ، وتسير بالحدث صوب نهاية مقدّرة . فهناك في حقيقة الأمر مجموعة من الوحدات القصصيّة ، إذ أنّ الشّخصيّة الواحدة تكاد تستقلّ بعينها وهذا من شأنه أن يجعلنا إزاء نوع من القصّ يشبه القصّ الملحميّ ، فملحمة الشّاهنامة { أيّ كتاب الملوك } تتوزّع قصصيًّا على وحدات كبرى ، تفردُ كلّ وحدة بملك بعينه ، تجعلُ القصّ يردُ في صيغة التّأريخ لنسب عائليّ واحد . ومهما يكن من الأمر فهناك قصّة كبرى تؤلّف بين الوحدات القصصيّة الصّغرى ، يمكن أن نسمّيها بقصّة تاج ملوك بني حمير . أمّا مبدأ الوحدة فيمكن أن نظفر به في وحدة المجموعة البشرية التي أطلق عليها وهب بن المنبّه لقب بني حمير ، ويمتدّ نفوذ هذه العائلة على كامل الجزيرة العربيّة .

بعينه } ترتيبا تاريخيا رُتّبت الوحدات القصصيّة الصغرى ، نعني بالوحدة القصصية في هذا الكتاب { الصّفحات المفردة لملك ينطلق من عهد بني حمير ويمتدّ على أحقاب طويلة لم يحدّدها الرّاوي تحديدا دقيقا ، وذلك لأنّ الهاجس التّأريخي في هذا الكتاب ولكن ماهو القصّ البطولي في القسم الثّاني من الكتاب ؟ لا يتقدّم الهاجس القصصي .

القصّ البطولي :
البطولة قيمة عربيّة أصيلة تغنّى بها العرب بواسطة الشّعر في أغراضه المتعدّدة ، وقد مدح العرب بطل القبيلة وفارسها بمجموعة من الفضائل الأخلاقيّة والخلقيّة ولكن للبطل صفات أخرى في كتاب التّيجان فماهي ؟

إن ّ التّعريف بالبطل في النّص القصصي في كتاب التّيجان يتحقّق بتحديد نسبه ، فللنّسب قيمة مقدّسة ، ومعيار يعلو كنجم في سماء القبائل . فالبطل الحميري شريف النّسب ينحدر من نسل آباء الأنبياء ، ونزول يعرب بن قحطان أحد حلقات النّسل الشّريف باليمن كان بأمر ربّاني مبارك ، إنّه أصل البطل الحميري الذي يعبق بالبركة والقداسة والرّفعة ، عراقة تصحبها أحيانا

سمات ازدواجية الانتماء وحسبنا أن نضرب لهذا مثلا الملكة بلقيس فهي كما بدت في الكتاب تنتمي إلى الثّقلين ، فمن أبيها إنسيّة ومن أمّها جنيّة ، فهي جامعة لخصائص الإنس والجنّ وبذلك صارت شخصيّة مفارقة .

إنّ البطل الحميري المزدوج الأصول قادر على فعل المغامرات واختراق السّائد والمألوف وصنع العجائب ، وإنّه بطل متجاوز مقولتي الزّمان والمكان ، وعابر لذهنية القارئ ومخياله ، يزرع الدّهشة ويثير العُجب والتّساؤلات ، ويزرع اليقين باقتداره ، فهو الشّريف سليل الأنبياء يمتلك ناصية القول والفعل ، وكلّ هذه الصّفات تجعله في المرتبة العليا من غير جنس البشر ، إنّه بطل تدعمه القوى الغيبيّة النورانية الملائكية والجنّ والأنبياء المرسلين ، فيقتل باسم الحقّ والواجب ويخوض الحروب ، وفاء لجوهر الرّسالة التي يحملها ويضطلع بها ، صفات البطل الحميري بما عبّر عنه فيليب هامون بالصّفات التّفارقية ، فهو يضطلع بما يعجز عن عتاة البشر وعمالقتهم ، وهي صفات موهوبة من العناية الرّبانية التي اصطفته وحمّلته الرّسالة المقدّسة , إنّها رسالة تحدّدها القوى الغيبيّة التي توجّه البطل وتأمره بفتح البلدان والتّوغل فيها لنشر التّوحيد ، فهذا موسى الخضر يأمر ذا القرنين : { خذ بيدك سيف الله فإنّه ليس له دافع ولا لنصله مانع } فرسالة البطل رسالة دينيّة لنشر الدّين ، ويتنقّل شرقا وغربا شمالا وجنوبا ، رحلات لا يكلّ فيها ولا يملّ ، إنّه بطل مغوار عجائبي غير آدمي في استعداداته ، تسكن فيه طاقة مفارقة عمادها الحكمة والصّلابة ومتانة العقل ، كائن فوقي يدخل الأودية كوادي الرمل ووادي النّمل ووادي الياقوت ، ويكشف القصّ عن مشهد عجائبي تبدو فيه الصّخرة البيضاء كادت أن تذهب بالأبصار لشدّة بريقها ولمعانها وضيائها المنقطع النّظير، وقد قبعت فوقها النّسور آكلة من لحم أبناء الأنبياء ، وهكذا فالبطل الحميري كما نراه هنا في شخص ذي القرنين يمرّ بشعوب وأمم متفرّقة ومختلفة وبلدان وركبان ، وهي أنماط بشرية غريبة وعجيبة ، غرابة شكله وكيانه وتكوينه الفيزيائي والذّهني والعقديّ ، فهؤلاء قوم صمّ وأولئك بكم والآخرين سود وأعينهم زرقاء ، وآخرين بآذان طويلة كأذان الجمالات ،وآخرين منهم وجوههم كوجوه الخنازير ، وهي قصص مستمدّة من فعل القراءة الذي قام به وهب بن المنبّه ، وهذا ما يفيد بأنّ هذه القصص موجودة في مصادرها الأصلية { قرأت } ، وأمّا صياغتها فتعود إلى صاحب هذا الخبر ، وهنا تتشكّل ثنائيّة المرجع والتّخييّل ، وفعل القراءة مرتبط بمنزلة وهب بن المنبّه المعرفيّة والإخباريّة ، فالرّجل كان من أهل العلم في عصره ، وله معرفة بكتب الأوائل ، وهو إخباريّ قصصيّ ، إذ يعدّ أقدم من كتب في الإسلام ، وكان ممّن قرأ الكتب وواظب على العلم وتجرّد للزّهد ، وصنّفه أصحاب السّير ضمن الطّبقة الثالثة من التابعين ، ولا يخفى ما لهذه المنزلة من قيمة هامّة في إكساب الخبرَ مصداقيّة .

وهكذا يمتدّ التّواصل بين البطل الحميري والقوى الغيبيّة مناما ، لينال الأفكار السديدة والتّوجيهات بل الأوامر الغيبيّة ، إذ تلوح الرّؤى المرشدة لتوضّح له مسار غزوه وتحقّق له الأمان ، وتمنحه الحكمة كلّ ذلك يأتيه في النّوم أيّ عند مفارقته لعالم الكون والفساد ، فيتلقّى التّوجيهات والأوامر ، فيسعد عند يقظته ويقود الجيوش والعساكر النملية العدد ، ولكن هل استطاع أن يشرب من ماء الخلود ، فيخلد ؟

لقد عجز هذا البطل في التّخلص من آدميته وترابيته ، ولقد صدق فيه القول { ما استتر من قاد الجمل } ، فهو من آدم وآدم من تراب ، ولكنّ البطل الحميري تاق مرّتين إلى الخلود مغترّ بمقدرته العقليّة والبدنيّة وعلّو شأنه ، أمّا المرّة التي تاق فيه إلى الخلود فهي عندما بلغ مغرب الشّمس فصادف الصّخرة السّحرية وحاول أن يجعل منها معراجا يمضي به إلى عالم السّماء والخلود ، إلاّ أنّ الصّخرة أبت عليه وتقعقعت ، أمّا المرّة الثّانية فحين أدرك ذوالقرنين مطلع الشّمس المشرف على أرض

