فرغ عقلك


 

أول شيء يواجهك حين تفتح حسابك في موقع فيسبوك سؤال أعلى الصفحة (what,s on your mind )بمَّ تُفكر وكأنه يوجه لك دعوة لتفريغ عقلك على حائط صفحتك، أو يحثك على كتابة أفكارك.
بظني أن هذا السؤال العبقري لم يدوّن على حائط فيسبوك عبثاً أو لمجرد الرغبة في تشجيع المستخدمين على النشر فحسب، إنما تولد هذا السؤال العبقري عن دراسات علمية رصينة بشأن أهمية تدوين أفكارنا والتعبير عنها، لأن التفكير هو صوت العقل فينا والتعبير عنه احتراماً وإصغاءً لصوت العقل.
ما أهمية التعبير عن أفكارنا؟
بغض النظر عن مدى دقة هذه الأفكار أو تفاهتها لكنها مهمة جداً في كونها عملية تفكير، لأن التفكير رياضة ذهنية يؤدي التعبير عنها إلى تقويتها ونمائها وازدهارها، وهي على العكس تماماً من التلقين والحفظ الذي يؤدي إلى نمو القوة الحافظة في الذهن وضمور القوة المفكرة خصوصاً إذا لم يعتمد منهج علمي سليم في تنمية المهارات الذهنية بصورة سوية تجعل من القوة الحافظة في الذهن قوة ساندة للتفكير وداعمة له.
لماذا ينبغي أن نهتم ب ؟
ورد في عدد من النصوص الدينية المباركة آيات وأحاديث حث على التفكير وتعظيم منزلة المفكرين مثل (فِكْرَةُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً) وذلك لعظيم الأثر الذي يتحصل من الدوام على التفكير، ومن الفوائد الكثيرة للتفكير القدرة الذاتية على فحص الأفكار والآراء والمواقف والتقاليد والعادات والمفاهيم الاجتماعية أو السياسية أو الدينية أو غيرها، على العكس من ذلك الأشخاص الذين لا يفكرون كثيراً، أو لا يحرصون على التعبير عن أفكارهم، فإن قدرتهم على التمييز بين الأشياء تكون ضعيفة عادة لذلك يكونوا عرضة للاستغلال من قبل الآخرين.
كيف نتعامل مع أفكار الآخرين الغبيّة؟
ينبغي علينا أن نتحلى بشيء من الوعي في التعامل مع الأفكار الغبية التي يتم مناقشتها معنا يومياً، سواء من أصدقاء أو أثناء العمل أو في المدرسة أو في المنزل مع العائلة أو الأطفال، لأن الأفكار التي تبدو غبية ليست كذلك بالضرورة، فالكثير من النظريات والاختراعات التي كان لها الفضل في تغيير هذا العالم نحو الأفضل بدتّ غبية للوهلة الأولى، إضافة إلى ذلك أن الأشخاص الذين نجحوا في تطوير تفكيرهم لديهم ميلّ طبعي لدعم الآخرين لتطوير أفكارهم، فالفشل في التواصل مع الأفكار الغبية يعني بالضرورة عدم القدرة على تصويبها وتصحيحها ونقدها بصورة صحيحة، وهذه أهم نتائج التفكير السليم.
كيف نفرق بين الأفكار وغيرها؟
نتعرض يومياً لنقاشات تستعمل فيها نصوص أدبية أو دينية أو موروثات اجتماعية وأعراف عشائرية في مواجهة أفكارنا وآراءنا، يعتقد الأشخاص الذين يعتمدونها في النقاش أنها أفكار، أو أنها تصلح لنقد الفكر، والصحيح أن هذه النصوص والأقوال ذات قيمة رمزية ومعنوية كبيرة ينبغي علينا احترامها، ولكن لا يصح استعمالها في مواجهة الفكر والرأي، إلا إذا كانت على سبيل تعزيز فكرة ما أو شاهد على فكرة ما، كما الاِكثار من الاِستناد إلى النصوص المغلقة يتسبب بهدر كبير للأفكار، وربما يتسبب بتعطيل المنتج الفكري والعقلي والعلمي وتحويل المجتمع إلى قطيع من النسخ المكرر عن المرحلة الزمنية التي تعود لها تلك النصوص.
فرغ عقلك أم أملأ عقلك؟
العلاقة بين تفريغ العقل وملئه طردية، فكلما كنت أكثر قدرة على تفريغ عقلك (بمعنى التعبير عن أفكارك) سيكون عقلك أكثر امتلاء قياساً بالأشخاص غير القادرين على تفريغ عقولهم، وكلما كنت أكثر شجاعة في التعبير عما يجول في خاطرك، تصبح أكثر عرضة للجدل والنقاش والحوار والعصف الذهني، وهذه مهارات لها تأثير إيجابي عظيم على حياتك اليومية ودراستك وعملك وعلاقتك مع أسرتك وأصدقائك.

لذا أدعوكم صديقاتي أصدقائي أن تفرغوا عقولكم ولا تترددوا في ذلك.

المقال السابقالحاكم الإله
المقال التالىالفنون التشكيلية ج2
يث التميمي باحث وكاتب عراقي يعيش في بريطانيا ولد في مدينة الكاظمية على شواطئ بغداد أكمل دراسته في الحوزة العلمية في النجف الأشرف، تخصص في مجال دراسات الفكر الاسلامي، رئيس المركز العراقي لإدارة التنوع، عضو الجمعية العلمانية العالمية، ناشط مدني وسياسي، لديه عدد من الأبحاث والدراسات واللقاءات التلفزيون....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد