آه للدم ما أبشع مسيله


 

الرجال صنفان ملائكة وشياطين .
ومتى تصحّر الفكر تصخّر القلب .
ومن الناس من يحيا على الدم .
ومن الأسماء الكبرى في التاريخ تقرع لها الطبول في حقيقة الأمر رمز من رموز العار على جبين الإنسانية .
ويبدو أن الطب نجح في زرع كل شيء في الإنسان إلا الضمير .
هذه المقدمة تليق بصاحبنا الذي نتحدث عنه ، لأنه في نظر البعض من الأسماء اللامعة وفي نظر البعض الآخر سلطان الحكمة وفي نظر آخرين شيطان أخرق تستعيذ منه الشياطين . إنه السلطان سليم ، تاسع سلاطين بني عثمان .
يسميه البعض السلطان العظيم ويلقبونه بالتركية ياوز ( الصاعقة ) أو الشخص الصلب الذي لا يلين . حكم الدولة العثمانية مدة قصيرة استمرت /9/ سنوات فقط من عام 1512- 1520 م لكن هذه السنوات التسع التي حكم فيها كانت حافلة بالإنجازات العثمانية فقد توسعت الدولة العثمانية في عهده توسعا كبيرا وله الفضل الأول والأخير في بناء الإمبراطورية العثمانية وتوسعها على حساب الجيران . ومن أهم انجازاته :
هزم الدولة الصفوية وعلى رأسها اسماعيل الصفوي في معركة تشالديران عام 1514م .
احتل أرمينة ومنطقة كردستان.
ألغى دولة المماليك في مصر والشام بعد معركة مرج دابق شمال سورية .
قتل السلطان المملوكي قانصوه الغوري وأعدم خلفه السلطان طومان باي.
سمى نفسه حامي الحرفين الشريفين ووصلت قواته حتى جبال اليمن التي فشلت كل الحملات في اجتياحها .
ألغى الدولة العباسية وبقاياها وأخذ ممتلكاتها إلى استنبول .
ضاعف مساحة الدولة العثمانية في الأناضول والبلقان والمشرق العربي والحجاز ومصر .
استطاع الفوز في الصراع العثماني الصفوي على منطقة المشرق العربي.
من هو السلطان سليم ؟
السلطان سليم وجه من وجوه الشيطان . نفاه والده بايزيد خان إلى شبه جزيرة القرم بسبب خلافات داخل الأسرة الحاكمة وعاد إلى البلاط العثماني عقب وفاة والده وهنا يتجلى الوجه الشيطاني للسلطان سليم فعد بدأ عهده بما يلي :
قتل جميع إخوته ومن قد يتطلع إلى العرش من أهله .
قتل سبعة عشر من البيت العثماني الأكبر خوفا من تطور نفوذهم .
قتل سبعة من وزرائه .
قتل أربعين ألفا لأن من أهل مدينته لأن مذهبهم يخالف مذهبه .
وعندما دخل إلى مدينة حلب التي استسلمت بالأمان فرض على أهلها ما سماه ” مال الأمان ” وبسبب ضخامتها أنهكت حلب ، وعندما وصلت قواته إلى مدينة الرملة في فلسطين وصله ظان أحد جنوده قتل في المدينة فأباد سكان المدينة عن بكرة أبيهم.
وعندما وصل خان يونس تجرأ أحد وزرائه الصدر الأعظم أن يصحح له كلمة فأمر بضرب عنقه قبل أن يكمل كلامه ودفن الصدر الأعظم يونس باشا في مدينة خان يونس . ثم قطع رأس الصدر الأعظم الجديد في خان يونس وصار الناس الذين يسموّن للوزارة يكتبون وصاياهم ويعدون أكفانهم ويودعون أهلهم وعلت النكت أرجاء السلطنة وكان أهمها ” من أراد الموت فليصبح وزيرا للسلطان سليم .”
