هل حقاً لا يمكن التخلي عن الميليشيات في المدى المنظور ؟

 

سيظل خيارنا في الحاضر والمستقبل، “لا ميليشيات بل دولة وطنية ديموقراطية بنهج علماني”. أما لماذا لا ميليشيات بعد اليوم؟ فذلكم بتأتى من التناقض بين وجود ميليشياوي بأي تبرير تمظهر وبين بناء الدولة الحديثة التي ترعى بناء الإنسان والأوطان.

وبمجرد أن نتساءل: ماذا جنينا من الميليشيات طوال السنوات المنصرمة العجاف؟ ستأتي الإجابة سريعا، بما يدركه ويعيه أبناء الشعب العراقي ومثله أبناء شعوب منطقتنا، ممن تلتهم حيوات أبنائهم تلك الميليشيات بما ترتكبه من فظاعات إجرامها… ولن يُنهي (بلطجةُ الميليشيات) (مؤسساتِ الدولة ومصادرتها إياها) إلا حلّها كلياً ونهائياً، فهل وعينا الدرس أم سننتظر سنوات أخرى توقع مزيد ضحايا وقرابين مضمخين بدمائهم!!!؟

إنَّ الحقيقة الناصعة بتجربة الألم والمكابدة تؤكد أنَّ أيّ وجودٍ ميليشياوي يتعارضُ وبناء الدولة ويتناقض مع بسط سلطة القانون، ودائما كانت الميليشياتُ قوةَ بلطجةٍ همجية، تشكل التمهيد للفاشية ووحشيتها.. وينبغي هنا التوكيد على أنَّ شرعنة أيّ فصيل من الميليشيات أو دمجه بمؤسسات الدولة هو وجه آخر لتمزيق المعنى المؤسسي للدولة واستسلام لتلك الميليشيات ومعاني وجودها الخارج على القانون بجميع أوجهه وأنشطته.

فهل لعاقل أنْ يغضَّ الطرفَ عن وجود وباءٍ اسمه الميليشيات في العراق ومثله ليبيا \ طرابلس على سبيل المثال!؟ ألا ينبغي أن يكون حلها (كليا ونهائيا) أول خطوات العودة للسلم الأهلي وإطلاق مشروعات البناء والتنمية؟

ما ضرورة وجود ميليشيات وتخندقات احتراب، إذا كان واجبنا رعاية دولة هي السلطة الوحيدة التي نتفق على وجودها تعبيراً عن مواطنتنا وتساوينا في الحقوق والواجبات.. ؟ ما ضرورة تلك الميليشيات إذا كانت مهام الإنسان برؤية علمانية أم دينية تنصبُّ تحديداً وحصراً على إعمار الأرض التي اُستُخلِف عليها؟ لماذا يلهثُ بعضُنا وراءَ خطاب التأسلم الظلامي القاضي بتشكيل ميليشيات الموت والخراب وهو يدرك حقيقة أنَّ الميليشيات تعني التخندق والاحتراب طوال عمره وبالمؤبد لوطنه ولأجيال شعبه!!!؟

إنَّ كل ميليشيا هي رصاصة غدر في أمننا الحقيقي وسكين خيانة في خاصرة الوطن؛ فلماذا ينتمي إليها أيّ مواطن؟ ألا يرمي نفسه بجحيم يلتهمه قربانا لهذا الزعيم المافيوي أو ذاك، فيما لا أمن ولا أمان لا له ولا لأهله وليس من سلام يمكن أن تحققه الميليشيا بل حرب جهنمية مستمرة الصراخ هل من مزيد!؟؟؟

أي عاقل يبحث عن هذا الجنون والاستهتار بحيوات الناس وأمنهم وحقوقهم وحرياتهم؟؟ وإلى أيّ مسافة زمنية سنواصل إقرار تلك القوى الظلامية على استيلاد تشكيلاتها التي تحمي مطامعها الدنيئة فينا وشعوبنا؟؟؟

لا ميليشيا مقدسة أو معتدلة أو مشرعنة، فكلُّها وقحةُ الوجود، خارجة على الأعراف والقيم والأخلاقيات الوطنية الإنسانية وعلى القانون وسلطته التي تعني حماية الناس ومصالحهم حقوقاً وحريات بخلاف ما تعنيه وترتكبه حال تفشي وباء الميليشيات…

فليكن خيارنا واضحا لا لبس فيه.. ليكن دولة وطنية ديموقراطية، علمانية الهوية، بعد أن جرّب فينا الإسلامويون وقوى التدين الطائفي، بما شكَّلوه من طبقة كربتوقراط مافيوية مفسدة، كلَّ أسلحة التقتيل والتخريب والتدمير وكل الفظاعات والأهوال.. وليكن خيارنا هذا اليوم قبل الغد وقبل فوات الأوان!!!

ولات ساعة مندم!!!!!!!!!!!!!!!

إنني هنا مجدداً أضع توكيدي على أنّ من يرى استحالة حلّ الميليشيات بخاصة تلك التي أسقطت على نفسها تسمية الحشد ونسبته إلى توصيف (الشعبي) و(المقدس)! إجابةً ترى أن هذه الاستحالة إنما تقع بإقرار التخندق الطائفي إذ يُقال إنّ قطاع شعبي واسع يؤمن بالحشد كونه شعبيا مقدسا وهو ما لا يصح بتوصيف إرادة الشعب برؤية وطنية لا تقرّ تقسيم الشعب رؤوس قطيع بين خنادق الطائفيين!! فالشعب له هوية وطنية مازال يعيها ويحيا في ظلابها كما تفرض كل قوانين وجود الدولة الوطنية لا ما قبل الدولة من تشكيلات مفروضة قهريا قسريا على الوطن والشعب..

والتأخر في التصدي لمهمة تعزيز الهوية الوطنية لصالح التقسيم الطائفي يكرس المرض وخطابه المرضي وييعقد الحلول والبدائل ويوقع أشد

الخسائر بين أبناء الشعب بوقت يواصل التخريب والتدمير في بنية الوطن ومؤسسات الدولة..

إنّ خطاب الوطنية والعلمانية يؤكد حقيقة الحكم الموضوعي المتعقل وعدم اتهامه: لا أعضاء أحزاب الإسلام السياسي ولا أنصارهم بأنهم جوهريا ضد الوطنية وضد بناء دولة مدنية علمانية، فغالبية هؤلاء لا حول لهم ولا قوة وليس لهم في التخندقات طائفية الهوية، لا ناقة ولا جمل.. قضية وجودهم خلف مناطق التزام طريق التنوير يعود غلى نوع الزعامة التي تأسرهم وتوجههم ببرامجها مخادعة وتضليلا، الأمر الذي لا ينبغي أن نقع بلعبة تكريسه بوساطة التماهي مع طرف نظنه أو نتوهمه معتدلا وقريب منا ولكنه يجر أرجل التنويريين إلى دائرة أطراف الطائفية مثلما يجري الآن مع بعض التنويريين! حيث كان تحالف أقرب لتسمية (حائرون) قد شتت تحالف (تنويريون) لصالح من أضاع الطريق لينضم إلى (ضالون) أو من ضل الدرب بأي تبرير توهم أنه سيصل الجمهور المأسور خلف أسوار الخديعة والضلال…

كيف لامرئ أن يخشى حل الميليشيات وألا يرى في ذلك قوة للدولة ومؤسساتها؟ وكيف له أن يبرر الأمر بعدم جاهزية المؤسستين العسكرية والأمنية؟ وغذا وافقنا على ضعف قوات الجيش والأمن الوطني بصنوفها جميعاً، فكيف تكون تقويتها ودعمها ممكنة عبر وجود ميليشيات لا ترعوي عن التصريح ليل نهار بمرجعياتها اللاوطنية!؟

إننا نعول على القسم الواسع ممن آمن بأنه يضحي من أجل الوطن أو ممن انخرط لاعتقاد ديني مذهبي وما دعاه غليه مرجعٌ بعينه وعلى أولئك الذين وجدوا لقمة عيشهم لا تتوافر إلا هناك بذاك الانتماء. وهنا فإن إعلاء العقيدة الوطنية من جهة وتوفير فرص العمل بإطلاق عجلة الاقتصاد سيكونان

فرصة جدية لاستيعاب حجمهذه المجموعة ببديل يجيب عن هوية وجودهم الحقيقي، أقصد الهوية الوطنية، ويستجيب لمطلب العيش بتوفير عمل مجزٍ بنَّاء يُنهي التبطل ونسب البطالة ويُطلق دوران عجلة الاقتصاد وينهي مرحلة الميزانيات التشغيلية ليتحول إلى الميزانيات الاستثمارية..

إن الحجم الكارثي للاحتراب (السياسي) كما تسميه الأمم المتحدة، بات بهوله يرفع الغشاوة وأغطية التضليل عن أعين أبناء الشعب على الرغم من التجهيل وتفشي منطق الخرافة ودجل التضليل.. وهو ما ساعد على خروج الملايين في مظاهرات واسعة رافضا تلك السلطة التي ما كفاها دموية الطاغية المهزوم وبقاياه فشغَّلَتْ الآلة الجهنمية التي أوقفها زمن النهضة البشرية قبل قرون.. فأوقعت العراقيين في مطحنتها الكارثية مجددا وهذه المرة لم توفر الآلة الجهنميية للسلطة طيفا عراقيا إلا ووضعته على حزام المطحنة…!!

إنَّه حتى المرجعية الدينية (الحقة)، لا تلك المرجعية السياسية المتظاهرة ادعاءً بالتدين وبالتزام الدين بوساطة ارتداء أعمة الزيف وجلابيب الضلال، قد تبرَّأت من اللعبة وقبحها وضلالها؛ ورفعت غطاء الدعم لأحزاب التأسلم السياسي جميعاً، سواء من باب التخلص مما ارتكبت من جرائم أم مما أوقعت البلاد والعباد فيه من فشل في إدارة الأمور بخلفية عدم جاهزية عناصرها الأميين أو ذوي النهج غير القادر على إدارة بلاد بحجم العراق في القرن الحادي والعشرين بتلك البرامج الريعية التشغيلية البائسة، وعليه فإن العقل العلمي التنويري يرى أنَّ الأصوب يكمن في التخلص من تبعية أو جريرة تلك الأفعال المشينة التي ما عاد عراقي يجهلها… ولكن الجميع بانتظار من يقود بالاتجاه الصحيح..

ومع أن قوى إقليمية ما زالت تراهن على بقاء تلك الأحزاب وأن فلسفتها البرغماتية تتلفع بغطاء تبادل العلائق مع قوى دولية عبر قنوات تنفيذ مصالح مقابل كرسي البقاء؛ ومع أن هذا الأمر يُبقي على سلوك قوى علمانية سياسة التحالفات [وإن كانت المؤقتة والجزئية]، إلا أن الأمر بات يتداعى وباتت تلك الأحزاب تتشقق من الداخل وتتآكل في ضوء ظروف انكشاف فسادها وفشلها الكلي..

فبين الانقسامات التنظيمية في التحالفات وفي الأحزاب نفسها [كما جرى في تفكك واضح في تحالف الائتلاف الشيعي وجبهة التوافق وكما جرى على الصعيد الحزبي في إطار حزب الدعوة أو غيره من الأمثلة عديد ومعروف] وبين التناحرات في المصالح وانكشاف فضاءات تلك التناقضات الضيقة على حساب جمهور الضحايا من أبناء الشعب بأطيافه جميعا، بين هذا وذاك كانت حالة الاحتراب والاقتتال تجري دموية بشعة حتى على صعيد القيادة الحزبية الواحدة الأمر الذي يدفع بمزيد عراقيين إلى رفض البقاء أسرى تلك التنظيمات المافيوية…

إنَّ المتاح لدى الشعب العراقي ليس إلا العمل الوطيد والثابت من أجل نزع سلاح الميليشيات في خارطة طريق واضحة وبأسقف زمنية محددة.. وتنقية وزارتي الدفاع والداخلية من كل ما شابها مندخلاء ومرضى بتركيز مهام التدريب والتثقيف من جهة بالعقيدة الوطنية السليمة وبإبعاد العناصر المرضية عن تركيبتها المؤسسية.

وعلى منظومة العمل المؤسسي للدولة أن تنزع سلاح الأحزاب وتحل أجنحتها المسلحة كليا مع حظر لتأسيس الأحزاب بهوية دينية مذهبية وعقيدة

طائفية عنصرية تسمح بالتخفي في إنشاء تلك الجماعات المسلحة أو تظل بمنطقة التخندقات اللتي تستولد الفساد والعنف..

إننا لا نقول بشان الميليشيات إنها ستنتهي بقرار على شاكلة عصا موسى أو كن فيكون ولكن القضية تتجسد بخارطة طريق تتضمن خطة متكاملة في المجالات الاقتصادية (التشغبل) واستيعاب العناصر الميليشياوية بقطاعات التأهيل وتغيير المهنة باتجاه ما يناسب تلك العناصر وأدوارها في المجتمع.. إلى جانب إعداد قوات مدربة لتسلم المسؤوليات العسكرية الأمنية تدريجا ونزع تدريجي للسلاح بطريقة كل سقف زمني يتضمن خطوة..

ربما على سبيل المثال تكون الخطوة الأولى حل كامل ونهائي لأغلبية الميليشيات المسماة وقحة والمرفوضة من جميع الأطراف.. وتوظيف بعض القوى المسجلة رسميا في ظل الحكومات القائمة السابقة ثم وضع أسلحة ما يتبقى من ميليشيات بأمرة الجيش يعودون إليها لمدى زمني للتدريب بإشراف الجيش ثم يجري تسريح تلك العناصر باتجاهات الدراسة والتدريب مدفوع الأجر للتهيئة المهنية باي مجال يختاره المتدرب، ليُنقل بعد التخرج نهائيا إلى مهنته وتنتهي علاقته بالسلاح بما يفضي لحل الميليشيات..