الملائكة ، فوجد ملاكا نافخا في الصّور كُلّفَ بتذكيره بالفناء . وهنا يلحّ وهب بن المنبّه على فكرة الفناء وحتمية الموت في قصصه ، وقد بلغ هذا الإلحاح درجة التّأثير في الحركة القصصيّة في كتاب التّيجان ، ولا سيما الحركة النّفسيّة المعتمدة في بناء الشّخصيّة وتتمثّل هذه الحركة في قيام شخصيّة البطل على حدّين متناقضين : القوّة والضّعف ، الإرادة والعجز ، فهو يصعد إلى المراتب إلاّ أنّه ينكسر وينتقل بهذا الانكسار من مستوى مشابهة الخالدين إلى مستوى البشر الفانين ، وتولّدت عن ذلك نزعة زهديّة وتذّكير بالموت ويبرز ذلك في رثاء ذي القرنين لنفسه حينما أعلمه موسى أنّه فان لا محالة . ولقد خصّص وهب بن المنبّه قصيدة في رثاء ملوك حمير جاءت على لسان قسّ بن ساعدة . وممّا يثير انتباه القارئ أنّ هذا النّفس التّفجّعي الرثائي يجرّ الرّاوي إلى التّأملات الماورائيّة والأخلاقيّة ، ممّا يؤكّد من جديد أنّ التّخييّل في هذا الكتاب لا يأتي لغاية الإمتاع وإنّما ينعقد بالأساس على غايات اعتباريّة . فالتّخييّل القصصي في كتاب التّيجان انطلاقا من بناء السّند وترتيب الوقائع وانتقاء الصّفات واختيار الأعمال يشدّ الكتاب برمّته إلى فنّ القصّ .

و ما هي المصادر التي نهل منها وهب بن المنبّه فنّ القصّ في كتابه التّيجان في ملوك حمير ؟
المصادر التي نهل منها وهب بن المنبّه فنّ القصّ في كتابه التّيجان في ملوك حمير هي :

الكتب السّماوية { النّص القرآني } ، وبعض ما توفّرت عليها من قصص مثل قصّة خلق الجنّة والنّار :المصدر الدّيني والأرض والسّماء وآدم وحوّاء ، وكلّ مكوّنات العالم الدّنيويّ والأخرويّ ، فالخبر استقى مصادره من الكتب السّماوية التي أنزلها الله تعالى على ا،بيائه ، وبذلك فالمصدر الرّئيس للقصّ في هذا الكتاب هو ماجاء في الكتب السّماوية ، فالخبر موثّق ومشدود إلى المرجع الدّيني ، والهدف من ذلك هو الإقناع بمصداقيّة الخبر وهنا تحديدًا يتراجع التّخييّل ويخبو صوته .

القصّ من خلال بعض المقولات الفلسفيّة يحضر هذا المصدر في تأصيل كيان البدايات الأولى لفنّ المصدر الفلسفي : { لذلك زعمت الفلاسفة أنّ الله خلق الإنسان } .

ضمن تاريخ تكوّن لةمنزّفحضور المصدر التّاريخي بديهي لأنّ هذه المصادر هي في الأصل المصدر التّاريخي : العالم .
في ما تتمثّل سمات القصّ في كتاب التّيجان ؟ولكن تتمثّل سمات القصّ في كتاب التّيجان في :

فالنّصوص في أغلبها قائمة على السّرد سرد الأفعال ويشدّ هذه الأفعال منطق السّببيّة { العلّية تعليل الشّيء } السّرد : و العجائبيّة أيضًا مثل ركوب إبليس للحيّة .
وصاف . وصف آدم مثلا حين خروجه من الجنّة ، ووصف حوّاء إلى آخره من الأ: الوصف

، والرّاوي ليس بالضّرورة هو مؤلّف هذا الخبر ، وإنّما هو راوٍ من داخل هذا الخبر صادر عن راو محدّد : الصّوت السّاردالحكاية التي يتضمّنها الخبر .ومن هنا فالخبر يروى بوصفه حكاية تتوفّر على مظاهر قصّ معيّنة {أمكنة ، أزمنة ، شخصيات}