السلطان سليم والمفتي الشيخ علاء الدين بن علي الجمالي :
كان الشيخ علاء الدين بن علي الجمالي مفتيا للدولة العثمانية من أيام السلطان بايزيد والد السلطان سليم واستمر في الافتاء أيام السلطان سليم وحتى أيام ابنه سليمان القانوني بقي في دار الافتاء لمدة ست وعشرين سنة وتوفي عام 1532م . كان الشيخ الجمالي يعمل مدرسا في عدد من المدارس الدينية وقد أعطاه السلطان مراد المدرسة الحجرية في أدرنة ليديرها مقابل ثلاثين درهما باليوم وبسبب فقره منحه خمسة ألاف درهما تعينه في غوائل الحياة .
رآه السلطان بايزيد في حلمه فاستدعاه لكن الجمالي رفض المثول فالزمه الحضور وقربه منه وسماه مدير مدرسة أماسية ثم بروسه ثم أزنبق ولما توفي مفتي السلطنة سماه السلطان مفتي السلطنة ومنحه راتبا مقداره 100 درهم باليوم ثم كلفه بالتدريس في استانبول مقابل خمسين درهما باليوم . وفي احدى المرات اختلف مع أحدهم فتركة المفتي لله وصدف أن توفي الرجل بعد أيام من هذه الواقعة فصار لعلاء الدين نوعا من الرهبة والخشية والمكاشفة وكان يوصف بالعبادة وكرم النفس والخشوع والتواضع .
ذات يوم أمر السلطان سليم بقتل 150 رجلا من حفظة الخزائن فذهب إلى الديوان العالي وطلب مقابلته فأذن له وعندما دخل قال: وظيفة أرباب الفتوى أن يحافظوا على آخرة السلطان لا على دنياه وقد علمت أنك أمرت بقتل 150 رجلا لا يجوز قتلهم شرعا وأطلب منك العفو عنهم لا قتلهم .
أجاب السلطان قائلا : إنك تتعرض لأمر السلطنة وهذا ليس من وظيفتك .
رد المفتي علاء الدين : بل أتعرض لآخرتك .
فانكسر غضب السلطان وعفا عنهم .
قال المفتي وهو خارج من حضرته : ” هل يليق بالسلطنة أن يتكفف هؤلاء ؟ ”
أجاب السلطان : ” لا ”
قال المفتي : إذن قررهم في مواقعهم .
قال السلطان : ” لا بد أن أعاقبهم لتقصيرهم . ”
وفي يوم من الأيام لقي المفتي في الطريق وهو يودع السلطان الرحال إلى أدرنه 400 رحل مكبلين بالحبال لأنهم خالفوا أمر السلطان واشتروا الحرير بعد أن منع ذلك . فعاد إلى السلطان سليم وطلب منه أن يحل وثاقهم ويمتنع عن قتلهم .
فقال السلطان سليم : ” أما يحل لي قتل ثلثي العالم لينتظم الباقي.”
أجاب المفتي : “نعم . إذا أدى ذلك إلى خلل عظيم . ”
قال السلطان: ” وأي خلل أعظم من مخالفة الأمر ؟”
رد المفتي قائلا : ” لم يخالفوا أمرك وقد نصبت الأمناء على الحرير . والقبض عليهم تم بالدلالة . ”
قال السلطان : ” هذا ليس من وظيفتك .”
فذهب الشيخ ولم يسلم . وغضب السلطان واحتد وفكر قليلا ,اصدر أمرا بالعفو عن هؤلاء وزيادة مناصب الشيخ ورواتبه .
أترانا نستطيع أن نحصي ضحايا السلطان سليم ؟
وكم من الدماء سالت ولم يشهدها المفتي أو يعلم بأمرهم ؟
وكم من الدماء العربية سالت بسبب هذا السلطان ؟
ربما كان القدر أكثر رأفة بالناس منه لأنه رحل عن الدنيا قبل أوانه .
أه للدم ! ما أبشع مسيله !

لا تعليقات

اترك رد