التكعيبية، ثورة على التقاليد ج 2

 

التكعيبية، ثورة على التقاليد ج.2
من الكولاج إلى الشيء الجاهز

فلسفة التكعيبية
يمكن أن نعتبر ثورة التكعيبية اتخذت ثلاث ركائز أساسية، حاولت بناء جماليتها عليها:

أ-اختراقها لهندسة المنظور سواء الأقليدي النهضوي أو الانطباعي الذي ظهر مع رامبراند (1606ـ1669) وفناني الباربيزون، والفنانين الإنجليز خلال القرن التاسع عشر، والانطباعيين الفرنسيين ومن أتى بعدهم. فالتكعيبية لعبت على البعدين الثالث والرابع، إذ كان لمفهومي العمق والزمن دور كبير في بناء اللوحة. وكان هدف الفنان خلال هذه المرحلة هو تصوير عناصر الحياة والطبيعة ليس انطلاقا مما تراه العين ولكن بموجب ما يستوعبه العقل ويعكسه، علما أن “الرؤية لا تنطلق من مركز بصري واحد إنما من عدة مراكز بصرية مختلفة”. وهذا الأمر يتطلب من المتلقي أن يكون مهيأ ثقافيا وفكريا لاستيعاب مثل هذه التغييرات الجمالية.
لعل مثل هذه المستجدات التي لها متطلبات خاصة عملت على تضييق «دائرة الجمهور من العامة إلى مجموعة مختارة” بوسعها التعامل مع المنجز الفني الجديد انطلاقا من مفاهيم حديثة «تنطوي على اختزالات كثيرة”. فالفنان، خلال المرحلة التحليلية، يلف حول النموذج ليرسمه من وجهات نظر متعددة ومختلفة: فنجده يرسم الشيء الذي أمامه من فوق ومن تحت ومن جميع الجهات الأربع، فيركب الرسوم فوق بعضها مما يعطي أشكالا هندسية تملأ فضاء بكامله، مع توضيح بعض ملامح الشيء، شخص أو إبريق أو كارطة لعب أوقيثارة… ومن تم تبدو اللوحة كجزء من لوحة كبيرة تستمر في الزمان والمكان، وهذه سمة من سمات اللوحة التجريدية حيث تغيب الحدود التي كانت تجعل من اللوحة نافذة تطل على منظر معين.

ب- تتجلى الركيزة الثانية في كون التكعيبية قطعت كل أواصر المحبة مع الجمال والبحث عن الجمال. فلم تعد مواضيعها تتناول المرأة والآنسة حسب النسب التقليدية ولا بتمثيل معالم جمال الجسد البشري كما عرفته المدارس الأخرى. كل التيارات ما قبل التكعيبية كان فنانوها يسعون وراء الجمال، نساء الرومانتيكيين، فرانشيسكو دو غويا (1746ـ1828)، وتيودور جيريكو (1791ـ1824)، وأوجين دولا كروا (1798ـ1863)، وغيرهم كانت جميلات وبعضهن يخضعن في بناء أجسادهن لنظرية النسب، وحتى نساء الانطباعيين مثل إدوار مانيه (1832ـ1883)، وأوغيست رونوار (1841ـ1919) لم يفلتن من قبضة النسب التقليدية التي تضفي عليهن هيئة الجمال غير المرغوب في توضيح تجلياتها في ذلك الوقت. ونجد التكوينات تعزز فكرة تبيان معالم الجمال حينما تميل في مجملها إلى الرضوخ لقاعدة النسب الذهبية. فكل الانطباعيين كانوا يسعون وراء تجميل مناظرهم الطبيعية ونسائهم، بدءا من كلود مونيه وبيسارو وسيزان ودوجا وسورا، وكانت لهم باليت نظيفة وألوان لماعة، لا تبتعد في أغلب الأحيان عن ألوان الطيف. بينما الفنانون التكعيبيون كانت لهم باليت متسخة وألوانهم تتأصل من الرماديات الملونة التي لا علاقة لها بالألوان الأصلية للنموذج، سواء كان منظرا أو طبيعة صامتة أو أشخاصا.
وإذا رجعنا قليلا إلى الوراء، إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر نجد نفس الباليت المتسخة عند الفنان الإسباني فرانشيسكو دو غويا (1746ـ1828)، الذي ابتعد عن الجمال في أعماله، خلال محطته السوداء،(1819-1823)، التي كانت تعبيرا عن معاناته مع المرض والعزلة ، في أواخر حياته.

ج- تتجلى الركيزة الثالثة التي أتت بها التكعيبية في إضافة الأشياء الجاهزة أصلا إلى العمل الفني، “ولاستعادة الواقع والابتعاد عن خطر الوقوع في التجريد الصافي، بدأ براك عام 1912 بإدخال أرقام وحروف إلى لوحاته كما ابتكر تقنية الملصق التي سمحت له ببلوغ تشكيلات يمكن إنجازها بسرعة بواسطة مقصّ وقليل من الصمغ، وبالتالي بالعودة إلى بساطة شكلية كان قد فقدها في المرحلة السابقة. وفي البداية، كان يقوم بتعليق القصاصات الورقية بواسطة دبابيس على قطعة قماش أو ورق مقوّى. وبعد عثوره على أفضل ترتيب لأشكال هذه القصاصات وألوانها، كان يقوم بلصقها أو بإزالتها لرسم طريقة ترتيبها على القماش. وفتحت هذه التقنية لبراك المجال أيضاً للتلاعب إلى ما لا نهاية بشكل الشيء الممثَّل أو بالشكل العام للعمل الفني. إنها المرحلة التوليفية في التكعيبية التي تبدو أقل غرائزية من المرحلة السابقة وأكثر شكلانية وفكرية”.

وهذه العملية هي التي ميزت فترة التكعيبية التركيبية التي بدأت سنة 1912 وانتهت سنة 1914. فالفنان لم يعد يبني عمله من خلال وقوفه على النموذج، يرسمه ويصبغه ولكنه يسعى إلى بناء تكوينات ذهنية معتمدا على رصيده التقني والمعرفي، ومع إعطاء أهمية أكثر للفراغ الذي يملأه بأشياء إضافية مثل قصاصات الجرائد أو كارطة لعب أو رسومات تعكس أخشابا. وبذلك تكون التكعيبية أول تيار فني استعمل الكولاج والأشياء الجاهزة، الفكرة التي ستأخذ أبعادا كبيرة مع الددائية ومارسيل دوشان (1887ـ1968). فالكولاج والأشياء الجاهزة هي التي ساعدت على ظهور ready made مارسيل دوشان وما لحق به إلى اليوم من اتجاهات ما بعد حداثية: البوب آرت الأنجلو سكسوني، والواقعية الجديدة والفن المفاهيمي وغيرها من توسعات الفن الراهن.
قصة البناء والتكوين المبدع ذهنيا تولد عنها كذلك ظهور التجريدية، بشقيها الغنائي والهندسي، اللذان تفرعت منهما اتجاهات وتيارات كثيرة شكلت الفن الحديث خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، وامتد نفوذهما إلى ما بعد 1945، حيث ظهرت التجريدية التعبيرية بالولايات المتحدة الأمريكية، جاكسون بولوك (1912ـ1956) واشيل جوركي (1904ـ1948) ومارك توبي (1890ـ1876) ودوكونين (1904ـ1976) وغيرهم. وقبل ذلك بسنوات أثرت التجريدية الهندسية في العديد من الفنانين منهم البنائيون الروس ومدرسة الباوهاوس بألمانيا الذين لعبوا دورا كبيرا في الهندسة المعمارية الحديثة وفن التصميم الحديث، فنجد أعمال ريتفيلد (1888ـ1964) التصميمية وتصاميم الفار آلتو (1898ـ1976) المعمارية ولكوربيسية (1887ـ1965) واللورد فرايت (1867ـ1959) وغيرهم كثير، لا يكفي سرد أسمائهم، لان ما نعيشه اليوم يتوقف على ما تركوه من أفكار إبداعية منها ما أنجز ومنها ما بقي حبرا على الورق.

خاتمة
أخيرا ما يمكن أن يقال في حق المدرسة التكعيبية إنها الحركة الفنية الأولى التي أعلنت بلا منازع ثورتها على الواقعية التصويرية، وكسرت كل القيود والمعايير التي باتت قائمة، لا منافس لها، لقرون عديدة. فالتكعيبية تعد حركة طليعية لها الفضل الأكبر في إرساء دعائم وأسس ثورة الفن الحديث الحقيقية، في القرن العشرين، وامتدت تلك الأسس لتشكل فيما بعد الإرهاصات الأولية للفن المعاصر، ووضع لبنات جمالية حداثوية. “وبذلك فقد كان من رسالتها الجوهرية التاريخية أنها وفرت لغة جديدة بمفردات مبتكرة وساهمت في تنمية أساليب تعبير أخرى وأنماط فنية مختلفة عما كان سائدا في القرن التاسع عشر وما قبله. تلك اللغة وتلك المفردات لاتزال رائجة بل لاتزال تحتل الصدارة الى يومنا هذا”.

المقال السابقالتشويق في الفيلم ج١
المقال التالىالورود أم الأحذية !
محمد خصيف ازداد بمراكش عام 1953 عضو سابق في الجمعية المغربية للفنون التشكيلية (AMAP) عضو سابق في الجمعية المغربية لنقاد الفن (AMCA) عضو في لجنة التحكيم البينالي الثاني للفنون التشكيلية – مسقط عمان أستاذ سابق لمواد الفنون التشكيلية وتاريخ الفن والهندسة المعمارية أستاذ سابق للفنون التشكيلية وتار....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد