الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة ج3

 

وهذا الأمر قَد غير مسار بعض قصائد الشعر العربي من القافية والوزن إلى شعر جديد اطلق عليه (الشعرالحر ) او( التفعيلة) او الى شعر النثر المعاصر فأوجد ت انواعا جديدة من الشعر وهذه مقاطع من قصيدة للشاعر صلاح عبد الصبور يقول :

حدثتموني عن سنابك مجنحه
تفتق الشرار في أهلـّة المآذن
عن عصبة من السيوف لا تفـل
قد أُغمدت في الصخر لاتـُسل
إلا إذا قرأتم دونها أسماءكم
ياعصبة الأماجد
الأشاوس
الأحامد
الأحاسن
وقلتم:
يا أيها المُغني غننا
مُسـَمل العينين في حضرتنا
لحناً يثير زهونا
ويذكر انتصارنا
(إذا تحين ساعة موعودة
نغيم في أشراطها
لم تنخلع عن غيمها إلا لنا
الساعة التي تصير فيها خَوذةَ الشيطان
كأسا لخمر سيد الفرسان .

وقد تغيّرَ الشعر العربي عمّا كانَ سابقاً ليصبحَ في بعض مساره عبارة عن شعر ( حر ) او قصيدة ( نثر) تتجسّد كلماتهُ باستخدامِ مفرداتٍ وكلماتٍ لها مَعنى ومغزى مختلف ، وهذا النوع منَ الشعر قد إنتشر انتشارا واسعاً وسريعا في هذا الوقت المعاصر خاصة في ظل التقنيات الجديدة من وسائل الاعلام الكثيرة والنشر الاكتروني الرخيص مثل الصحف والمجلات الالكترونية والتلفزة والانترنيت وصفحات التواصل الاجتماعي ( الفيسبك ) وما اليها . وفتح الباب على مصراعيها ليكتب من اراد الكتابة شعرا ممن هدب ودب فيصف نفسه شاعرا لانه نضد كلمات بعضها تحت بعض فيظنه شعرا . الا ان هؤلاء لا يخفون عن الادباء من الشعراء والنقاد ( حماة العربية ) لذا يبقى ناكصا مايكتبونه وسيندثر ما يقولونه بمرور الزمن فالبقاء للاصلح والافضل وهذه سنة الحياة بمرور الزمن وحداثته .
احدى (الشاعرات) تقول :

زغردي يا ملائكة الرحمة لشروق
اليوم زفتها للجنه مع صباح جديد للسياج
وللملائكه هي طلبت الشهادة ونالتها
هي ناجة ربها للشهادة وناشدتكم
أكمال الطريق طريق الشهادة
والعمل الخيري
خنساواتك فلسطين كثروا
هم فخر العرب
هم حصاد الشهادة وصبر السنين
لن أسال عن منظمات حقوق لأن العدو…
لا يعرف الحقوق والمنظمات متواطأه
جبناء حقيرون يدوسون الملاك
لن أسأل ماذا فعلت بل كثيرا عملت
انقذت أرواح وداوت جرحى
لذالك خافها الجبان وقتلها دون رحمة
بدم بارد تقتل الملائكه وحمام السلام
صبرا أمهات الحمام صبرا غزه
النصر قادم مع شعب عشق الشهادة
عشق القدس وترابك ورواه بدمه المسكي
رحمتك ربي بغزه وأهلها
ونصرا مبينا من عندك
.
اهذا هو الشعر بمقاساته الجديدة ..؟؟ والعجيب ان قناة التواصل الاجتماعي (الفيسبك ) مليئ من هذه النماذدج .
*
الشاعر العربي ابن وقته يترجم ما يعتمل في نفسه ومجتمعه وما يكتنفه من احداث رضي ام لم يرض – فلا يوجد شاعر عربي حديث الا وكتب عن قضية فلسطين – مثلا- وعليه فالشعر العربي الحديث يمثل نفسية الشاعرالعربي في نظرته للوطن العربي الحديثة والواقع العربي المعاش منذ زمن النهضة العربية وحتى وقتنا الحاضر . ونستشف مما جاء رغم ضحالته وبعده عن كينونة الشعر ان القضية الاولى في الوطن العربي هي قضية فلسطين والنضال المستمر في سبيل التحرير والعودة مما يؤدي الاستشهاد والفداء للارض العربية اينما كانت .

نعم فقد انبعثت روح النهضة العربية في كل مفاصل الحياة بعد سبات دام قرونا منذ النصف الاول من القرن التاسع عشراو قبيله بقليل – أي في نهايات العصر العثماني – بعد ان خمدت جذوته وانتكست انتكاستها الكبرى خلال الفترة السوداء من تاريخ الامة العربية ابتداءا من دخول المغول ( ا لتتار) بغداد وحتى بداية القرن التاسع عشر او بعده بقليل او العقود الاولى من القرن العشرين .

فقد كانت الدولة العثمانية تجثم على انفاس الامة العربية تفرض هيمنتها على البلاد العربية في نهايات ايام حكمها للاقطار العربية – بعد ان كانت تمثل دولة الاسلام في حينها- بحكمها القاسي حكما استعماريا ظالما – (لا فرق بين استعمار واخر كل يريد تحقيق مصالحه على حساب البلد الذي استعمره ومحاولة جعله تحت سيطرته مدة اطول )- مم ادى الى تـأخر البلاد في مختلف نواحي الحياة وخاصة الثقافية فقد اتّبع الاتراك سياسة التتريك في البلاد العربية ومحاولة القضاء على لغتهم الام – العربية- وهي لغة القران الكريم والدين الاسلامي الذي يدين به الاتراك أي فضلوا اللغة التركية على دينهم في سبيل نشر لغتهم وطمس معالم العربية في بلاد ها التي تحت سيطرت الاتراك وكان نتيجة ذلك ان ساد الامة العربية ثالوث الفقر والجهل والمرض .

وقد ادى ذلك الى هجرة جماعات من البلا د العربية خاصة من سوريا ولبنان الى خارج بلادهم خوف القتل والتنكيل بهم من قبل الحاكمين الاتراك او من سايرهم من الحكام العرب وقد اسس هؤلاء العرب المهاجرون جاليات وجماعات وجمعيات في امريكا والبرازيل وغيرها من الدول التي هاجروا اليها وبرز منهم جماعات رائدة في مجال الادب والشعر مثل ايليا ابوماضي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وابناء المعلوف وغيرهم كثير . يقول جبران في احدى مقالاته :

(أنا متطرف حتى الجنون ، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء ، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس ، وحب لما يأبونه ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة ، أما قول بعضهم أن كتاباتي (سم في دسم) فكلام يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف ، فالحقيقة العارية هي أنني لا أمزج السم بالدسم ، بل أسكبه صرفًا غير أني أسكبه في كئوس نظيفة شفافة.)
بينما يقول ايليا تابو ماضي :

ليت الذي خلق العيون السودا
خلق القلوب الخافقات حديدا

لولا نواعسها ولولا سحرها
ما ودّ مالكٌ قلبه لو صيدا

عَوذْ فؤادك من نبال لحاظها
أو متْ كما شاء الغرام شهيدا

إن أنت أبصرت الجمال ولم تهم
كنت امرءاً خشن الطباع ، بليدا

وإذا طلبت مع الصّبابة لذةً
فلقد طلبت الضّائع الموجودا

يا ويح قلبي إنّه في جانبي
وأظنّه نائي المــــــــزار بعيدا

مستوفزٌ شوقاً إلى أحبابه
المرء يكره أن يعيش وحيدا

ونلاحظ الفرق الكبير بين هذه المقاطع الشعرية

اما في الشرق العربي فقد بدات الحياة تسري من جديد في الروح العربية وخاصة النهضة الفكرية وتسربت بين الشباب العربي وبعد اتصال البعض منهم بالغرب مثل بريطانيا او فرنسا اوغيرها واخذ شبابنا العربي يتطلع لما في هذه الشعوب ويدرك ضرورة التخلص من الاستعمار التركي الاستعمار الغربي والثورة على العادات والنظم البالية والمتهرئة التي البسها الاستعمار للامة العربية وكذلك كان من اسباب هذه النهضة التمازج العربي مع الغرب عن طريق الارساليات التبشيرية- ولو انها كانت تهدف الى استعمار من نوع جديد – ودخولها الوطن العربي وايجا د المطابع وعملها البلاد العربية ونشر الحرف العربي والفكر العربي وطبع بعض الكتب القديمة ومنها الدواوين الشعرية لفحول شعراء العربية وكذلك فتح بعض المدارس باللغة العربية بعد غزو نابليون واستعمار فرنسا لمصر.

ظل الشعر في فترة الانحطاط والتاخر – الفترةالمظلمة – مطبوع بطابع الفردية تقليديا . وعناية الشاعر تنطوي على التزويق اللغوي واللفظي دون المعنى وتحوله الى صناعة شعرية بحتة تكثر فيها الصور التقليدية الماخوذة من قبلهم وكثرت التشبيهات الى حد انعدام المعاني الشعرية الجديدة او طمسها و ظهور من كتب الشعر بالعامية او المحلية وخاصة في اواخر دول التتابع او الفترة المظلمة بحيث ادى الى ركود الشعر ضياع التنسيق والفوقية والبلاغة والاساليب الشعرية التي كان الشعرالعربي عليها ايام زهو الخلافة العربية وازدهار لغة الضاد .

راجع كتابي ((موسوعة شعراءالعر بية المجلد الثامن ( شعراء النهضة العربية ))

Sent from my iPad

لا تعليقات

اترك رد