، فالسّند علامة الخبر المميّزة والمحسوسة ، وهو عنصر أساسي في بنية السّندوهو أن تكون سلسلة الرّواة مكتملة المرجع :الخبر ويعدُّ من أبرز المرتكزات التي يشترط توفّرها في هذا النّوع الأدبي ، وتقود جذور هذه البنية { السّند والمتن} إلى الحديث ولقد ظلّت هذه السّمة الدّينية مؤثّرة في أسانيد الإخبار بعد من الدّين ، ولولا الإسناد قال من شاء ، النّبوي ، لذلك قيل الإسناد . فصار انتقالها من حقل الدّين والتّاريخ إلى حقل الأدب ، لأنّ الهدف من العناية بالإسناد والتّحري فيه هو البحث عن المصداقيّةهذا البحث كالسنّة المفروضة التي بها تكتمل صحّة المتن { التّنوخي ، الأصفهاني ..} ، ثمّ لأنّ السّند هو السّبيل الأمثل للتّثبت من صحّة المروي ، وطالما أنّ السّند جزء أساسيّ من بنية الخبر فبإمكانه أن يَسِمَ المتن إمّا بالتّوثيق أو الأدبيّة ، غير أنّه ليس المعطى الوحيد الدّال على طبيعة الخبر ، إذ ينبغي أن يسانده في ذلك المتن ، فالسّند مفتاح من مفاتيح الإخبار ومصطلح من مصطلحات قراءتها ، سواء كان ذلك من منظور تاريخ الأدب أو تاريخ الأفكار أو حتّى من حيث إنشائيّة الخبر ، وتتوفّر في الكتاب قرائن تسعى إلى إكساب الخبر قيمة وثائقيّة تهدف إلى دفع المتقبّل أن يصدّق ما يروى من قصص ، وتتمثّل هذه القرائن في سعي الرّاوي الأوّل وهو وهب بن المنبّه إلى ذكر المصادر التي استقى منها الخبر ولإن اكتفى بذكر سلسلة الرّواة التي تناقلت الخبر مقتصرا على الأسماء لا غير ، فإنّ ذلك لا يحدّ من مصداقيّة الخبر لأنّ وهب بن المنبّه يروي عن أعلام عصره { أسد بن موسى ..} هذا بالإضافة إلى منزلة ابن المنبّه المعرفيّة والإخباريّة فهو من أهل العلم في عصره له معرف بالكتب القديمة ، وواظب على العلم درسا وتمحيصا وتجرّد للزّهد ، و صنّفه أصحاب السّير ضمن الطّبقة الثّالثة من التّابعين ولا يخفى ما لهذه المنزلة التي يحضى بها من قيمة هامّة في إكساب الخبر مصداقيّة ، كما نشير إلى أنّ الخبر مستمدّ من كتب موثّقة هيّ مصادر دينيّة متعدّدة ، وهي كتب سماوية منزّلة على أنبياء ، وعلى الرّغم من أنّ هذا السّند جاء موثّقا بالأسماء وهي معروفة تاريخيًّا ، فإنَّ الرّواي الأوّل { وهب بن المنبّه } يعمد في ثنايا المبنى إلى السّند المطلق { قالوا ، زعم بعض أهل العلم ، زعم ولكن إلى مدى هذا الخبر وترسيخه في واقعه التّاريخي ، بعض أهل الفلسفة }. ولذلك فإنّ ذكر سلسلة الرّواة مفيد في تأصيل ينتمي هذا النّص إلى جنس الخبر ؟

هنا نتحدّث المتن ، وتقتضي منّا دراسة المتن تطويع الخبر إلى ثنائيّة { الحكاية والخطاب } غير أنّنا في هذا النّص سنهتمّ بمصادر القصّ كما حدّدها وهب بن المنبّه ، وإنّ اللاّفت في متن هذا الخبر أنّ قصصه مستمدّة من نصوص سماويّة منزّلة ، فعل القراءة الذي قام به وهب بن المنبّه ، وهذا ما يفيد أنّ هذه القصص موجودة في مصادرها وهذه القصص مستمدّة من الأصليّة { قرأت } ، وأمّا صياغتها تعود إلى صاحب هذا الخبر { وهب بن المنبّه } ، وهنا تتشكّل ثنائيّة المرجع والتّخييّل .

موجز خاتمة وتلخيص :
على سبيل الخاتمة وليس غلقا إلى الأبد ، لا يمكن للقارئ وهو يجول بين قصص كتاب التّيجان ودوراته الملحميّة أن يعشو المرجعيّة والتّلبس بالقصّ التّخييلي . فعلاقته بالتّاريخ أو والرّواية بين الانشداد إلى الكتابة بصره عن توزّع طريقته في الكتابة ره كلاما على ما كان من أمر الملوك التبابعة { ملوك بني حمير } ، أوليس التّاريخ كلاما على ما وقع ؟ إلاّ المرجع بيّنة باعتبا

أنّه في مقابل هذا الطّابع المرجعيّ لا يخلو قصصه الدّيني والبطولي والعاطفي من المبالغة والتّهويل ، والعمل السّردي وسائر تسوس القول المرجعيّ حتّى يتراجع عمل إحالته على الواقع غير اللّغوي المنقضي من الصّيغ القصصيّة وضروب التّفنّن التيشخصيات وأفضية ووقائع ، ومن ثمّة يغدو القول تخييلا لا يحيل على واقع حقيقيّ بل على واقع مُتخيَّلٍ أيّ يمكن أن يقع أو قد ننا وبينها وشخصيات عجائبيّة لا نمتلك إلاّ تسميتها يفارق الواقع بفضل حضور مصادر قصصيّة متنوّعة انقطعت السّبل بيكإبليس والملائكة .

مهما يكن من أمر درجة قرب التّخييل من الواقع أو بعده عنه ، فإنّ القصد من تأليف كتاب التّيجان لم يكن التّحقيق والتّأريخ ، و الذي نجده لدى الطّبري ـ على أنّ هذه الطّريقة في وجلاء غياب هذه القصديّة ، غياب التأريخ الميقاتي والحولي على النّحالتّأريخ { التأريخ الحولي } لا تسلم هي الأخرى من التّخييل والتّحوير ـ وحسبنا أن نستشهد بعدّة مسائل وهي تنويع مصادر الدّيني والقصّ البطولي القصّ ، تسريد آي القرآن ، تعدّد مراتب التّحمّل في الخبر وتنوّعها ، ملامح الشّخصيات في القصّبالإضافة إلى علاقاتها فهي جميعا تقوم على مبدإ التّحويل ، بما يضمن للقصّ حظًّا من الأدبيّة والطّرافة يجعل القصّ ممتعا ، اصطباغ القصّ من خلال حركة الشخصيات { إرادة وعجز في قصّة ذي القرنين وقصّة ميّ ومضار} بطابع مأساوي تأكّد في القصّ العاطفي والبطولي ، طابع ملحمي توضّحت معالمه من خلال رسالة البطل وملامح بطولته ، وفعله بصفة خاصّةالمتراوح بين مقتضيات الرّسالة الدّينية والرّسالة القوميّة .

{فلان والكتب سعى ابن هشام في خطبة الكتاب / فاتحة الكتاب ومقدّمته ، إلى ضبط منابت القول ومصادر الرّواية } فلان عنهذا الأمر لا يعدو أن يكون أحد التّنويعات الممكنة على الموضوعيّة أو المرجعيّة التي و التي أخذ عنها وهب بن المنبّه قراءة ، دّثنا يوهم بها المؤرّخ عادة ، والحقيقة أنّه لا يمكن أن يفي الحقيقة حقّها مادامت الوثائق تعوزه ، ومادامت الكتب السّماوية التي حعنها واعتبرها مصادر قصّه هي من قبيل الّوح المحفوظ ، فالكتب التي أخذ عنها هي من صحف الأوّلين لم يطّلع عليها ابن ، زد على ذلك أنّ طابع الرّواية والشّفوية يُدخلان على القصّ الشيء الكثير من التّصرّف . مهما هشام وكذلك وهب بن المنبّه ن المرجع والتّخييل فإنّ القصّ في كتاب التّيجان شأن سائر ضروب القصّ ينهض على مبدإ المشاكلة يكن من أمر المراوحة بيالذي يقتضي أن يروي السّارد ما يمكن أن يكون مشتركا بينه وبين القارى الممكن .

لا تعليقات

اترك رد