اساءة استعمال حق الشكوى


 

لقد اهتمت التشريعات المدنية في العالم الحديث بقضيتين مهمتين، وهما: استعمال الحق بقصد الإضرار بالغير، واستعمال الحق لتحقيق مصلحة غير مشروعة، واللتان تمثلان المظهر العام لنظرية يطلق عليها في التشريعات الوضعية نظرية التعسف في استعمال الحق، ومنها التشريعات التي قامت في البلاد العربيـة، وجعلت أَحكامها ونظريتها في الصدر من هذه التشريعات القانونية المدنية، وقرر واضعوها وشراحها أَنَّ موضوع التعسف هذا تنبسط أحكامه ومعاييره وقواعده على جميع أَنواع الحقوق التي تضمنتها التشريعات العامة والخاصة.

ولقد سبقت الشريعة الإسلامية غيرها من التشريعات بالأَخذ بنظرية التعسف في استعمال الحق؛ ذلك لأَنَّ الشريعة الإسلامية تقيم أحكامها على أساس العدالة والرفق بالناس ورفع الحرج عنهم، وتستهدف تحقيق المصالح ودرء المفاسد، وهي بذلك تختلف عن المذهب الفردي الذي يجعل حق الفرد أَساس وجود القانون،

أَنَّ القانون ما وجد إلا لحماية حقوقه وكفالتها، وعن المذهب الاجتماعي الذي يرى أن الحق ليس مُكْنَة مطلقة لصاحبه، وإنما هو وظيفة اجتماعية، لا يكون استعماله إلا لتحقيق خير المجتمع وصالحه، ولا ينكر فقط السلطة المطلقة لصاحب الحق في استعمال حقه، بل ينكر أيضا أن يكون له سلطة على الإطلاق.

ومن المستقر عليه فقهاً وقضاء في الأنظمة القانونية المقارنة أنه لا يجوز لصاحب الحق أن يتعسف في استعمال حقه على نحو يلحق ضرراً بالغير، فدرء المفاسد أولى من جلب المنافع، فمثلاً لمالك العقار أن يتصرف في ملكه كيف يشاء شريطة ألا يضر بجاره. والحق في التقاضي كغيره من الحقوق يجب استعماله بطريقة مشروعة خالية من التعسف. فاستعمال الشخص لحقه في اللجوء إلى القضاء –كما يقول فقهاء القانون -ليس مطلقاً وإنما هو مقيد بألا يكون استعماله لهذا الحق بطريقة غير مشروعة تلحق أضراراً بالغير لأنه ممنوع من التعسف في استعمال أي حق من الحقوق التي تثبت له.

فلا يجوز استخدام حق التقاضي بقصد الإساءة أو الكيد أو مضايقة الخصم. وقد حددت محكمة النقض المصرية في بعض أحكامها ضوابط استعمال هذا الحق فقالت في أحد أحكامها (إن حق الإلجاء إلى القضاء وإن كان من الحقوق العامة التي تثبت للكافة إلا أنه لا يسوغ لمن يباشر هذا الحق الانحراف به عما شرع له واستعماله كيدياً ابتغاء مضارة الغير وإلا حقت مساءلته عن تعويض الأضرار التي تلحق الغير بسبب إساءة استعمال هذا الحق).

وكان من المقرر قانونا أن التعسف في استعمال الحق ما هو إلا صورة من صور الخطأ التقصيري ويدخل بهذا الإطار في نطاق المسئولية التقصيرية ومن ثم فإن الأساس القانوني لنظرية التعسف في استعمال الحق ليس هو إذن إلا المسئولية التقصيرية ومعيار التعسف هو عينه المعيار المعروف للخطأ التقصيري ففي استعمال الحقوق كما في اتيان الرخص يجب إلا ينحرف صاحب الحق عن السلوك المألوف للرجل العادي فإذا هو انحراف حتى ولو لم يخرج عن حدود الحق عدَّ انحرافه خطأ يحقق مسئوليته وذلك درءا لاتخاذ ظاهر القواعد القانونية ستاراً غير أخلاقي لألحاق الضرر بالغير غير أن الانحراف هنا لا يعتد به إلا إذا اتخذ صورة من الصور التي عددتها المادة 4،5 من ق المدني .

*** على حد تعبير محكمة النقض: –
((أي يجمع بينهما ضابط مشترك هو نية الإضرار سواء على نحو إيجابي بتعمد السعي إلى مضارة الغير دون نفع يجنيه صاحب الحق أو على نحو سلبي بالاستهانة المقصودة بما يصيب الغير من ضرر فادح من استعمال صاحب الحق لحقه استعمالاً أقرب إلى الترف مما سواه)) · ومن خلال ما سبق لا يكفي أن يقصد صاحب الحق الأضرار بالغير بل يجب فوق ذلك أن يكون استعماله لحقه مما يعتبر انحرافاً عن السلوك المألوف للشخص العادي.

*** وقد قضت محكمة النقض في عدة أحكام منها: –
((أن حق الشكوى من الحقوق المباحة للأفراد ولا يترتب على استعماله أدني مسئولية قبل المبلغ طالما لم يثبت كذب الواقعة المبلغ عنها وأن التبليغ قد صدر عن سوء قصد))

(نقض 17/2/1981 الطعن رقم883 لسنة 50 ق – المدونة الذهبية المدنية) التزام 10/4/161· وأنه لا محل للقول بأن المؤجر يتعسف في استعمال حقه إذا تمسك بشرط يجيزه القانون وارتضاه المستأجر متى قام سبب لتمسكه بهذا الشرط (الحصول على موافقة المؤجر للتأجير من الباطن أو التنازل عن الإيجار)
(نقض مدني 25/6/1986 – المدونة الذهبية – العدد الثالث فقرة 411)

*** كما قضي أيضاً: –
((بأن القول بعدم جواز الحكم بالتعويض على شخصه يقوم بالدفاع عن نفسه مشروط بعدم إساءة استعمال حق الدفاع))
(استئناف بني سويف 11/11/1973 – القضية رقم 40 لسنة 11ق)

· أما الصورة الثانية وهي رجحان الضرر على المصلحة رجحاناً كبيراً – فالمعيار هنا موضوعي قوامه الموازنة المجردة بين النفع والضرر دون نظر إلى الظروف الشخصية للمنتفع أو المضرور يسراً أو عسراً000 ذلك أن فكرة إساءة استعمال الحق لا تنبع من دواعي الشفقة وإنما من اعتبارات العدالة القائمة على إقرار التوازن بين الحق والواجب.

*** وقد قضي أيضاً: –
إن استعمال الحق لا يكون غير مشروع إلا إذا لم يقصد به سوي الإضرار بالغير وهو مالا يتحقق إلا بانتفاء كل مصلحة من استعمال الحق. وكان حق التقاضي والدفاع من الحقوق المباحة ولا يسأل من يلج أبواب القضاء تمسكاً بحق يدعيه أو دفعاً لادعاء يقام عليه إلا إذا ثبت انحرافه عن الحق المباح إلى اللدد في الخصومة والعنت مع وضوح الحق ابتغاء الإضرار بخصمه.
(نقض 24/1/1988 – الطعن رقم 2344 لسنة 54 ق)

(نقض 7/11-مجموعة أحكام النقض لسنة 40 ق – العدد 3 رقم319 لسنة 26) (نقض مدني 25/2/1990 – مجموعة أحكام النقض لسنة 41 ق رقم 101 صــ560) أما الصورة الثالثة: وهي عدم مشروعية المصالح التي يرمي صاحب الحق إلى تحقيقها فالمعيار هنا موضوعي أيضاً وإن كان الوصول إليه عاملاً ذاتياً (هو نية صاحب الحق)0

*** وقد قضت محكمة النقض: –
بأنه يبين من استقراء الصور المنصوص عليها في المادة الخامسة من القانون المدني أنه يجمع بينهما ضابط مشترك وهو نية الإضرار سواء على نحو إيجابي بتعمد السعي إلى مضارة الغير دون نفع يجنيه صاحب الحق من ذلك أو على نحو سلبي بالاستهانة المقصودة بما يصيب الغير من ضرر فادح من استعمال صاحب الحق لحقه استعمالاً هو إلى الطرف أقرب مما سواه مما يكاد يبلغ قصد الإضرار العمدي0000 إلخ.

