“على رصيف الميناء”(1954): التحفة الكلاسيكية الخالدة


 

حيرة “دستوفيسكية” وشاعرية سوداوية!
لعب هنا “مارلون براندو” دورا لافتا (تيري مالوي) في فيلم آخاذ من اخراج اليا كازان…فقد أبدع براندو بتقمص دور ملاكم سابق عادي، يعيش على الهامش، ويستفيد بشكل غير مباشر من شبكة الفساد المتفشية التي يعمل أخوه شارلي ضمنها (الممثل رود ستايغر بدور المحاسب الفاسد)، وتحت ادارة وقبضة رئيس النقابة والمافيوزي الجامح “جوني فرندلي” (الممثل لي جي.كوب)، وعندما تجرأ عامل شاب من عمال الميناء على منافسة فراندلي، يتم استخدام تيري (بدون أن يعرف ويقصد) لكي يقوده لحتفه!

وعندما يقع تيري بحب شقيقة الفتى المقتول ادي (الممثلة ايفا ماري سانت) يواجه خيارا “دستوفيسكيا” محيرا بين أن يعترف بالجريمة ويسعى للعدالة ويكسب حب الفتاة الجميلة المتعاطفة معه، وبين اخلاصه لشقيقه وولي نعمته شارلي وزعيمه الطاغية فرندلي بالطرف الآخر!
تصل العلاقة التفاعلية الابداعية لهذا الفيلم بحدها الأقصى بين المخرج كازان والممثل براندو، لذا يسمح كازان لبراندو بأن يرتجل قدر الامكان لاخراج غريزته التمثيلية لبعدها الخلاق المقنع، كمثال عندما يلبس بتلقائية قفازات حبيبته أثناء حديثه معها ثم ينزعهما بعد انتهاء الحوار، وكأنه يحاول هنا مجازا دخولها عاطفيا والتماهي معها ذهنيا وجسديا…كما حافظ براندو على تميزه المعهود طوال الفيلم، ولكن مشهدان لافتان كانا بالحق يشعان بالالهام والتألق: يتمثل أولهما عندما يجالس ايدي، ويكشف لها بأسى عن طفولته البائسة، ثم يتأوه بحرقة داخلية بالغة قائلا:..بيت ما! في اشارة حنين جارف لمنزل طفولته، ويقينا فهو شخص عادي، ولكن قدراته اللافتة على اخراج المعاناة والأفكار تلمس المشاعر، ونرى الحب يغمر وجهه كله، وكأن هذه العاطفة الجياشة تعيد ترتيب ملامحه وقسماته، ويقدم براندوهنا حضورا تمثيليا طاغيا لا يتقنه الا كبار الممثلين!

يحدث المشهد الثاني أثناء ركوبه التاكسي مع شقيقه، حيث يحاول اخبار شقيقه أن حبه واخلاصه له كان معيقا لتقدمه ومسيرته المهنية، يقول متحسرا “كنت سأكون شخصا ما منافسا” (عبارته الشهيرة) حينما يردد بحزن هذه العبارة “التبريرية” على مسامع شقيقه وكأنه يعتذر لأن شارلي خيب ظنه، ثم يصارحه “انه انت شارلي” بدون أن يشكو، ويتصاعد الموقف المؤثر مع توجيه شارلي مسدسا باتجاهه، فيحرك براندو رأسه غيرمصدق… محدقا بشارلي ككلب مخلص مخدوع، راسما ابتسامة باهتة على محياه وهامسا بتعجب ودهشة…هنا يصل هذا الشريط لذروته الدرامية الفريدة، وقد أعاد براندو هذا المشهد “اللافت” بفيلم “الأب الروحي” (لفرانسيس كوبولا في العام 1973)، وقد تقمص هنا دور “رود شتايغر”، وذلك عندما يخبر ابنه الأصغر “مايكل” قبل نفيه وتهريبه لايطاليا “لم أرد أبدا ذلك لك”! لأنه شعر بثقة بأن ابنه ربما سيكون له مستقبل مشرق “كمنافس” مرموق، ربما كحاكم او كرئيس، ولكن احلامه تطايرت والأهم الآن هو الحفاظ على اعمال الاسرة.

كما نلاحظ أن كازان تملك بحرفية كافة عناصر النجاح مع سيناريو “بود شولبيرغ”، وموسيقى “ليونارد بيرنشتاين” وكاميرا “بوريس كاوفمان” الذكية الدقيقة…حيث أن كل مشاهد الفيلم تشي “بشاعرية سوداوية” ابتداء من اللون الأسود الذي يطغى على معظم المشاهد، والمنازل الحالكة المواجهة لبعضهاالبعض، والأسطح الفارغة المركوبة “بأنتينات” التلفزة الطويلة المدببة، كما بحاويات النفايات المنتشرة، وبالناس الخائفين اللذين يسيرون بحذر بمحاذاة الجدران وقد دفنوا ذقونهم بذقونهم متحدين الرياح الباردة، وكأنهم غارقون باليأس والاحباط.
يستعرض لنا كازان خذلان براندو المقصود بحلبة الملاكمة ارضاء لرهان فرندلي وجشعه…ثم بمشاهد الخاتمة “الشيقة”عندما يضرب بقسوة متناهية من قبل “زعران فريندلي”، وعندما ينهض متثاقلا ومتحديا جروحه واصابته البالغة، ذاهبا بجرأة واقدام للعمل ومتحديا الطاغية “المهزوم” مع كسبه لتعاطف وتشجيع عمال الميناء اللذين اعتبروه بطلا وقائدا ثائرا…

وبراندو معا بتحقبق فوز ساحق واحراز جائزة نقاد نيويورك كأحسن فيلم واحسن ممثل للعام 1954، كما لاقى استحسانا بمهرجان فينيسيا السينمائي وتجاهلا “غير مفهوم” من لجنة التحكيم، وقد حقق براندو بهذا الفيلم واحدا من “اوسكاراته” السبعة الشهيرة.

لا تعليقات

اترك رد