ولابد هنا من التوكيد مجدداً، على إبعاد كل القوى المسلحة ونهائيا عن الدخول في الجيش الوطني والشرطة وأن يجري تأهيل تلك القوى للاندماج في مؤسسات المجتمع المدني بطريقة موضوعية وبمنطق عقلي منصف وصائب يستند لخبرات دولية وجهود مضاعفة لتحقيق مسيرة نوعية مدنية مختلفة جديدة..

إن الاستفتاء على خريطة الطريق إياها سيمنحها قوة شعبية كما أن نشر ثقافة العمل تظل ضرورة ملزمة تستطيع الارتقاء بالإنسان وقيمه ومعايير اشتغاله وتوجهاته..بحيث يكون كل من يصرّ على الإبقاء على قوة مسلحة أو مافيا أو

ميليشيا أو ما شابه، يكون خارج الخيار الشعبي الوطني ومعادٍ للاستقرار والسلم الأهلي..

لنبدأ الحملة من أجل خيار السلم والأمن لا العمليات الحربية التصفوية الانتقامية من شعبنا كما تفعل القوى الإرهابية؛ لنبدأ خيار العمل على أسس وطنية لا تقسيمية تخريبية كما تفعل القوى الطائفية وأحزابها.. ولنؤكد معاً على أن تلك الحملة لا تريد لأحد أن يخرج أو يُعزل أو يُصفى ولكننا سويا نريد أن نمضي بهوية وطنية لا تخضع إلا لمنطق العقد الاجتماعي الذي يحكم بسلطة القوانين الدستورية مثلما كل دول عالمنا الحديث المعاصر بمعنى الالتزام بقوانين تحصر السلاح بيد الدولة وعقدها الاجتماعي، الدستور، بمعنى تنزع سلاح أي مجموعة خارج سلطة الدولة وهو ما يعني بالتأكيد حلِّ الميليشيات والعصابات المدججة عنفا…

إنَّ مطلب وقف الأعمال المسلحة وتفكيك قواعدها والتخلي عن أجنحة القتال أمر مُلزِم يجب الضغط اليوم قبل أي وقت مؤجل، الضغط الذي يدفع لتنفيذه إعلانا عن مصداقية العودة للرشد والحكمة والسلم والمصالحة.. وكل من يتحدث عن المصالحة الوطنية ولا يبدأ فورا بهذا المطلب يحاول تضليل الناس والآخرين في مساعيه ونواياه…

إن إعلان الحملة الوطنية للبناء وإعادة إعمار البيت الوطني معا وسويا بما تضمنت المقترحات في أعلاه وهي مقترحات لأنها تقبل الحوار والتنضيج لتدقيق المسار وخطاه وأسقفه الزمنية، إن ذياك الإعلان يبدأ بمهمة لا تقبل بذريعة للإبقاء على عنصر مسلح واحد أمام وجود أشكال الحماية والمواثيق والمعاهدات الوطنية والدولية للعراقيين تحميهم دولتهم…

إذن، أؤكد أنه (إذا) ما توافرت إرادة القرار الوطني، فإنَّ الحلَّ فعلياً، يكمن في خطة استراتيجية شاملة تكون من محاورها الرئيسة استراتيجية

مخصوصة لحل كل الميليشيات، الأمر الذي يضمنُ نجاحها يتمثلُ في تسليم المهام كاملة للمؤسسات القانونية للدولة ومنح عناصر تلك الميليشيات دورات تدريبية تأهيلية لمختلف المهن التي ستنطلق بها الدورة الاقتصادية زراعة وصناعة وبكل مناحيها الأخرى التي تعني استراتيجية مشروعات الاستثمار لإعادة الإعمار لكل الوطن وطبعا إعادة بناء الإنسان العراقي نفسه..

هل لنا أن نتخذ هذا الطريق بلا خوف ولا خشية وبخيار نتمسك فيه بعقدنا الاجتماعي طريقا للبديل؟ ذلك يعتمد على شجاعة قوى التنوير في توحيد جهودها وتنظيمها التحالفي وفي تقديمها الاستراتيجية التي أشرنا إليها بصورة مقترحة أولية أكدت عدم استحالة التوجه لاستعادة مؤسسات دولة وطنية لا حياة للعراقيين ولا مستقبل من دونها، وكل الانتفاضات والتضحيات والنضالات ستؤول لفشل ما لم نتخذ طريقنا بإرادة جمعية وطنية تتجه غلى دولة حديثة نبنيها بخيار بديل هو خيار العلمنة ودمقرطة الحياة والتمسك بافرادة الوطنية الجامعة لا المزيفة بأطر مخادعة..

شكرا لكل تفاعل يصتع الدبيل النوعي النهائي بسلامة موضوعية شجاعة وجريئة…

لا تعليقات

اترك رد