يوميات مواظب (ع . س) ج2

 
اللوحة للفينيق حسين صقور
اللوحة للفينيق حسين صقور

بقيت معلقاً بالأمل وصار يتملكني الملل بعد ساعتين من الانتظار وصلت العربة وضاعت يدي الممدودة في الازدحام حاولت التشبث بالأخرى … ولكن .. انتابتني الهستريا وصرخت من شدة الألم .. كنت أبحث عن ذراع ممدودة و أحاول إنقاذ أخرى إلى الخلف مشدودة أبعد البائع المزدحمين وأقسم أنه لن يعطي رغيفاً إن لم يعودوا إلى أدوارهم منتظمين ثم أشفق علي هذا ما بدا لي حين أعاد لي الفكة وناولني ربطتين أنا المنتظر في طابور الربطة الواحدة والحقيقة أني لا أذكر متى وكيف سحب النقود من قبضتي ولكني أذكر أني تعرفت على ذراعي حين ناولني الربطتين ثم عرفت أن المهمة الأصعب هي الخروج من بين تلك الحشود فمكاني محط أنظار الجميع والكل يخشى عليه أن يضيع ترحمت على نفسي وحاولت سحب الجسد الملتحم برغيفه بنفسي ولكن أعتقد أني حينها خرجت دون أن تلمس قدماي الأرض والأنكى لم أشعر أن نظاراتي الطبية بفعل الأيادي الطيبة سقطت على الأرض وحينها تملكني الغضب أبعدت عن المكان الجميع إذ كنت أخشى أن تتكسر النظارات تحت الأرجل أو تضيع وحين انحنيت للبحث دق طفل على كتفي وناولني النظارات تفقدتها وحمدت الله أنها لم تتكسر ناولت الطفل رغيف وهممت للهروب من ذاك المكان المخيف كانت القطرات تواصل الكتابة فوق ما بقي من جفاف وبدأت حروفها تسيل على الحواف اشتد سوط الكلمات فخبأت الربطتين داخل المعطف وأسرعت الخطا ..

بدا لي من البعيد صديق لم أره منذ زمن بعيد كان المطر لا يزال يواصل ملء الصفحة الأخيرة بيننا فكانت الأخيرة قفزة تجاوزت فيها المستنقع لأصير إلى جواره تحت مظلة قرميد أمام إحدى المحلات صافحته وصرنا نختلق المبررات فسيارته في التصليح والسيارات العمومية لا تزال تواصل زحفها الطويل نحو إحدى محطات الوقود ووو في أوج حوارنا مرت إحدى السيارات تجاهلناها رغم ما أطلقه السائق من إشارات ولاختصار المزيد من الإحراج ودعته وتابعت الطريق تحت سقف السماء والماء تارة غدق وأخرى رذاذ أما أنا فكنت أواصل غير آبه إلى أن توقفت سيارة نقل (سرفيس ) بقربي .. صعدت غير مضطر لوصول أبكر فأبنائي صاروا في المدرسة والخبز عنهم تأخر ..

أرخيت جسدي على المقعد المجاور للسائق وبدا لي كما لو أنه يتابع حديثا كان قد بدأه مع ركاب آخرين ولولا تقديري لمتاعب المهنة لاعتقدت أنه مجنون ربما هي ساعات العمل الطويلة سببا في محاولاته لتسلية ذاته و لتجاهل تبدل الركاب وربما ليحمي نفسه من مشاعر الإهانة المرافقة لبتر الحكاية لذلك يصر على مواصلتها إلى النهاية أما أنا فكنت أرثي لحالي مابين وبين بين إرهاقي وأفكاري ثم أصرار السائق جاري أخرجت من داخل معطفي الربطتين وصار الخبز حديث الركاب الآخرين .. أخيرا أنقذني صعود راكب استقر بيننا واصل السائق حديثه وتفاعل معه الراكب الجديد بدقائق .. أما أنا فأشعلت من كلماتهم ناراً تدفأت عليها ثم غفوت ولم أستيقظ إلى أن نبهني السائق على بعد موقفين من مكان نزولي وأرفق تنبيهاته بتعليقات حانقة و محرجة ( ما تواخذني صحيتك .. حتى أستأذنك .. إذا بتحب آخدك معي لتكمل نومتك بالبيت عندي ) مسحت عيني من تحت نظاراتي .. اعتذرت له ثم أعطيته القطعة الورقية المتبقية في جيبي وطلبت منه التوقف .. أعاد الفكة وهو يقول ( منيح اللي صحيناك لكن كانت راحت عليك ) ابتسمت ونظرت إلى ما أعاده مستنكراً أما هو فعقب موضحاً ( هيدي الخمسين الجديدة ما تستغرب يمكن صعب تميزها عن الخمسة ) نزلت من السيارة لأواجه مهمة قطع النهر الفاصل ما بيني وبين الرصيف تراجعت للخلف قليلاً لأقفز على أحجار وضعها بعض المشاة لتسهيل الوصول ولا بأس إن لم أوفق فالرطوبة لا تزال تنهش أقدامي وتتسسل لعظامي .. مددت يدي على جيبي الداخلي لأخرج النظارات الخاصة بالقراءة وأتأكد من تلك القطعة النقدية وهنا ترتسم الابتسامة الأكثر مرارة حين تكتشف أن ربطة خبز بخمسين ليرة كلفتك أضعاف ثمنها فمن الغرابة أن تنكسر نظارتي الخاصة بالقراءة في حين تبقى نظارات البعد سليمة .. ربما حدث هذا بفعل ضغط الازدحام أمام المخبز .. وماذا الآن للراتب أجنحة ترفرف في يومه الأول .. أرجو أن زوجتي استطاعت شراء أدوية السكري وأرجو و أرجو ..

أكملت طريقي صعوداً أراقب النهر الجاري وأحاول الهروب من أفكاري حتى كادت خطواتي أن تصير هرولة .. صعدت أدراج البناء ثلاثاً ثلاث .. إلى أن عند الباب أخذ المحمول يرن ( ألو.. ألو .. أهلاً أستاذ .. شو عم تقول … اجتماع طارئ للمدرسين .. بس اليوم تفريغي … وقبل ساعة عم تخبرني مبكر والله ) قطعت اتصالي مع المدير وتطلعت إلى زوجتي التي كانت تراقب جوار جرة غاز جائعة نظرت متألمة ناواتني أوراق نقدية وقالت ( إلي ساعة عم حاول أحكي … العالم ناطرة عند المؤسسة عم يقولوا رح يجي الغاز ما قدرت وفي كل الالتزامات ..وهاد اللي بقي .. لحق حالك إلنا شهر بلا جرة الولاد اشتاقوا لطبخة ) ناولت زوجتي الربطتين وووو ………………………….

لازال الطريق في أوله لتلخيص يوم من يوميات مواظب سوري ..
انتهت الصفحات وانتهى الوقت المخصص … لكن لم ينته اليوم بعد

اللوحة للفينيق حسين صقور

لا تعليقات

اترك رد