فكرة السعادة ما بين الديني والإنساني

 

حدد الإسلام شروط البهجة والفرح والسرور والسعادة في محددات فقهية ومحرمات دائمة وتنبيهات مستمرة، الغرض منها حبس المسلم ضمن أشكال محددة من السعادة، وأيضا للحفاظ على الإطار العام للعلاقات الجنسية أو العلاقات ما بين الرجال والنساء أو في الإطار العام للمجتمع ومؤسساته بما يتعلق بالسلوك والأفكار والتعابير الفنية والاخلاقية والسلوكية، سواء في الأماكن العامة أو الخاصة. فالقرآن المقدس لدى العرب والمسلمين قد حدد أنواع الفرح بثلاث بحسب موقع بصائر. الأول: فرح محمود: وهو يتعلق بالفرح لتحصيل أمر ديني ينفع المسلم في دنياه وآخرته ومنه:

* أن نفرح بهدايتنا للإسلام الدين الخاتم واتباعنا للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى أنقذنا بذلك من النار: {قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا هو خيرٌ ممَّا يجمعون} [سورة يونس:58].

* الفرح بنصر الله تعالى للمؤمنين، وهزيمة أعداء الدين وتحقيق التمكين لدين الله في الأرض {ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله* ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} [سورة الروم:4-5]، وهو معنى عزيز على نفس المؤمن الصادق؛ لأنه في شوق حقيقي لهذا النصر. وأما المنافق فيظهر الفرح بانتصار أعداء الإسلام أو بهزيمة المؤمنين والتضييق على الدعاة العاملين.

* الفرح المتوازن وهو خيرٌ لصاحبه، كما أنّه أبعد عن إثارة الحسد والغيظ عند الآخرين ممن لم يحصل على ما حصلت عليه”

الثاني: فرح مذموم: وفي الإجمال هو فرح بما يغضب الله أو بما يضر صاحبه خاصة في الآخرة ومنه:

* الفرح بالمال الذي يؤدي بصاحبه إلى الطغيان والإعراض عن ذكر الله مثل قارون: {إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين} [سورة القصص: 76].

* الفرح بالمعصية كمن يفاخر بالزنا ويحدث بما فعله.

والنوع الثالث هو الفرح المباح وهو الفرح الذي يلازمنا عند تحصيل أمر محبب إلى نفوسنا أو تحقيق إنجاز سعينا إليه في أي أمر من أمور الدنيا، ومنه ما ورد في حديث الرجل الذي وجد دابته بعد أن أضاعها “لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ، فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا”، ثُمَّ قَالَ: “مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ” (رواه البخاري).

وبهذا المستوى، قد يزيد قليلا في التحريم وقد يتناقص ايضا ولكن بحسب هيمنة المؤسسات الدينية ورجال الدين على المجتمع، نرى أن الفرح والسعادة بالمفهوم الاسلامي متعارض تماما مع طاقة الإنسان ومشاعره التى تظهر السعادة في أشكال مختلفة وغريبة وحتى غير متوقعة يكون فيها الانسان حرا ومتوافقا مع ذاته وعاطفته ومسؤوليته. بينما تخضع ثقافة الفرح والسعادة في غالبية مجتمعاتنا تحت أطر وقوانين يمكن إجمالها بالثوابت والتابوهات المحرمة منذ قديم الزمان وهي الجنس والدين والسياسة. فتاريخ مجتمعاتنا العربية غارق بالبؤس والحرمان والتطرف الناتج عن الكبت والقمع والاستبداد، فقد أمتلأ بالتحرشات الجنسية والاغتصابات وزنا المحارم والبيدوفيليا وعلاقات السر والخفاء على طول الوطن العربي وعرضه. وهنا لا ندعو بالتأكيد الي فوضى جنسية بمقابل الكبت العام أو مخالفة قوانين مجتمعاتنا، ولكن بالتأكيد ندعو الي اعادة النظر في مفاهيم السعادة والعلاقات العاطفية وإعطاء الرجل

والمرأة الحق في الحرية الفردية في وضح النهار بدلا من التخفي تحت أستار الليل والخوف من الفضيحة ومباحث الآداب ومقصلة الوعي الجمعي المثقل بالوصاية والعقاب الشديد لكل من يخرج عن نطاق العيب والحرام.

فهل الفرح المحدد بشكل ديني يكفي الإنسان في العصر الحديث أن يعيش حياته باستقرار طبيعي ونفسي وعاطفي لأنه مؤمن فقط أو لأنه يؤدي الطقوس الدينية أو يهدى فردا آخر الي الإسلام؟!!..خصوصا أن الفرح المباح لا يذكر قيمة السعادة العاطفية وإنما يرجعها الي أشكال تقليدية لم تعد تدخل ضمن مفهوم السعادة بالشكل الانساني الحديث مثل أعمال الخير المحددة أصلا للجماعة الدينية، أو يرجعها الي السكن الزوجي لتفريغ الطاقة الجنسية وفق ضوابط وتقاليد غالبا ما تكون قمعية ولا إرادية بل في بعض الدول لا يكون للمرأة الحق في الرفض أو الاختيار لانها في النهاية ووفق المنظور الفقهي عورة وناقصة عقل ولا يجب أن يكون لها السلطة والارادة والسعادة الجنسية والارتباط بمن تحب وتقبل به، ناهيك عن الارتباط ما قبل الزواج الذي يعتبر من أشد الكبائر والمحرمات لدى الحكومات العربية ورجال الدين والفقهاء. ورغم أن الدين لا يمكن أن يقلل أو يحبط العلاقات الجنسية تحت أي مسمى وفي أي مكان نظرا لارتباط الجنس كغريزة فطرية بتكوين الإنسان نفسه. فهذه الشابة الباكستانية سابيكا خان التى هزت مواقع التواصل الاجتماعي بعد اعترافها عن تعرضها للتحرش الجنسي وهي في مكة اثناء قيامها لمناسك الحج قد أكدت أن الجنس غريزة لا يمكن قمعها حتى في أشد الأماكن قداسة. كما ونشرت محطة بي بي سي البريطانية على موقعها العربي تقريرا حول تحرشات جنسية وقعت في موسم الحج حصلت مع فتاة تدعى آنجي أنجوني واختها حول تعرضهم للتحرش بموسم الحج في عام 2010. بالاضافة الي ما ذكرته صحيفة الديلي ميل في فبراير 2018 كمقال للسيدة Sara Malm عن قصص لنساء مسلمات من شتى انحاء العالم يتعرضن للتحرش الجنسي في مكة داخل الحرم اثناء الطواف.

إن السعادة والفرح والبهجة، جميعها صور إنسانية بإمكانها خلق التواصل والتعايش والحب، فيمكنك أن تعشق من ابتسامة وأن تستلهم فكرة أو قصيدة أو لحظة غرام من حالة فرح وانسجام، وبإمكانك أن تخفف الألم وتضمد الجراح العاطفية بابتسامة وحضن وقبلة. وبإمكانك أن تقلل خسائر الحروب والكوارث بالوقوف مع المصابين ودعمهم عاطفيا وإنسانيا.

علينا اليوم أن نفهم أن مفهوم السعادة لا يجب حصره بإرث ديني أو فقهي قد انتهى مع زمانه ولم يعد قادرا على تقديم السعادة الحقيقية للإنسان في مجتمعاتنا العربية والاسلامية. فالسعادة بنظر افلاطون “يجب ان تقوم على نوع معين من التناغم والانسجام بين الرغبات والاهداف في حالة تعددها” ويعد افلاطون السعادة هي الخير الأسمى. بينما في كتاب الاخلاق لسبينوزا يقول بأن السعادة “هي الغبطة التى ندركها حينما نتحرر من عبودية الأهواء ومن الخرافات والأحكام المسبقة”. فالسعادة هي شعور ممكن دائما وغير محصور بفتوى أو عصا الشرطي أو قانون للدولة. السعادة لا تكمن في الطعام والشراب والجنس فقط، بل هي بهجة الحياة حينما نرى الوجود الكوني والإنساني ينساب بين أحلامنا وضحكاتنا، وحينما نسعد مع سعادة الآخرين وأفراحهم، وحينما نحظى بحضن دافئ ينسينا آلام اليوم والعمل، وحينما نقدم المساعدة من أجل مسح الدموع وتعليم البنات ومنع الأذى عن الأطفال، وحينما نسعد بكل تغيير نفعله في العقول والنفوس والأفكار.

لا تعليقات

اترك رد