حميد يا مصايب الله


 
حميد يا مصايب الله

بعد أن قامرت بكل ما تملك وأحرقت جميع سفنها ودخلت في اختبار قاس بالغ الصعوبة بين أن تكون أماً أو أن تكون عاشقة.. جدلية رهيبة بين العشق والأمومة، وحين اختارت الذهاب بعيداً مع العشق وتلبية نداء القلب، قال الكثيرون عن خيارها هذا أنها فقدت عقلها.. وأنها كانت في حالة تشبه غياب الوعي والتخلي عن العقل بشكل نهائي، والوقوع تحت مسّ من جنون الحب.. في مجتمع بسيط تتحكم فيه التقاليد العشائرية والدينية والأعراف الثقيلة التي لم تترك أي هامش للحريات الشخصية وفي مقدمتها الحب.. الذي يعتبر فسقاً وبدعة وخروجاً عن المألوف والمتعارف عليه، إذ إن ميكانيكية المجتمع تتحرك على الأغلب بروح وتقاليد الأسلاف، في إطار منظومة اجتماعية يتحكم فيها الإقطاع والعشيرة، وما الدين إلا ضابطاً في الأمور الجوهرية والأساسية، لم يكن هناك أي حدود شخصية أو رفاهية معترف بها وعلى وجه الخصوص في أمور العشق والحب، سوى الخلوات السرية المحدودة جداً التي يتيحها العمل كجلب الحشائش والحصاد والرعي بقطعان الماشية، وسط هذا العالم الذي يبدو فيه الجميع بذات المصير الذي يطلق عليه هنا في هذا العالم بالقدر. ولدت وترعرعت وعشقت وتعذبت وكبرت مع همومها، هذه الأم التي كانت شابة جميلة مرحة تعشق الشعر والغناء، ولا تكف عن ترديدهما بين صويحباتها كما يقال.. بمناسبة أو بغير مناسبة فهي عاشقة جبلت روحها على العشق وتشرب طبعها بالهوى.. عاشت بصمت كبير قصة حب كبيرة.. استمرت لسنوات كبيرة أجهضها أهلها بعد رفض من تحب.. على الرغم من أنه خطبها مراراً دون الاستجابة لطلبه.. لأن ابن عمها (نهى)1 أو اعترض على زواجها بالغريب.. نهى عنها و(النهوة) من أهم القوانين في مجتمعهما.. إذ لا يحق للمرأة أن تتزوج من تحب أو تختار.. إلا بعد أن ينصرف أبناء عمومتها وعشيرتها عن الزواج بها.. وفي حالة تجاوز هذا القانون “المقدس” تشنّ حروبٌ وتسيل دماء.. وتكون الضحية مرة ثانية هي المرأة.. فهي هذه المرة (الفصلية)2 التي تبرد الدماء التي سالت.. وتزف إلى رجل كيفما كان أخرقاً أو مجنوناً أو عاجزاً أو شيخاً.. لا يهم.. فهي فصلية لمعارك اندلعت بسبب (النهوة). وهذه المتوالية تدفع ثمنها المرأة في الريف دون أي اعتراض أو احتجاج من أحد.. حتى الدين الذي تقر كل نصوصه بأن الزواج قبول واتفاق.. يقف صامتاً إزاء مثل هذه الانتهاكات، هذه الأم العاشقة التي اغتالوا حلمها وسحقوا قلبها، غير أنهم لم يقدروا إطفاء جذوة حبها، فعلى الرغم من زواجها من رجل من أبناء عمومتها رفضته رفضاً قاطعاً، لكن التهديد بالقتل أخرسها.. لا خوفاً من القتل.. ولكن خشية من الفضيحة.. ومرت سنين ولم يملأ عينيها أو يدخل قلبها هذا الزوج المفروض عليها بالقوة، لأن صورة حبيبها ظلت محفورة في القلب والعيون وكلما تمر الأيام وتمضي توقن يقيناً قاطعاً أنها خلقت له وهو خلق لها.. ولا تطاوعها روحها أو جسدها بالاستسلام إلى زوجها وابن عمها بل كل يوم تزداد بعداً ونفوراً عنه على الرغم من أنها شعرت بعد سنوات بأن جنيناً يتحرك في أحشائها.. وهو ثمرة العراك الليلي والنزاع الدائم والتهديدات والذي ينتهي بعملية أقرب إلى الاغتصاب.. إزاء كل هذا شعرت أن عشقها.. قدر لا مفر منه.. وحاولت أن تنصرف عن زوجها وبيتها بالانشغال في العمل والذهاب إلى الهور منذ الفجر لجلب الحشائش لبقراتها، ومن ثم القيام بباقي أعمال البيت الشاقة كعمل (المطال)3 أو طحن الحنطة أو تهبيش4 الشلب5 أو الطبخ إلخ.. وكانت وهي تمارس كل هذه الأعمال تقف