الاحزاب الدينية في العراق الى أين ..

 

منذ عام 2003 ونحن في دوامة الأحزاب الدينية التي لبست ذالك القميص الذي لم يكن ابدا ليصلح لها والتي ضيعت العراق ومستقبل أجياله القادمة في بؤر صراع ساخنة تتولد هندسيا في كل يوم بل في كل لحظة في طول البلاد وعرضه،سحائب من الحزن ورواسب من الأسى خيم علي الأجواء،قد يسأل المواطن نفسه هل تستحق هذه الأحزاب الدينية فرصة أخيرة ليصححوا أخطائهم و يراجعوا أفعالهم السابقة و يغيروا سلوكهم في المستقبل؟

دائما من الممكن إعطاء فرصة للمخطئ حتى يصحح أخطائه ، ولكن هؤلاء تسببوا في انهيار دولة و تضيبع بلد وشعب بالكامل، وبالتالي لا يمكن منحهم فرصة أخرى لأنهم عاجزون عن التغيير، ومن الطبيعي أن الأحزاب الدينية تُدرك أن شعبيتها داخل الوطن بدأت بالاضمحلال وبالتالي تبحث عن الطرق و الوسائل التي تساعدها في تجميل صورتها أو تقديم نفسها بصورة مختلفة لإقناع الجمهور مرة أخرى ، فبدات تلصق بنفسها بطولات وأنجازات الحشد الشعبي ولكن من ينظر إلى الواقع العراقي المليء بالفساد وارتكاب اخطاءجسيمة و تراجع في المستوى التعليمي و الخدمي و الصحي يُدرك أن هذه العقليات انتهت صلاحيتها ومن الضروري إبعادها عن سيطرتها الدائمه على السلطة و الحكم ، وليس هذا كافياً بل يجب محاسبة و معاقبة كل القيادات المتورطة بملفات الفساد والسرقة و دعم الفساد وحظر هذه الأحزاب التي تتاجر بالمقدسات و الدين ومصادرتها لجهود الحشد الشعبي في سبيل الوصول إلى أهداف خارجية لا علاقة لها بالعراق أو بمصالح المواطنين.

الأحزاب الدينية في العراق وبعد (15) سنة من الحكم لا تملك أي إنجاز حتى تمنح نفسها شرعيةالاستيلاء على السلطة والاستمرار مع كل هذه الاخفاقات والفساد و الإنجاز الوحيد الذي يتحدثون عنه ليل نهار و يكررونه في خطاباتهم هو إسقاط النظام السابق والذي حدث اصلا بسبب تدخل أمريكي وبعدها تسلموا الحكم على طبق من ذهب دون تعب، لذلك لم يبحثوا عن الإنجازات و تطوير البلاد و تقديم مشاريع التنمية لأنهم لم يشعروا اساسا بمعاناة الناس حتى يهتموا بتقديم الخدمات والمشاريع للشعب الذي علق آماله عليهم للتقدم نحو الأمام فخذلوه.
ومنذ وصول الأحزاب الدينية لسدة الحكم وهم يعملون على نشر الجهل و التخلف بين أبناء الشعب العراقي حتى نجحوا في تغذية الطائفة وارجاع العراق قرون الى الخلف وأشعلوا صراعات سياسية متى ما شعروا بالخطر على مناصبهم، لأن الأحزاب الدينية أدركت أن بقاء المجتمع ضعيفا و مقسما و ممزقا يزيد من فرص بقاءهم وبالتالي ليس من مصلحتهم إيجاد حل حقيقي ما يعانيه المجتمع العراقي.

تحتوي الخريطة السياسية الحزبية على حوالي 200 حزب سياسي، ما بين ديني، وعلماني، وشيوعي، وقوى تتبع الأثرياء ورجال قبائل، أحزاب طائفية، وقومية، سنية، وشيعية، وكردية، وتركمانية وآشورية، كثير منها تشكل عقب الغزو الأمريكي، هناك أحزاب تقليدية تاريخية، مثل الحزب الشيوعي الذي يكاد ينقرض في العراق أو في غرفة الانعاش، أبرز هذه الأحزاب حوالي 14 حزبًا دينيًّا شيعيًّا وبعض الاحزاب السنيه والكرديه تهيمن على الإدارة العامة العراقية وقواتها الشرطية والأمنية والعسكرية، وهي الآمر الناهي والمقرر والمشرع،
وغالبا ماكانت دول الجوار ملجأ لهذه الأحزاب في زمن النظام السابق، بعضها تم تأسيسه وتمويله في الخارج بالكامل، أبرز هذه القوى هي حزب الدعوة بزعامة الجعفري الذي تأسس عام 1957، حزب الفضيلة 2003، حزب الوفاق الإسلامي 1980، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة آل الحكيم ويترأسه اليوم القيادي الشاب عمار الحكيم أسس عام 1982 إبان الحرب العراقية- الإيرانية، حزب الله العراقي 1992، التيار الصدري وذراعه العسكرية سرايا السلام الذي يترأسه الزعيم السيد مقتدى الصدر.
وأمام مرحلة جديدة من سيطرتهم على المشهد السياسي وضعف التمثيل النيابي والسياسي والرسمي للشخصيات العلمانية التي لم تستطع ان تمد جسور الثقة بينها وبين شرائح المجتمع العراقي، ولم تستغل حالة الاحباط وعدم القبول بالاداء السياسي الضعيف والسلبي للاحزاب التي وصلت الى سدة الحكم وفي عصرها احتلت عصابات داعش مساحات واسعة من ارض الوطن واستباحت المقدرات والاعراض وقتلت وسلبت ونهبت قبل ان تتمكن القوات الامنيه العراقيه والحشد الشعبي من القضاء عليهم وتحرير المدن ومازالت اثارها السلبيه في نفوس العراقيين شاخصة حتى الوقت الحاضر، اصبحت أزمة الأحزاب الاسلامية في العراق ازمه غير مسبوقة والمنذرة باقتراب نهاية ما يعرف بتجربة “الحكم الإسلامي” بعد أن فقدت تلك الأحزاب ثقة الشارع العراقي وأصبح قادتها موضع نقمة الجماهير الغاضبة باعتبارهم رموزا للفشل والفساد والسرقه على حدا سواء وسط معطيات مناخية ومعيشية بالغة القسوة يعانيها المواطن وبلد فقد جميع بناه التحتيه بعد ان نخر جسده الفساد وتسلط الاحزاب السياسيه الدينية على المناصب واستخواذها على كل مقدرات المال العام دفعوا بالعراق الى تلك الهاوية السحيقة.
الوطن مستباح وخيراته الكثيرة تتعرض للنهب والسرقة والإبتزاز وبأرقام فلكية لا يعلمها إلا الله، وضاع الشعب بين فسادهم وقدسية دينهم المزعوم فقد تفننوا في الخداع والتضليل .
لطالما كان المشروع الديني هو ما لعبت على وتره هذه الاحزاب واستغلالها لعوامل كثيرة ، منها داخلية ، واخرى بسبب ظروف العمل السياسي القاسية التي عاشوها في المنفى ، فترسخت مفاهيم دخيله على المواطن العراقي . وتبادلت النفس التأثير والتأثر في مجال الفكر التنظيمي وآلياته .
صحيح ان الاسلام كان الشعار الأوسع لهذه الاحزاب إلا ان الأسس المذهبية كانت ولا زالت هي محرك انتاج السياسات خاصة بعد سقوط النظام السابق .
الاحزاب الاسلامية الدينية كانت من اكثر المنتفعين سياسيا من من تغير النظام السابق والذي لم يتغير طبعا من جهادهم ولا من تحت عبائتهم المترهلة بل جاء مع قطارالاحتلال فدخلوا معه متاهة التغيير من حزب يحكم بطاغية دكتاتورية سقيمة، الى تعددية تيارات واحزاب وكتل دلفت من الباب الخلفي دون إرادة الشعب وبذاك المسمى ( التغيير ) اولجت نفسها لتقرر انها تنشد السير في خطى مختلفة، يحدوها أمل الوحدة الوطنية… فسارت تضم من يواليها عطشا للمسمى الديني الذي يطلقونه بشعارات حسينية أساءت بلغطها الى الرمز الذي أراده الله ان يكون عتلة التغيير في مفترق الطرق للاسلام والدين، باستخدام عباءته التي لَمّتَ تحت ظلمتها عرابيد سوداء، ما ان فُسِح لها حتى راحت تلدغ من لايواكبها في الرأي او الإنضمام إليها، عبث ما بعده عبث.

لم نسمع في كل المظاهرات التي جرت في العالم،،هذا الكم من السباب والشتائم والقذف والتهكم والاستهزاء والاستخفاف،،والاحتقار والرفض كالذي اسمعه الشعب العراقي لقادته وطبقته السياسية الفاسدة بكل الوانها واطيافها واشكالها،،،
تحولت الاحزاب الاسلامية الى منصة مطيعة الى تفريخ حيتان الفساد السياسي والمالي والاداري , وشددت من قبضتها في خنق حرية الرأي والتعبير , واختارت اسلوب متخبط في معالجة قضايا الشعب الحساسة , لذلك انتبهت الجموع الغفيرة من اوساط الشعب , وادركت بانها وقعت ضحية نفاق وخداع من هذه الاحزاب , وزاد الطين بلة , بان هذه الاحزاب الاسلامية اختارت طريق الانعزال والانفصال وقطع الصلة , عن الشعب وعن الجماهير الغفيرة , التي انتخبتها ووضعتها في البرلمان والحكومة , وفي قيادة دفة البلاد . فقد حشرت هذه الاحزاب نفسها في ابراج عاجية وعالية بعيدة كل البعد عن الواقع الفعلي والملموس ولم تقدم خدمة للمواطن بل انها تنكرت له اذ صارت تعيش في وادٍ والشعب يعيش في وادٍ اخر , لان كل همها وطموحها المناصب والكراسي ومراكز النفوذ حتى اصبح الوطن بلا خدمات بلا كهرباء بلا بنى تحتية بلا وظائف وان التعيينات فيه تكون فقط للمنتمين للاحزاب والمرتبطين بهم .

نخلص من العرض المتقدم أنَّ مصطلح الإسلام السياسيّ العراقيّ يُعدُّ توصيفاً خاطئاً للحالة العراقية لكنَّ شئنا أم أبينا دخل بحكم الأمر الواقع في جملة المسلمات الشهيرة للقاموس السياسي العراقي المعاصر، ولهذا الأمر خطورته ليس على الاسلام بشقه السياسي فحسب وإنما على المستوى الاجتماعي وفي بُعدهِ المحليّ والعالميّ أيضاً لما ينطوي من انتقاص للإسلام دين الرحمة والعدل والانضباط.

لا تعليقات

اترك رد