الحاكم الإله

 

يذكر القرآن الكريم الكثير من القصص التاريخية والأمثلة على الحاكم الإله في الشرق حيث يقول في سورة القصص : ” وقال فرعون : يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري…” ويقول عبد الرحمن الكواكبي : ” ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ لنفسه صفة القداسة يشارك بها الله…” ويقول لوركا في إحدى قصائده:
-ما الإنسان دون حرية يا مريانا؟
-قولي لي : كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حرا؟
-كيف أحبك قلبي إذا لم يكن ملكي؟
-لا أفعل شيئا!
-ومن الذي يحكم؟
-القوانين!
ويعاكسه الشاعر السوري نزار قباني قائلا :
كيف أصدق أن الهرم الرابع مات ؟
القائد لم يذهب أبدا..
بل دخل الغرفة كي يرتاح..
ويقول عبد الملك بن مروان : ” والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه .”
أما الحجاج بن يوسف الثقفي فيقول: ” والله لا آمر أحدا أن يخرج من باب من أبواب المسجد فيخرج من الباب الذي يليه إلا ضربت عنقه …”
ويقول يسوع المسيح في انجيله ” مملكتي ليست من هذا العالم .”
أما الملك جيمس الشهير بتعديله الإنجيل فيقول : ” إننا نحن الملوك نجلس على عرش الله على الأرض .”
أما المنصور فيقول : ” يا أيها الناس ! إنما أنا سلطان الله في أرضه.”
الملك لويس الخامس عشر يقول : ” إننا لم نتلق التاج إلا من الله . ”
أما أفلاطون في جمهوريته فيقول : ” متى ذاق المرء قطعة من لحم الإنسان تحول إلى ذئب..”
وفي كتابه ” الحكم المدني ” يقول جون لوك : ” متى استغلت السطلة لإرهاق الشعب وافقاره تحولت إلى طغيان أيا كانت صورته.”
كثيرة هي الآراء في الحكام وطبائعهم. فهل هم من صنف البشر ؟ وإذا كانوا من صنف البشر ، كيف يمكن أن تكون إرادتهم حرة تحدد نفسها بنفسها؟ وكيف يمكن أن تكون بعيدة عن الأهواء والشهوات والأطماع؟
كيف صار الحاكم إلها ؟
لقد صار الحاكم إلها عندما اتحد الحكم الديني مع السلطة السياسية أو دعمها أو تقلد مقاليد الأمور في مجتمع ما . ولكي يستمر الحاكم أطول مدة ممكنة في الحكم سمي الحاكم المستمد سلطته وقوته من الإله المتمثل برجال الدين على الأرض . ويسمى هذا النوع من الحكم بالحكم الثيوقراطي . والحكم الثيوقراطي ليس دليل عافية في المجتمعات لأنه يلغي الاختلاف في الرأي ويدعو إلى الخضوع والشمولية حيث يلجأ الحكام المستمدين قوتهم من رجال الدين إلى هؤلاء لتأويل النصوص الدينية والدنيوية واصدار الفتاوى والأحكام وتقديم الاجتهادات الشخصية والتفسيرات الذاتية التي تمكنها من الوصول إلى السلطة أو مساعدة السلطة القائمة في الاستمرار. وهي تستخدم في ذلك أساليب رخيصة وسبلا وضيعة مثل التأويل والاقناع والدسائس والقتل والرشوة واستمالة الناس بالمناصب أو المال أو الإرهاب والنفاق والكذب .
ينشأ الحكم الثيوقراطي عندما ينقسم المجتمع السياسي إلى فئتين حاكمة ومحكومة . وإذا كان الحكام بشرا كالمحكومين فكيف تكون إرادتهم حرة تحدد نفسها بنفسها ؟ وكيف يمكن لإرادتين مذ ذوي البشر أن تعلو إحداها على الأخرى ولهذه مثالب ولتلك مثالب ؟
تأتي الإجابة على هذا السؤال من ضرورة أن يكون الحكام من طبيعة غير طبيعة البشر . هكذا تصور القدماء الحاكم من طبيعة إلهية فهو إله على الأرض وهو ابن الله في نظرهم . ولهذا السبب قبلوا أن تسمو إرادته على إرادتهم لأنها سامية ومنحدرة من الإرادة الإلهية ، وعندما نراجع النصوص القديمة في الصين والشرق العربي وبلاد الرافدين وسورية القديمة وبلاد الإغريق نجد أنها حافلة بأخبار الآلهة الحكام على الأرض . كانت النصوص الدينية مصدر قوة للحكام ولا زالت حتى العصور الحديثة، وربما كان أجمل حوار بين العقل والدين هو الحوار الذي جرى بين أوديب الملك وتايريزيس ممثل معبد دلفي عندما احتدم النقاش بينهما حول الطاعون الذي ضرب طيبة . اتهم أوديب تايريزيس بأنه أعمى البصر أما تايريزيس فقد اتهم أوديب بأنه أعمى البصيرة . يمثل هذا المقطع من المسرحية الشهيرة حالة تمرد على القوانين الدينية في ذلك الوقت . للأسف ، كانت النتيجة مؤلمة جدا لأن القوى الدينية تغلبت على قوى العقل . وحتى اليوم لايزال هذا الصراع محتدما ، وفي كل جولة نجد أن القوى الدينية والغيبية تتفوق على العلم والمعرفة. لقد مر الحاكم الإله عبر التاريخ بالمراحل التالية :
الحاكم من طبيعة إلهية لم يختاره الله لكنه كان الله نفسه، وقد ظهر هذا المفهوم في مصر وبلاد فارس والهند والصين وبلاد الرومان وكان ينظر إلى الملوك والأباطرة باعتبارهم آلهة .
الحاكم يستمد سلطته من الله مع ظهور الديانات التوحيدية كاليهودية والمسيحية والإسلام. فالحاكم إنسان يصطفيه اله ويودعه السلطة ، وتكون سلطته مستمدة من الله مباشرة دون تدخل إرادة أخرى في اختياره .
يجب تنفيذ كل ما يتفوه به صاحب الجلالة لأن مشيئته وإرادته هي القانون ولها ما للعقيدة الدينية من السمو والشأن فالحاكم لا يرتكب إثما قط لأنه من نسيج الإله .
ليس هناك قواعد قانونية مكتوبة إذ ليس هناك حاجة لمثل هذه القوانين طالما أن إرادة ورغبة الحاكم الإله هي العليا فهو مصدر التشريع والقوة التي تنفذه .
يحكم القضاة وفق الإرادة الملكية التي تتغير وفق الظروف .
الملك هو همزة الوصل بين الشعب والله .
الملك هو المشرع والمنفذ وهو يحق الحق وهو المرجع الأعلى والموئل الأسمى وإليه وحدة ترجع الأمور في نواصيها ومستقرها .
الحاكم الإله لدى البابليين :
لقد هبط النظام الملكي إلى البابليين من السماء والملك هو حاكم المدينة ، وهو الكاهن الأعظم ، وهو الكاهن الأعظم وهو نائب الإله على الأرض . كان الملك لدى البابليين يفاخرون بالأصل الملكي الذي ينتسبون إليه وكانوا بين الحين والآخر يذكرون الناس باختيار الآلهة لهم . لقد كان الملك لدى البابليين وكيلا لإله المدينة وباسمه كان يقوم بجباية الأموال والضرائب من الناس ، وكان الكهنة يخلعون على الملك عند التتويج السلطة الملكية ، وكان مقياس الفضيلة في في منطقة بلاد الرافدين هي الطاعة العمياء لهؤلاء الملوك. كانت الدولة تقوم على أساس الطاعة والخضوع للسلطة ، وكانت الحياة الفاضلة هي الحياة المطيعة وقد امتد هذا النظام القانوني حتى شاطئ البحر الأبيض المتوسط الشرقي.
الحاكم الإله عند الفرس :
أطلق الفرس على الحاكم اسم ملك الملوك وكان الملك صاحب السلطة المطلقة في كل كبيرة وصغيرة في البلاد . كان ملك الملوك ومن يفوضه صاحب الكلمة الفصل في قضايا الدولة وكانت رغباته هي القانون السائد والمطبق في عموم البلاد . الطريف في الأمر أن الاسكندر عندما وصل في اجتياحه إلى بلاد فارس وجد الناس يسجدون للحاكم ويؤلهونه فاقتبس في حكمه المزج بين التراث المقدوني والتراث الفارسي واخترع عادة السجود للملك وجعلها جزءا من الشعائر الدينية المتبعة عند التقرب من الملك أو الاحتكاك به .
الحاكم الإله عند الصينيين :
كان الحاكم عند الصينيين يستمد سلطته من الله الله فهو مندوب السماء على الأرض يحكم بين الناس وفقا للحق الإلهي الذي يخوله السلطة المطلقة وكانت الأعمال التي يقوم بها مقبولة من السماء وسائدة وهي رخصة الملك نحو الحكم والسيادة تزوده بالنفوذ السياسي الذي يلزم لتنفيذ القانون . كان الحاكم في الصين ابن السماء وممثل الإرادة العليا وهو سفير مملكة السماء على الأرض .
كان الحاكم الصيني هو من يسيطر على الفصول وكانت حكمته هي القانون الأعلى وأحكامه هي القضاء الذي لا يرد . كان يدير الدولة ويتدبر أمرها ورئيس كهنتها وقائد قواتها العسكرية وهو يختار من يريد لأعلى المناصب ويختار من يخلفه في العرش .
وقد اعتمد الحاكم الصيني على المستشارين والمبعوثين في تنفيذ سلطاته ، وكان إذا ظلم أو فسد حكمه بحكم العادات والتقاليد يمكن خلعه باتفاق أهل الدولة وقد كانت السماء ترسل اشاراتها على غضبها من الحاكم الإله عندما يحدث البرق والرعد والمطر في غير أوانه . وكان المستشارون والمجالس المدنية هي الرقابة الشعبية على أداء الملك وكان من حقه أن يستشير لإحقاق إرادته الملكية .
الحاكم الإله لدى اليونان :
وقعت المد\ن اليونانية لمدة قرن ونصف من الزمن تحت سيطرة الطغاة الذين يستمدون سلطاتهم من آلهة الأولمب ومعبد دلفي وقد اعتمد الحكم اليوناني على المدينة الدولة وكان لكل مدينة نظامها الخاص وحاكمها المطلق وحيث أن العلوم والحكمة والفلك والرياضيات كانت في مراحل متقدمة فقد انقلب الناس على الإرادة الملكية أكثر من مرة وظل المواطن اليوناني يخضع لإرادة الحاكم المطلقة دون أن يجعله إلها له . لقد كانت فكرة تأليه الحاكم أتية من الشرق ولا علاقة له بها .
الحكم في عقيدة الاسكندر المقدوني وفكره :
نقل الاسكندر معه فكرة التاج الملكي من بلاد فارس وكانت مرادفة لعبارة الملك . كان الاسكندر يعتقد نفسه المشرع الوحيد والقائد الأعلى للبلاد وأطلق على نفسه اسم سيد أسيا .ثم بدأ الاسكندر يتأثر بالأفكار الشرقية التي تؤله الحاكم وشيئا فشيئا يعتقد أنه إلها حقا وبدأ بدمج الثقافتين الغربية والشرقية معا واخترع عادة السجود للحاكم رغم معارضة المقدونيين الشديدة لهذه الظاهرة وطلبوا أن يقصر هذه العادة على الأسيويين فقط .
لم يفكر الإسكندر في تأليه نفسه إلا في الشرق فقد كانت أسيا وبلاد المشرق وبلاد الرافدين هي الأصل والمنبع في تأليه الحاكم وربما يعود ذلك إلى سيطرة الفكر الديني المطلقة على عادات الناس وتراثهم وثقافتهم .

لا تعليقات

اترك رد