وتطبيقاً لذلك قضي: بأن تبليغ الجهات المختصة بما يقع من الجرائم لا يعد خطأ تقصيري يستوجب مسئولية المبلغ إلا إذا ثبت كذب الواقعة المبلغ بها وأن التبليغ صدر عن سوء قصد وبغية الكيد والنيل والنكاية بمن أبلغ به أو ثبوت التبليغ عن تسرع ورعونة وعدم احتياط.
(نقض مدني 7/11/1989 – الطعن رقم 2273 لسنة 57 ق)

من المقرر في قضاء المحكمة الإدارية العليا أن: “حق الشكوى مكفول دستورياً وأن للعامل أن يبلغ عن المخالفات التي تصل إلى علمه -بل أن هذا الإبلاغ واجب عليه -توخياً للمصلحة العامة -إلا أنه يتعين عليه عند قيامه بهذا الإبلاغ ألا يخرج عما تفتضيه واجبات الوظيفة العامة من توقير الرؤساء واحترامهم وأن يكون قصده من هذا الإبلاغ الكشف عن المخالفات توصلاً إلى ضبطها لا أن تلجأ إليه مدفوعاً بشهوة الإضرار بالزملاء أو الرؤساء والكيد لهم والطعن في نزاهتهم على غير أساس من الواقع -يجب أن يكون الشاكي أو المبلغ على يقين من صحة ما يبلغ عنه ويملك دليل صحته -إذا خرج العامل في شكواه على الحدود المتقدمة فإنه يكون قد أخل بواجبات وظيفته وحق عليه العقاب – تطبيق”.

أساء استعمال حق الشكوى بتقديم شكوى ثبت عدم صحة ما تضمنته من وقائع فإنه لما كان المقر أنه يتعين على المرؤوسين توفير واحترام رؤسائهم ويعتبر ذلك واجبا تحتمه طبيعة النظام الإداري والسلطة الرئاسية وفي مقابل ذلك يتعين على الرؤساء احترام كرامة وحقوق العاملين تحت رئاستهم وعلى ذلك فإنه يتعين للتأكد من وقوع مساس من مرؤوس برئيسه من خلال عبارات وردت في تظلم أو شكوى قدمها إليه أن يتوافر في تلك العبارات لفظا

ومعني وفي إطار الظروف والملابسات التي جرت فيها ما يعد خروجا عن حق التظلم والشكوى بقصد الإيذاء الأدبي والمعنوي للرئيس الموجهة إليه سواء بالتشهير به أو إهانته أو تحقيره أو المساس بهيبته وكرامته بأي وجه من الوجوه وذلك في ضوء إطار السياق الكامل لعبارات التظلم الذي حرره العامل وذلك للوقوف عما إذا كانت هناك ثمة عبارات وألفاظ مؤثمة من عدمه.

ومن حيث أن قضاء هذه المحكمة قد استقر على أن الشكوى حق يكفله الدستور ويشترط لممارسته أن توجه إلى السلطة المختصة وألا تندفع في عبارات جارحة تكيل الاتهامات بغير دليل حتى لا تفقد سند مشروعيتها وتنقلب إلى تصرف معيب، ولا يجوز للموظف أن يتخذ من الشكوى ذريعة للتطاول على الرؤساء وينطبق ذلك على التظلم فهو في حقيقة نوع من الشكوى ويجب على المحكمة التأديبية وهي تبحث مضمون الشكوى أو التظلم للتأكد من وقوع مساس من الموظف برؤسائه من خلال عبارات وردت في أي منهما أن تتوافر في تلك العبارات لفظا أو معنى يفهم منه في إطار الظروف والملابسات التي أجرت منها ما يعد خروجا على حق الشكوى أو التظلم ويتعين تحديد العبارات والألفاظ المؤثمة بوصفها الأساسي في إدانة الموظف بتهمة التطاول على الرؤساء.

