عن حوار القلب والعقل


 

لعل تونس واحدة من المحطات التي ساعدتني على التنفس من جديد، خصوصا أنني من المقيمين في إحدى الدول الأكثر استهلاكية في العالم. في البداية، أصابتني الدهشة وأنا خارجة من المطار، اعتقدت أنني على موعد مع تلك المدينة المعاصرة التي تحاكي الأصالة بالحداثة، لاسيما وأنها أول دولة عربية خرجت فيها الهتافات السلمية في شارع حبيب بورقييبة، وأول بلد عربي حقق للمرأة حقها في الميراث، وأول بلد عربي نجحت فيها الديمقراطية عندما أوصل الحزب الإسلامي إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع وليس عبر العنف وو …لكن مظاهر الترييف والفوضى غلبت الصور النمطية المسبقة التي رسمتها في رأسي عن ديار ابن خلدون!

إلّا أنّ هذا لم يفقد البلاد سحرها وبريقها، ما إن تجولت في المدينة العتيقة حتى غرقت في ثناياها، أترنّح على نغمات صباح فخري ويا مال الشام التي يملأ عبقها كل مكان، أجد نفسي أدندن هنا وهناك مع صبات الشاي وصيحات “ع سلامة .. تفضلوا .. شاي بالنعنع ؟! لأجد نفسي متقمصة الشخصية التونسية ” شكرا.. يعيشك”.

أكملت الجولة وأنا غارقة في أعماق المدينة الساحرة، وصلت إلى جامع الزيتونة الذي يشبه كثيرا الجامع الأموي في حلب أو ما نسميه الجامع الكبير، فهو لديه أكثر من ثلاثة أو أربعة أبواب، أحد تلك الأبواب موجود في قلب المدينة، تسللت منه إلى داخل الجامع، حتى أطلّت أمامي المئذنة بزخرفتها الأندلسية العظيمة، وجدت كيف تتراكض النساء والأطفال في باحاته.. وكيف يعتكف الرجال في زواياه.. ما لبثت أن خرجت من الجامع، حتى نفذت رائحة العطور إلى أنفي وهي تعبق أزقة المدينة العتيقة.

وأنا أسير، خطفتني المقاهي “الانتيكة” يمينا وشمالا، مقاهي توحدّها القلوب المتناقضة، مقاهي حيّة بأرواح سكانها؛ التقيت بداية بالأب وابنه في دكاّن صغير يعملان على خياطة القبعات التونسية التراثية التي ورثوها عن أجدادهم… ثم عندما أكملت السير قليلا، قابلت شابا بائسا معتّرا، تكلّف غصبا مسؤولية دكان والده في بيع التحف المنزلية والصمديات، وهو من شدة صدقه، لم يبدو أنّه يجيد فنون البيع والتفاوض.

دخلت مع صديقتي إلى متجره لنشتري بعض الهدايا، كان ملفتا حجم التحف المنزلية التي يقتنيها والأسعار المناسبة التي يقترحها. اشترت كل منا مجموعة من الصمديات والزخارف الفسيفسائية التي تعلق على الحائط. وعندما انتهينا، توجهنا لطلب الحساب.. وما أدراك ما يوم الحساب؟!

لا أعرف حتى الآن لماذا ترددت في اللحظة الأخيرة فيما اشتريته، علما أنني اخترت بنفسي أغراضي ولم يجبرني أحد على شيء. دفعت للشاب ثمن ما اشتريت، ثم أردت شراء شيئا آخر. سألت الشاب عن ثمن اللوحة الجديدة التي أعجبتني بدلا عن اللوحات الصغيرة التي اخترتها، فأخبرني بأنها ضعف ثمن اللوحات الصغيرة. كان منطقيا جدا الثمن، وحاول أن يشرح لي موضوعية السعر، إلّا أنني وفي تلك اللحظة، أحسست بأنه يخدعني، وأردت ان أوضح له أنّه لا يمكنه العبث معي، فأنا أعرف جيدا فنون التفاوض، ورفضت تصديقه. في الوقت الذي وصلت فيه النقود إلى جيبته، كانت “الأنا” الفوقية (الايغو) في أوجها لدي، لم يعد قلبي يدرك شيء، فجأة أغلقت جميع مدارك إحساسي، وهو مازال يحاول إقناعي بأن السعر الذي اقترحه عليّ منطقي جدا. لم أعد أرغب في ذاك الوقت بشراء أي شيء.. أردت فقط نقودي.. على الرغم من أنّه رضخ للسعر الذي وضعته، بل أكثر من هذا، لم يعد يفكر هو أيضا، أراد فقط أن يثبت لنفسه أنه يستطيع البيع.. وإن بخسارة! لكني ما زلت أعاند. أردت مغادرة المكان، لأنني توترت، وبدأت ضربات قلبي تتسارع مع إصراره الشديد على بيعي التحفة بأي ثمن، واللحاق بي خارج الدكان. قلت له، لم أعد أريد شيء، أعطني نقودي ودعني أذهب..

أعاد لي النقود، مع الكثير من الحزن والغضب، أذكر انه قال لي: “الشاب الصادق والملتزم في هذه الأيام ليس له مكانا في هذه الدنيا.. أنت تفضلين أن يتم خداعك.. أنت تريدين فقط أن تنفذي كلامك.. الدنيا لا تسير هكذا .. الدنيا أخذ وعطا.. الدنيا تسير بيدين وليس يبد واحدة..”

خرجت من المكان مع نقودي والكثير من النفور ضد هذا البائع الشاب، وركبنا سيارة الأجرة أنا وصديقتي متوجهين إلى متحف باردو، حيث جرى الحوار التالي بيننا: (الحوار بالعامية)

جواهر: زينة، شو صرلك؟
زينة: ما بعرف، عصبّت منه وزعلت عليه!
جواهر: طب ليش؟ نزل معك بالسعر للحد اللي إنت طلبيته، ليش ما عاد بدك تشتري؟
زينة: إصراره بإقناعي خلّاني أفقد اعصابي، ما عدت أفكر بعقلي، صرت أتصرف من قلبي.. والقلب لا يمكن محاسبته على تصرفاته، لأنه يحرف كل شيء عن مساره.. ما في منطق مع القلب..
جواهر: يعني لما جيتي بدك تحكمي العقل والقلب، استعملت كل واحد منهم في المكان الخطأ. كان من المفروض أن تحتكمي إلى عقلك وتحافظي على توازنك ووعيك بدل ما يضرب عندك “الايغو” ويسكر عندك القلب ؛على عكس بعض المواقف اللي عندما تستلزم أن ينطلق قلبك فيها بدون فرامل، تكبحيه بقيود العقل!!!

استمر الحوار بيننا حتى وصلنا للنتيجة التالية:
عندما يقرر أحد شيئا ويعتمد عليه، عليه أن يغلق الصندوق وينتقل إلى المرحلة التالية، لا يجوز النظر إلى الوراء بعد اتخاذ القرار، لأنّ العودة دوما إلى المربع الأول تجعل الانسان يتخبط في حياته، ويخسر كل ما يحب.

قد يبدو هذا الموقف للقارئ بسيط جدا ويحصل بشكل مستمر، كما يقول المثل الفرنسي ” دع الشيء.. يلحق بك، الحق بالشيء ..ينفر منك” Fuie le il te suit, suis le il te fuit

ولكن تصرفات البشر تختلف باختلاف المواقف وإن كانت مكررة. وحده الوعي ما يميز هذه التصرفات، وهو ما يساهم في ضبط ردود فعل البشر.

كان درسا من دروس الحياة.. حوار القلب والعقل .. شكرا تونس!

لا تعليقات

اترك رد