النزعة القبلية في المجتمعات العربية


 

من المشكلات المزمنة في مجتمعاتنا العربية المعاصرة وجود النزعة القبلية – على درجات متفاوتة – في المكون الاجتماعي العام للمجتمعات العربية .

بداية ، لا جدال أن هذه النزعة راسخة في كافة المجتمعات الإنسانية عامة ، حيث يتحرك التاريخ البشري وتتكون المجتمعات البشرية من النظام القبلي ببنيته العائلية والعشائرية المعتمدة على النسب والمصاهرة ، إلى النظام الإقطاعي ببنائه المستبد ، ثم تتطور البنية الاجتماعية إلى فكرة المجتمع المكون من أفراد لهم حقوق متساوية يجمعهم عقد اجتماعي ونظام قانوني ، فهناك ربط واضح بين تكوّن الدولة الحديثة وتفكك البنى الاجتماعية التقليدية ، حيث يرى بعض المفكرين أن بناء الأمة العربية غلب عليه الأبنية الاجتماعية الجماعية ، التي أعاقت الحداثة كي تقوم بدورها في بناء الدولة الحديثة . وهناك من يرى أن استيراد الفكرة الغربية في بناء الدولة العربية القطرية الحديثة ، على النمط الغربي أدى إلى حالة من التغريب والاغتراب والحل العودة إلى الأصول الموروثة ور الإسلام وقواعده في بناء الدولة .

كما أن هناك من يرى أن دول الخلافة القديمة ( الراشدية ، والأموية ، والعباسية، والعثمانية ) لم تجد لها قاعدة دولة تتأسس عليها في المجتمع العربي ، فقد كان التكوين المجتمعي العربي بتكويناته القبلية المتعددة يمثل النقيض لبناء الدولة ، وأن تاريخ العرب السياسي في الإسلام يتلخص بصورة محورية في الصراع والتوتر والتجاذب العنيف بين دعوة الإسلام لإقامة الدولة وانضباطها ووحدتها ، وبين تفلّت التكوين القبلي والإقليمي المتشرذم ، من بوتقة هذا المشروع لإقامة دولة وتثبيت كيانها الخاص .

لقد رفض الإسلام – كما هو ثابت في عشرات النصوص القرآنية والنبوية – التعصب القبلي ، وكانت الدولة المسلمة في عهد الرسول ( صلى الله عليه وسلم) تعتمد المساواة أساسا بين جميع المسلمين ، والتفاضل يكون بالتقوى والعمل الصالح وخدمة المسلمين والدفاع عن بلادهم ، وبالتالي لا مجال لمن يربط بين الإسلام كدين ، وبين وجود سلطة تقليدية تستند إلى القبلية وعلماء الدين .

ونحب أن نشير إلى أمر مهم ، وهو أن البعد القبلي جزء أساس من بنية أي أمة إنسانية ، لا ينفرد به العرب وحدهم ، فهذه سمة في كافة المجتمعات .

وقديما أشار ابن خلدون إلى هذا الأمر ، واعتبر الملك من المطالبات والمدافعات التي لا تتم إلا بالعصبية ، يقول : ” والعصبيات متفاوتة ، وكل عصبية فلها تحكّم وتغلّب على من يليها من قومها وعشيرتها ، وليس الملك لكل عصبية وإنما الملك على الحقيقة يستعبد ( بمعنى يحكم ) الرعية ، ويجبي الأموال ، ويبعث البعوث ويحمي الثغور ، ولا يكون فوق يده يدٌ قاهرة ، وهذا معنى الملك وحقيقته”.

وفي حالة ضعف الملك ، فإنه يستند إلى العصبيات التي أوصلته إلى الحكم، يوكل إليها شؤون الدولة ، مفسحا لها المجال في التحكم في الرعية، والسعي لمصالحها ، على حساب باقي الفئات ، وهذا بداية التسلط القبلي .

إن اهتمامنا بالقبلية نابع من كونها هاجسا ملحا في المجتمعات العربية المعاصرة التي ارتكزت فيها السلطة – بعد التحرر من الاستعمار – على البعد القبلي والعشائري والعائلي في المقام الأول ، تستوي في ذلك الدول ذات الأنظمة الملكية الوراثية ، والدول الجمهورية بعد الاستقلال ، فهناك قبائل وعشائر ساندت الأنظمة الملكية ، وشكلت أجنحة اجتماعية لها، وخرج منها الوزراء وقادة الجيش والولاة .

وللأسف فقد عملت الدولة القطرية الحديثة في الوطن العربي والإسلامي وبصورة مستمرة ، في الخفاء أحيانا، وفي العلن أحيانا أخرى على إحياء مختلف الولاءات الطائفية والعشائرية في المجتمع ، بدلا من العمل على تغييبها واجتثاثها ، فعاشت أجيال متتالية من الناس مراحل تكوينها النفسي والعقلي في ظل هذه الممارسات السياسية التي تقوي الانتماءات الضيقة ( الطائفية والعشائرية ) ، وبعض النظم الحاكمة اعتمدت على سياسات انتخابية تقوي القبلية لتدعم مرشحيها، وبالتالي لا يكون ولاء المرشح للدولة ، وإنما لقبيلته التي رشحته .

ومن هنا ، يتوجب على الخطاب النهضوي المعاصر أن يتطور من صيغته النخبوية ، واعتماده على مفردات لا أرضية لها شعبيا ، إلى خطاب سهل بسيط ، يجعل المواطن العربي قادرا على التحرر من ولائه لقبيلته ، ليكون مواطنا مندمجا في المجتمع ، فكثير من المواطنين لا يشعرون أن المساواة – وهي أساس المواطنة – غير مطبقة ، والوعي لديهم أنه على قدر اقترابهم من أبناء قبيلتهم ؛ ينجز ما يريد من أعمال ومصالح، ولم تستطع المدن العربية أن تخرج قاطنيها من إسار العائلات والقبائل ، فرأينا مواطنين يجلسون في ناطحات سحاب يفكرون بعقلية قبَلية مستعدة أن تخدم أبناء القبيلة على حساب القيم ، والمبادئ ، وأيضا الوطن .

ويمكننا في هذا السبيل أن نستفيد من قيم ديننا ، لأنها في جوهرها تربط العربي بوطنه وأمته ، وهذا يعني تذويب النزعة القبلية ، لأن المسلم يستشعر أنه مراقب من الله ، وأن ولاءه الأول لله ، وعمله الفردي يخدم كل إخوته في الدين والوطن ، وأبناء قبيلته منهم . وبالتالي تلغي القبلية من تلقاء نفسها لأن صاحبها لا يعمل بمعزل عن باقي أبناء المجتمع / الوطن ، فلا يعقل أن يضع في قلبه النسب والقبيلة ، وهو ساعٍ لخدمة أبناء دينه وأمته ووطنه كلهم، ويحمل مبادئ عظيمة ، ومطالب بإعادة حضارة زاهرة ، ذات رسالة إنسانية عظيمة .

إن رفض القبلية ودعم الانتماء الاجتماعي الإيجابي قضية توجيه وتوعية وإرشاد ، يكون تراثنا القيمي الراقي عمودها الأساسي ، ليكون الخطاب مؤصلا بنصوص عظيمة ، منعت التفاخر بالنسب ، وجعلته محرما عندما يفرق الأمة ، ويجعلها قبائل متناحرة من أجل مرضاة متسلط أو إذكاء شهوة نفوس ترغب أن تتميز على البشر دون جهد أو عمل أو تقوى ، فقط تتباهى باستحضار نسبها.

لا تعليقات

اترك رد