اللعب على أوتار الحرية وصناعة البطل الأسطورة


 

السنيما، تلك الشاشة الفضية، ماهي إلا نافذة من الأمل والحرية لجميع المشاهدين. ومن أفضل لحظات الحرية التي ينالها المشاهد، هي تلك التي يتوحد فيها خياله مع شخصية بطل الفيلم، ويا حبذا، لو كان هذا البطل من الشخصيات التي حفرت نفسها في ذهن المشاهد على أنها أيقونة، وأما لو كانت على شاكلة “جيمس بوند”، أو “روبين هود” أو “لانسيلوت”، فلسوف ترقى إلى منصة البطل الأسطورة. تلك الأسماء الخالدة لأبطال أفلام خرجت من الشاشة، وصارت تعيش معنا على أرض الواقع بسبب تعلقنا بها، لكن يجب ملاحظة أن جميعها تنتمي للمجتمع الأبيض. فهل استطاع المجتمع الأفريقي الأمريكي أن يخلق أبطالاً تعبر عن واقعه؟

فبداية من النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، فتحت أبواب من الأمل والتطلع على مستقبل من المساواة والعدالة أمام المجتمع الأفريقي الأمريكي، بعد أن نال أفراده ما تم اعتباره الحصول على تاج الحرية الفعلية، والتي نجمت عن الانجازات التي حققتها حركة القوى السوداء Black Power Movement ، والتفاني في الترويج لمطالب المجتمع الأفريقي الأمريكي والمناداة بحريته من قبل شخصيات نالت شهرة عالمية واسعة، مثل: مارتن لوثر كينج Martin Luther King ، ومالكولم إكس Malcolm X الذي تبوأ كل منهما مكانة البطل الأسطورة الذي خرج من عالم أسود البشرة، وعبر بحكمته للمجتمع الأبيض العالمي، أي أن شخصية البطل لا يمكن أن تكون قاصرة على مجتمع بعينه فقط.

لم يتنبه المجتمع الأفريقي الأمريكي أن الحرية التي قبضوا عليها مؤخراً لسوف يقتسمها معهم المجتمع الأبيض، بل ويستفيد من ثمارها. وكانت صناعة الإعلام التي قدمت الحرية لهذا المجتمع هي أول من استفاد من هذه الثمار. فانتشر الأفريقيين الأمريكيين في الإعلانات، وانتشر وجودهم على ساحة الغناء، وازداد الاحتفاء بهم. أما على صعيد الأفلام، فلقد كبرت مساحة الأدوارالممنوحة لهم، إلى أن أصبح لا يخلو أي فيلم من وجود شخصيات أفريقية أمريكية. لكن كان يعيب ذلك، وضع الممثلين الأفريقيين الأمريكيين في أغلب الأعمال في قوالب محددة تتناسب مع طبيعة مجتمعهم، فهم: رجال العصابات، وتجار المخدرات، ورجال العالم السفلي للجريمة، والعنف، وسفك الدماء. وقلما أن يكون لأحدهم دوراً رصيناً فاعلاً، كالطبيب، والمهندس، والقاضي، ورجل الشرطة. فالصورة السائدة للرجل في أفلام المجتمع الأفريقي

الأمريكي، هي رجل العصابة الغارق في العنف، والمخدرات، والجريمة. أما النساء، فانحصرت أدوارهن في فتيات الليل، والعاهرات، أو ربات البيوت من السيدات الفقيرات.

وللإمعان في قطف ثمار هذ الحرية، فكر صناع السينما في خلق ما يسمى ب “البطل الأسطورة” الذي يجب أن يكون نبراساً لأفراد ليس فقط المجتمع الأفريقي الأمريكي، بل أيضاً المجتمع العالمي.