صورة حبيبها على جفونها دون أن تفارقها أغلب الوقت.. كانت المرأة متيمة وأقرب للمجذوبة وليست على مسافة بعيدة من الجنون في عشقها الجامح هذا.. كان حباً لم تألفه نساء تلك القرية.. ولا القرى المجاورة وعلى الرغم من أنه كان بالغ السرية، لكن كل نساء القرية يعرفن قصتها التي تكون ملح أحاديثهن الغرامية وزاد اجتماعاتهن اللواتي يسرقنها من الزمن.. طبعاً دون البوح بها للرجال لأن ذلك يعني قتل المرأة دون تردد.. وراهنت صاحبتنا كثيراً على الجنين الذي في بطنها في أن ينسيها حبيبها الذي كان هو الآخر قد نزح إلى قرية أخرى محاولاً النسيان.. وتزوج بعد أن رآها تزوجت، ولكن دون أن يرحل عن قلبها أبداً.. وبعد أن ولدت طفلاً وسيماً أسموه (حميد) وحاولت كثيراً أن توطن نفسها على الاكتفاء بحبه وتنسى أو تتناسى أو تتملص من حبيبها وذكراه.. فكم كانت (تلولي)6 له بعيون دامعة وقلب يتأجج بالعاطفة.. وكم حاولت أن تستعيض عن الانشغال عن حبيبها بوليدها الصغير الجميل الذي اكتسب الكثير من ملاحتها وملامحها.. ولكن ذلك كان عصياً عليها.. وكم انتبهت بعد زمن طويل جداً من بكاء حميد بل وغرقه في نوبات من البكاء الحاد.. وهي سارحة في ذكرى الحبيب البعيد عن العين المقيم في الروح والقلب.. وكم نسيت أنها أمّ عليها واجبات الأمومة، ولم تتذكر سوى أنها أنثى عاشقة ومكلومة ولا يهمها أي شيء بعد ذلك.. وتحكم هذا الصراع الرهيب في حياتها لسنوات عديدة ولكنها بعد أن شعرت بأن الاستمرار على هذا المنوال شيء مستحيل قررت أن تعبر إلى الضفة الأخرى وتخوض هذا الطوفان الهائج.. خصوصاً بعد عودة حبيبها إلى قريته من سفره الطويل.. وحينما رأته بشحمه ولحمه زغرد قلبها وانتفض حبها الذي لم يبرد.. وكادت أن ترتمي في أحضانه.. لولا تجاهله لها والانصراف إلى درب آخر خشية أهالي السلف أو القرية وتلافياً لنقمتهم.. ولكنها قررت مع نفسها.. أن هذا هو الحد الفاصل بين حياتها في كنف رجل لا تحبه وبين رجل تعبده.. وليذهب حميد إلى الجحيم، قالت لنفسها في لحظة انتصر حبها على أمومتها وفاز حبيبها على جنينها فأي معركة رهيبة كهذه.. راحت تهلوس باسمه كالممسوسة وتترقب حضوره في كل لحظة.. عيونها مشدودة على دربه وقلبها يلهج بأشواقه.. تسأل الماء والريح والنجوم عنه وفي يوم مشمس ورائق.. وفي إحدى غدواتها إلى الهور لجلب الحشائش.. رأته هناك يجلس في زورقه الصغير يدخن سيكارته وهو سارح إلى البعيد بكل كيانه تماماً.. هو هو بعينه، لا يمكن لعيونها أن تخطئ حبيبها.. ولا تضله بوصلة أشواقها، فها هو الرجل الذي زلزل كيانها.. ينظر بعمق إلى قرارة الماء دون أن يقصد ربما ليصرف نظره عنها.. ودموعه تنهمر على خدودها حارة. فتعكر برودة وعذوبة ماء الهور الرائق النقي ، وارتمت عليه دون وعي منها.. وغابا في عناق طويل أيقظ كل الأشواق والالتياعات الكامنة في أعماق روحيهما, هطلت أشواقهما طويلاً دون احتباس.. ففاضت طوفاناً من الوجد والصبابة والمشاعر الدافقة.. أنتجت في النهاية قراراً خطيراً وكبيراً.. وهو الاتفاق على الرحيل غداً إلى المجهول.. ولا يهم ما الذي يحدث بعد ذلك.. دون أن تعرف أو تفكر أن حميّد، ولا غيره، مَن يدفع ثمن هذه القرار، هو وحده من يوقظ بصراخه في ليل موحش بارد حتى الموت، صمت الهور الأخرس والذي يجعل (البربرة)7 وهم يلاحقون أسراب السمك، والعشائر التي تسكن الجزائر وهم ينسجون القصب التي تكون (بواري)8 طويلة، ويصيحون بصوت جريح ينز دمعاً وألماً وهم يحملونها إلى السفن الكبيرة المتجهة إلى البصرة: حميّد يا مصايب الله..