ومن حيث انه إذا كانت جهة العمل تترخص في تقدير مدى جسامة الفعل ولا جزاء المناسب له إلا أن هذه السلطة التقديرية تنحسر في وجود لائحة للجزاءات تحدد الأفعال المؤثمة والجزاءات المقررة لكل منها فعندئذ يتعين الالتزام بتلك اللائحة ومتى كانت جهة الإدارة مقيدة بلائحة الجزاءات المطبقة لديها فإن المحكمة التأديبية تكون بدورها ملزمة بها ولا تكون الشركة قد التزمت بتطبيق القانون الذي لم يسلب حق الشركة في اجراء التحقيق مع أعضاء اللجنة النقابية اما سلطة النيابة الإدارية للتحقيق مستمدة من سلطة الاحالة من رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب . (حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 1284 لسنة 40 قضائية – جلسة 18/3/2001 مجموعة المكتب الفني – السنة 46 – صـ 1055 – فقرة 1).

ومن حيث أن الثابت من الأوراق أن جهة الإدارة اعتبرت الألفاظ التي استخدمها الشاكين في شكواهم نوعا من التعدي الجسيم على الرؤساء بعد أن وصف أعمال رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب بأوصاف مخالفة العرف والقانون واعتماده على عناصر مشكوك في نزاهتها وامانتها وكذلك أحد قيادتها العليا مدير عام المشتريات والمخازن (ندبا) ومدير إدارة مكتب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب.

والذي يبدو أنه لا يلزم لزوماً مطلقاً من انتفاء المصلحة أو المنفعة في استعمال الحق توفرُ نية قصد الإضرار بالغير؛ فقد يستعمل صاحب الحق حقه على وجه غير وجه تحقيق المنفعة له، ولا يقصد من ذلك إلحاق الضرر بالغير، كمن يتلف طعاما له أو بعض ملابسه، فلا يلزم من ذلك إلحاق الضرر بالغير، ولا تعد نية الإضرار بالغير مفترضة،

بل إن قولة (مفترضة) مفتقر لقبوله إلى وجود نص قانوني ينص على افتراض هذه النية فيما ذكر. إن انتفاء المنفعة في الاستعمال قد يكون عن جهل، أو غفلة أو عدم خبرة في استعماله، ومن ثمَّ فلا تشترط فيه نية خاصة حين البحث في النية، لكن قصد الإضرار بالغير نية خاصة، فمثلا لا بد للدائن (المضرور) من إثباتها.

ومع ذلك فإن تطبيق هذا المعيار يقتضي الاستعانة بمعيار موضوعي هو مسلك الرجل المعتاد في هذا الموقف، إذ إن مجرد نية الإضرار، بمعنى الإضرار العمد لا يكفي بذاته للقول بوجود انحراف في السلوك، فالشخص قد يستعمل حقه ويتعمد الإضرار بغيره، ومع ذلك لا يعتبر منحرفا إذا كان استعمال حقه على هذا النحو يحقق له نفعا كبيرا يفوق بكثير الضرر الذي سيصيب الغير، أما إذا انطوى استعمال الحق على قصد الإضرار بالغير، دون أن يقترن ذلك بتحقيق أية مصلحة لصاحب الحق، أو بتحقيق مصلحة ثانوية، أو تحققت مصلحة له بطريقة عرضية غير مقصودة، فإنه يكون متعسفا في استعمال حقه طبقا لمسلك الشخص المعتاد في مثل هذه الظروف.

والظاهر مما تقدم أن الممنوع هو قصد إلحاق الضرر بالغير من غير حق، أما إدخال الضرر على أحد يستحقه، إما لكونه تعدى حدود الله فيعاقب بقدر جريمته، أو لكونه ظلم غيره، فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل، فهذا غير ممنوع قطعا ولا يعد فاعله مسيئا، فهذا فعل في دفع الظلم، واستعماله مشروع، وقد يجب استعماله حسب الأحوال.

عدم التعرض للفيروسات www.avast.com

لا تعليقات

اترك رد