ولقد أقنع المنتجون السينمائيون بهوليوود القائمين على هذه الصناعة أن يشرعوا في إيجاد موضوع يتناسب وشخصية تصلح أن تمجد كبطل أسطورة، شريطة أن، يكون هذا البطل الأسطورة معبراً عن هويته، مؤكداً لها في جميع أفلامه. وعلى هذا، كان الفن الأسود هو الحضن الدافئ الذي يفرز تلك النوعية من الأبطال؛ فصارت خلطة النجاح الناجعة استخدام مفردات المجتمع الأفريقي الأمريكي من عنف مفرط، وجريمة، واللعب على أوتار العنصرية، والاعتزاز بنموذج الرجل الفحل ساحر ومعشوق النساء، مع الحرص أن تدور أحداث الفيلم في الأحياء الفقيرة للمجتمع الأفريقي الأمريكي، ومن أهمها بالتأكيد حي الهارلم، ولا يجب أن ننسى أن الألفاظ النابية والصفيقة تعد من أهم العناصر المميزة لتلك الأفلام.

وبالفعل، استطاعت هوليوود خلق بطل أسطورة يحمل تلك المواصفات أجمعين. وكانت الإنطلاقة الأولى لهذه الأفلام في عام 1971 مع فيلم “شافت” Shaft الذي يدور حول المخبر السري “جون شافت” الذي يكلفه أحد رجال عصابات الهارلم أن ينقذ ابنته من براثن رجال عصابة إيطاليين قاموا باختطافها. ولقد حقق هذا الفيلم نجاحاً منقطع النظير بسبب خلطته السحرية السالفة الذكر، فاحتضنت أفلام هوليوود شخصية الرجل الأسود الذي صار ليس بالمنفر للمجتمع الأبيض.

أي أن، صار فيلم “شافت” Shaft الذي ينتمي لسنيما العنف المفرط والجريمة، أو السينما السوداء، البوابة التي عبر منها المجتمع الأفريقي الأمريكي إلى التقدير المحلي والعالمي؛ حيث لم تظهر أبداً أي أصداء للتمييز ضد المجتمع الأفريقي الأمريكي بسبب لون البشرة، بالرغم من أن أغلب الموضوعات التي تتناولها هذه النوعية من الأفلام قاصرة على المجتمع الأفريقي الأمريكي فقط. وكانت الإيرادات العالية لهذه الشريحة من أفلام السينما السوداء الدافع للاحتفاء بها، واحتضانها بشدة من قبل صناع السينما بهوليوود.

ولكن، فيما يبدو أن فترة التزاوج بين التسامح والعنصرية دوماً وجيزة؛ حيث تعالت وتفشت الأصوات المنادية بعدم انتاج هذه الشريحة من أفلام السينما السوداء؛ لأنها تظهر المجتمع الأفريقي الأمريكي بشكل سئ. في حين أن، آخريين اعتبروا أن تلك النوعية من الأفلام لا تمثل

إلا استغلالاً لكل فرد من أفراد المجتمع الأفريقي الأمريكي. ويعزو البعض أن المحرك الرئيسي لهذه الأصوات هو المجتمع الأبيض، وعلى وجه التحديد، ذوي النفوذ من صناع السينما بهوليوود، الذين لا يناسبهم أن يتقاسم معهم المجتمع الأفريقي الأمريكي الأرباح الضخمة التي تدرها هذه الأفلام التجارية.

وعلى إثر هذا، خبت هذه الأفلام تماماً مع مستهل عام 1980، وإن عادت في شكل فيلم جديد عام 2000 ، تم الترويج له على أنه الجزء الثاني من فيلم شافت” Shaft القديم، الذي تم انتاجه عام 1971، والذي تم وضعه في مكتبه الكونجرس باعتباره أحد الأفلام الهامة التي تؤرخ لحقبة تاريخية هامة وفيصلية بالنسبة للمجتمع الأفريقي الأمريكي.

ومن الجدير بالذكر، أن فيلم “شافت” الجديد (عام 2000) بالرغم من أنه قد حقق نجاحاً على الصعيد التجاري المحلي والعالمي، لكنه لم يحقق أي نجاح على المستوى الفني مثل فيلم “شافت” القديم. وبالرغم من أن الفيلم قد حافظ على خلطة الأفلام السوداء التي تمزج الحركة بالجريمة والعنف المفرط، بل وأضيف إليها العنصر الكوميدي، لكنه لم يعلق في ذهن المشاهد بعد فترة عرضه.

فلا تزال شخصية البطل الأسطورة الأفريقي الأمريكي الذي يعبر الشاشة الفضية ليعيش معنا على أرض الواقع في أيدي القدر، لكن هناك أيضاً محاولات للبحث عنها.

لا تعليقات

اترك رد