جلست بعد يوم من هذا اللقاء أمام باب (صريفتها)9 تعد النجوم في سماء أطبق عليها الديجور والبرد القارص وهي تنتظر نجمة الصباح.. وكان وحيدها حميد في حضنها تلولي عليه دون وعي أو شعور.. والقلق يفترسها.. وزوجها غارق في شخيره.. تنظر إلى جهة محددة لترصد العلامة المتفق عليها بينها وبينه.. وهي سيكارة تتلظى في الظلمة.. ويدها على (صرة)10 صغيرة ضمت بعض حاجاتها النسائية البسيطة.. وأزفت اللحظة التي انتظرتها طويلاً.. فها هي سيكارته تثقب صفحة الظلام.. وبما تبقى لها من قوة، حضنت حميد ولفته تحت ملاءتها وقامت.. أحرقت كل سفنها.. وتحاملت على نفسها ورمت بجسدها في طرادته11.. وانطلقا يشقان الموج والظلام.. الريح القارصة تجعلهما يرتجفان من البرد الأزرق إضافة إلى الرهبة والهلع.. للحد الذي أخرسها ولم تنبس ببنة شفة.. وبعد أن خرجا من منطقة الخطر وتجاوزا حدود السلف.. شعرت بالأمان فراحت تبث شكواها.. ماذا فعلت بي.. لقد خبلني غرامك لقد حولتني إلى سمكة لا أعيش خارج ماءك. أنا لم أهنأ بطعم نوم في غيابك.. كان حلماً أن أنام بين ذراعيك.. لكنه حلم سأحققه الليلة.. وهو ينظر إلى وجهها، الذي لاح مشرقاً وسط الظلام الحالك.. وهي تبثه هواها لمح شيئاً تحت ملاءتها.. فاستطار شراً.. إذ خمن أن هناك شيئاً غير طبيعي وسألها: ما هذا الذي تحت ملاءتك؟ قالت وقد أزاحتْ عباءتها: هذا حميّد. ما إن سمعَ الكلمة حتى جنَّ جنونه وأوقف عملية دفع الزورق فوراً، صرخ بها هل جُننتِ؟ كيف تجلبين ابن الناس معك؟ إنك بهذا تعطين لأهلك وأهل حميّد سبباً آخر لملاحقتنا وقتلنا، من تظنينني؟ أنا أضعفُ من دجاجة ماء. سيقتلوننا حتى لو هربنا إلى “حفيظ”12 نفسه. استشاط غضباً وقال لها بصوت أقرب إلى الصراخ: لا لا أنت مجنونة.. أنت أفسدت كل شيء.. لا بدّ أن تعودي بحميّد إلى أهله. لا أستطيع.. لا أستطيع.. قالت، والدمع يزيد خدّيها انجماداً بسبب ريح الشمال الباردة، وقد تخلّتْ عن حذرها في الكلام معه: وأنا لا أستطيع أن أتخلّى عن حميّد.. أريدكما معاً. كيف يمكنني أن أهنأ بحياتي وحميّد يموت جوعاً بعيداً عني؟ قال مقاطعاً: مَن قال أنه سيموت جوعاً؟ بالقليل من (الفوح)13 سيعيش حتماً. هل نسيتِ أن له عائلة لديه جدة وعمات كثيرات.. ألم تسمعي بأطفال ماتت أمهاتهم وقت الولادة؟ ثم وبطعنات سريعة من مرديه على وجه الماء أدار المشحوف. قال سأرجعك إلى بيتك, قالت: دخيلك، دخيل العباس. قال: لا يمكنني أن أهربَ بك وحميّد معك، إما أن تجدي له حلاً أو أن أعيدك إلى زوجك. خذي قرارك قبل أن ينبلج ضياء الفجر. قالت بعد أن وضعتْ حميّد في قاع المشحوف: سنعيش معاً، لن يضايقك في شيء، وحين أفطمه سأعرف كيف أعيده إلى أهله. قال لها بحزم ناهراً: اخرسي!. عرفتْ أن كل كلامها لا ينفع معه أبداً.. كان يزبد ويرعد ويتمزق من الانفعال وقد أوقف الطرادة في جزيرة صغيرة يحتشد فيها القصب ويتشابك فيها البردي.. وراح بهمة ونشاط يكسر القصب والبردي كي يعمل (شاشة)14 صغيرة للطفل حميد.. وهي تبكي بحرقة وألم وتصرخ بين لحظة وأخرى.. ولكنها حينما تناول وحيدها حميد صرخت صرخة دامية أفزعت الطيور والخنازير القريبة وفرت هاربة.. لكنه لم يتراجع تناول حميد منها ووضعه وسط الشاشة.. ولم يدر بخلدها سوى أن حميد تحول إلى جثة وحبيبها يقوم بعملية الدفن في هذا الفجر الأزرق.. وحينما بدأ بدفع الطرادة ومغادرة المكان الذي تركوا فيه حميد وغاب منظر الشاشة عن عينيها أطلقت صرختها التي ظلت عائشة إلى اليوم يرددها مطربو الريف:

” لو أموت لو يرحن عيوني”
وبعد كل هذا لم تتخلّ المرأة العاشقة عن خيارها في الرحيل مع حبيبها حتى لو كلفها هذا فقدان ولدها.. وانتصر حبها وجسدها على أمومتها.. وراح نشيجها يتباطأ رويداً رويداً.. وربما راحت تنظر إلى حبيبها بشغف وترسم صور ليلة قادمة تغفو فيها بحضنه لأول مرة.. وبعد أن ابتعدا كثيراً عن منطقتهم أو سلفهم قصدوا أحد البيوت ودخلوا بيت المضيف كزوج وزوجه.. وقدم لهما المضيف أحسن ما لديه كعادة أهل الريف، وجاء الليل، وهو ما كانا ينتظرانه بفارغ الصبر.. عشق طويل ضمخته مأساة هدرت فيها أمومتها وكرامتها وإحساسها مرة واحدة.. اشتبكا حباً مرات عديدة.. وحققت حلمها القديم في أن تغفو بحضنه.. ولكن حتى حينما تسطع شمس اللذة في رأسها.. كان بكاء حميد يتناهى لها من بعيد.. فتهز رأسها طاردة هذا الكابوس الذي ظل يلاحقها في أكثر لحظاتها شبقاً.. وقضيا الليل حباً على إيقاع كابوس يترصدها دون فكاك.. وبعد أن شبع منها.. وانطفأت نيران رغبته وخفتت نداءات الشبق وتحولت في نظره إلى جسد اكتفى من ملذاته.. راح يحاور نفسه ويبحث عن مخرج للهروب.. قال لنفسه كيف أثق بامرأة باعت أهلها وزوجها وعشيرتها وتخلت عن وحيدها.. كيف يمكن أن اطمئن لمثل هذه المرأة, لم تكن وفية حتى لثمرة بطنها.. كيف أرتبط بامرأة باعت كل شيء مقابل جسدها.. بعد أن عاد له رشده واستيقظ عقله.. راح يبحث عن مخرج من ورطته هذه..

وهي من جهتها وبعد أن بردت مجامرها.. راح ثدياها يدران حليباً, فهو موعد رضاعته.. وراحت تتخيل سماع صراخه من بعيد وتتخيل أن حيوانات الهور قد افترسته.. فتنشج بصمت خوفاً من أن تزعج حبيبها.. وأغمضت عينيها واستسلمت لخيالاتها.. وانسل هو من الفراش الدافئ بحذر.. واستقل طرادته هارباً.. وحينما استيقظت صباحاً لم تجد حبها فقد ذهب مع الريح.. وظلت وحيدة أمام مأساتها الرهيبة المروعة أمام أمومتها الخائنة الغادرة التي استيقظت متأخرة جداً.. وتحديداً بعد أن سكتت نداءات جسدها وهرب من باعت من أجله كل دنياها.. وراحت تولول وتصرخ دون حرج أو تردد من الجالسين في المضيف وباقي أهل القرية.. كانت تصرخ كالمجنونة (حميّد، يا جباشتك14 نزّلت حيلي) رمت بنفسها في الماء وهي تولول دون أن تنتظر من يقلها راحت تخوض الماء مجنونة دون ذرة من عقل (تسرب) مرة وتسبح أخرى حيث يرقد حميّد كما تعتقد، ومنهم مَن يصرّ على أنها أرادت إغراق نفسها، والدليل أنها اختارت وجهة الماء العميق.. تبعها السلف المفزوع بصراخها. لم يكونوا يعرفون حميّد ولا حكايته، ولم تكن تجيب أحداً، ومع هذا تبعوها ولكن إلى مسافة قصيرة بعد أن أركبوها مشحوفاً متداعياً وناولوها مردياً قصيراً.

لم تبذل جهداً في العثور على الطريق الذي سلكته البارحة في العتمة، فقد استفزتْ غريزتها. كانت تدفع زورقها وعينيها في السماء، تسكتُ لحظة ثم تمدُّ بصرها إلى البعيد وتصرخ: حميّد، (مسواش يا وليدي خلافك).
وصلت الجباشة عند العصر، وهنا جاءت أم الفواجع حين وجدتها خالية إلاّ من آثار قيء أبيض عرفتْ منه أنه قيء حليبها. فصرخت صرخة رهيبة ترددت أصداؤها على طول وعرض الهور, صرخة لم تسمع من قبل كما يقول سكان المنطقة بحدتها ووحشتها وحزنها. صرخة واحدة عالية:
(حمييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييد يا مصايب الله..)
وصارت هذه الصرخة عنواناً للحزن والفجيعة في كل مناطق الهور.. وكلما استبد الحزن بأحدهم وأطبقت على روحه الفجيعة يستدعي تلك الصرخة المكلومة والنداء الجريح (حميد يا مصايب الله) وجاء مطربو الريف بعد ذلك لينقلوه في طيات أغانيهم المثقلة بالحزن والشجن.. وعلى الرغم من أنه لا أحد يعرف أين ذهب حميد.. أو ما كان مصيره؟ هل غرق في ماء الهور؟ أو أكلته خنازيره؟ أو وجده أحد الصيادين.. لكن لا أحد يريد أن يخرج الحكاية عن مأساتها العميقة أو سوادها الحالك فيتوج شجنه بالنداء الدامي لتلك المرأة التي اختارت في لحظة عشق ووله دون تقدير صائب بين عشقها وأمومتها (حميد يا مصايب الله).

النهوة: مأخوذة من النهي عن فعل شيء, وفي الريف تكون المرأة غالباً لأبناء عمها أو أبناء عشيرتها وفي حالة خطبها غير هؤلاء يقومون بالنهي عن ذلك عبر تبليغ الخاطب بشكل مباشر أو غير مباشر بأنها (منهي عنها).
الفصلية: حينما تحدث مشكلة بين عشيرتين ويفضون إلى الصلح، يكون رسم الصلح هذا الذي يسموه (فصل) إحدى نساء العشيرة فيسموها (فصلية) وعند ذهابها إلى عائلتها الجديدة تتعرض لأنواع شديدة من الإهانة والانتهاك والحرمان من أي حقوق.
المطال: روث الأبقار يستعمل بعد نشره وتجفيفه للطبخ والتدفئة.
تهبيش: عملية نزع القشور عن الشلب أو الأرز أو بعض الحبوب الأخرى كالشعير وغيره.
الشلب: الرز بعد نزع القصور.
يلولي: يهدهد الطفل.
البربرة: جماعة من سكان الأهوار مهنتهم صيد السمك وسمّوا بالبربرة ربما لكثرة أحاديثم أو مناداتهم لبعض أثناء عملية الصيد، ويقال لمن يتحدث كثيراً في اللهجة الدارجة (يبربر).
البوار: حصران تصنع من القصب.
الصريفة: خص يصنع من البواري والقصب.
صرة: زوادة من القماش لحفظ الأشياء.
طرادة: زورق صغير من الخشب مطلي بالقطران.
حفيظ ايشان: أي مرتفع لمدينة مندثرة يدفنون فيه أمواتهم ويعتقدون أنه مسكن للأشباح.
الفوح: مسلوق الرز.
الشاشة: لفات من البردي تربط لبعض وتستعمل للنقل لمسافة قريبة كاجتياز النهر أو اصطياد الطيور.
جباشة: فراش من البردي يستعمله سكان الأهوار لفرش بيوتهم وزوارقهم.

شارك
المقال السابقحوار مع النفس ( زوبعة في فنجان )
المقال التالىاي قدر ينتظرك ياعيدان ..

علي ابو عراق من مواليد البصرة 1951، شاعر وصحفي . صدر لهما يقترحه الغياب ، من …؟ ، نهير الليل ، باكرا ايها الغروب كتب اخرى ، مقامات الماء ، مقامات النخل ، ذاكرة البصرة ، مرويات شفاهية بجزئين، حوارات مع محمود عبد الوهاب
عضو الهيئة الادارية لاتحاد ادباؤ البصرة لدورتين ، ع....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد